رحَمَاتٌ ثلاث: في الرَحِم… والجمجمة… والثديين!

مقالات

نظريتان تفسيريتان تفترض إحداهما أن سببه اضطراب يصيب النسيج الضام… وتعتقد الثانية أنه ينجم عن جفاف في العمود الفقري

سوائل أجسامنا هي بمثابة «أنهار» فعلية تسري في سائر أرجاء البدن لتمنحه نبض الحياة والحيوية والصحة والعافية، بل وينطبق عليها كل ما ينطبق على الأنهار الجغرافية التي تسري في أرجاء الأرض.

فعلى غرار الأنهار الجغرافية، يمكننا القول إن أنهار سوائل أجسامنا لها منابع ومصبّات، وفيها تيارات تجري بسرعات متفاوتة، وفيها تسبح كائنات حية. بل ومثلما أن الأنهار الجغرافية قد تُصاب بالتلوث لأي أسباب بيئية، فإن أنهار سوائل أجسامنا معرضة أيضا للتلوث بالميكروبات أو السموم أو غير ذلك من مسببات الأمراض.

لكن ما يسري في أنهار أجسامنا ليست مياها خالصة، بل هي مياه متنوعة وبها أخلاط، إذ يحمل كل نوع منها عوالق بيولوجية ومكونات تمنحه خصائصه الحيوية الضرورية لقيامه بوظائفه الكثيرة والمتنوعة في سياق منظومة البدن ككل، وهي الوظائف التي يجمع بينها قاسم مشترك واحد ألا وهو: المحافظة على استمرارية إبحار سفينة حياة البدن.

من منطلق تلك الأهمية الفائقة لسوائل أجسامنا، نسلط ضوءا تعريفيا في هذه السلسلة المؤلفة من 3 حلقات متتالية أسبوعيا على سوائل الجسم الرئيسية، وتحديدا: الدم، وماء الذكر (المنيّ) وماء الأنثى اللذان يمكننا أن نطلق عليهما معا اسما جامعا هو «ماء التناسل»)، والسائل الأمنيوسي، وحليب ثدي الأم، والسائل الدماغي الشوكي، والعصارات الهضمية، واللعاب، والعرق، والبول.

وهذه الحلقة الثانية ضمن سلستنا الراهنة تتناول ثلاث «رحمات» من بين النعم السائلة الكثيرة التي يغدق الخالق (سبحانه) بها على الإنسان خلال المراحل الأولى من تخليقه. وتلك الرحمات الثلاث هي:

– السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين في رحم أمه ليوفر له بيئة بيولوجية فائقة الراحة ومتعددة الوظائف.

– السائل الدماغي الشوكي الذي يحيط بالمخ في الجمجمة ليحميه من بين مهام أخرى.

– حليب الأم الذي يتدفق دافئا سائغا شهيا ليتغذى عليه المولود.

أولا: السائل الأمنيوسي

السائل الأمنيوسي (أو الأمنيوتي) يُوجد داخل الكيس الأمنيوسي في رحم المرأة الحامل، وهو سائل غذائي علاوة على أنه يوفر الحماية والراحة وسلاسة الحركة للجنين.

ينشأ الكيس الأمنيوسي في الرحم ويبدأ بالامتلاء بالسائل وغيرها بعد أسبوعين تقريبا من تخصيب بويضة المرأة. وفي وقت لاحق – وتحديدا بعد 10 أسابيع تقريبا – تنشأ في ذلك السائل بروتينات وكربوهيدرات ودهون ودهون فوسفاتية ويوريا وشوارد حرة، وهي مكونات غذائية تساعد في نمو الجنين. ويستمر إفراز السائل الأمنيوسي الذي يحيط بالجنين حتى الأسبوع 14 من الحمل، وتحديدا حتى النقطة التي يبدأ فيها جلده بالتقرُّن. وخلال الأسابيع من 8 إلى11، يبدأ الجنين التبول في ذلك السائل، وهذا هو سبب كون السائل الأمنيوسي يحوي آثار بول في مراحل لاحقة من الحمل.

تزداد كمية السائل الأمنيوسي مع نمو الجنين، وتصل إلى ذروتها في الأسبوع الـ 34 من عمر الحمل حيت يصل حجمها إلى حوالي 800 مليمتر مكعب تقريبا، ثم تبدأ بالانخفاض تدريجيا إلى ما يقرب من 600 مليمتر في الأسبوع الـ 40 من الحمل، والذي يكون عادة متزامنا مع اقتراب موعد ولادة الجنين.

وأثناء فترة الحمل، يتجدد السائل الأمنيوسي باستمرار وبمعدل مرة كل بضع ساعات وذلك لأن الجنين يتبول فيه ولا بد من تجديده وتنقيته من النفايات. ويبلغ المجموع الإجمالي لحجمه المتجدد حتى الولادة نحو 700 لتر، وهذا هو سبب شعور المرأة الحامل بالعطش كثيرا.

وعند المخاض الذي يؤذن باقتراب الولادة، يخرج السائل الأمنيوسي متدفقا عندما يتمزق الكيس الأمنيوسي الذي يحويه. وفي حال تمزق ذلك الكيس جزئيا قبل موعد المخاض، فإن ذلك يعرف طبيا بـ «تمزق غشائي سابق لأوانه». ويمكن أيضا تمزيق الغشاء الكيس الأمنيوسي اصطناعيا، وذلك كي يتم إخراج السائل من داخله إذا لم يتمزق غشاء كيسه عفويا بفعل تقلصات المخاض.

وظائفه

قد يتعجب كثيرون إذا علموا أن الجنين يستنشق السائل الأمنيوسي شهيقا وزفيرا خلال فترة الحمل. فمن الضروري أن يدخل ذلك السائل إلى تجويف رئتي الجنين لتمرينهما وإكسابهما الشكل الطبيعي. كما أن ابتلاع الجنين لكميات من السائل الأمنيوسي هو الذي يؤدي إلى إدراره للبول.

وعلاوة على ذلك، يوفر ذلك السائل الحماية للجنين في حال تعرضت أمه إلى صدمات، ويمنع التصاق أعضائه الظاهرة ببعضها البعض، وذلك فضلا عن توفير الراحة وسلاسة الحركة له، ويعزز قوة ونمو العضلات والهيكل العظمي، ويساعد على حماية الجنين من فقدان الحرارة.

ثانيا: السائل الدماغي الشوكي

السائل الدماغي الشوكي (أو السائل الدماغي النخاعي) هو سائل حيوي وفائق الأهمية يتم إفرازه من الضفيرة المشيمية التي توجد في بطينات الدماغ، ويشغل هذا السائل هذه البطينات بالإضافة إلى الفراغ تحت العنكبوتي للدماغ والحبل الشوكي. وبشكل عام، يسبح ذلك السائل في مسارات دقيقة في الفراغات تحت العنكبوتية وحول الدماغ والحبل الشوكي الممتد في داخل العمود الفقري.

وظائفه

للسائل الدماغي الشوكي وظائف عدة، من أهمها:

● مقاومة وامتصاص الصدمات الخارجية التي قد يتعرض لها الحبل الشوكي والدماغ، وبهذا فإنه يوفر وقاية ضد إصابات قد تكون قاتلة.

● المحافظة على توازن السوائل والمركبات المختلفة داخل الدماغ.

● منع دخول أي مواد غريبة قد تؤذي الجهاز العصبي.

إفرازه ودورانه

يتم إفراز السائل الدماغي الشوكي من الخلايا البطانية الموجودة في الضفيرة المشيمية لبطينات الدماغ. وهي الخلايا التي تفرز حوالي 450 مليلترا منه يوميا.

وإذ يدور ذلك السائل في الفراغ تحت العنكبوتي للدماغ والحبل الشوكي، فإنه ينتقل من البطينات الجانبية الموجودة في نصفي الكرة الدماغية عبر الفجوات بين البطينية إلى البطين الثالث الموجود بين فصوص المهاد، ثم ينتقل عبر القناة الدماغية إلى البطين الرابع، حيث يتسرب عبر 3 ثقوب، حيث يتوزع في الفراغ تحت العنكبوتي إلى الأعلى حول الدماغ وإلى الأسفل حول الحبل الشوكي الممتد في العمود الفقري.

ثالثا: حليب الأم

حليب الرضاعة هو ذلك السائل السائغ الذي يُفرزه ثديا الأم طبيعيا، وهو المصدر الرئيس لتغذية الرضيع طوال الفترة التي تسبق نضوج جهازه الهضمي وتمكّنه من تناول وهضم الأطعمة والمواد الغذائية الأخرى.

ونظرا إلى أهميته القصوى، توصي منظمة الصحة العالمية بالرضاعة الطبيعية حصريا طوال الأشهر الستة الأولى من حياة المولود، ثم تقديم أغذية صلبة تدريجياً بعد هذا العمر عندما تظهر علامات الاستعداد لذلك. وتوصي المنظمة أيضا بالرضاعة الطبيعية المكملة حتى بلوغ الطفل عمر سنتين على الأقل.

اللبأ (السرسوب)

أول حليب يدره ثدي الأم بعد أن تضع مولودها يسمى «اللبأ» (أو «لبن السرسوب»)، وهو ينطوي على رحمة كبيرة للمولود إذ انه يحوي جميع ما يحتاج إليه من مغذيات سائغة ولا تحتاج إلى كثير من الهضم.

ولغويا، فإن كلمة «لبأ» تعني الأيام الأولى الأربع للرضاعة. وتبدأ الغدد الثديية في إفراز حليب اللّبأ في أواخر فترة الحمل، وتحديدا قبيل الولادة.

خصائصه

وعادة يكون لبن اللبأ سميكا ومائلا إلى اللون الأصفر اللون، ويحوي أجساما مضادة تحمي حديثي الولادة من الأمراض، فضلا عن مضادات بكتيريا ومواد مدعمة للمناعة وعناصر مهمة وضرورية للطفل لا تتواجد في أي نوع من الألبان الاصطناعية.

كما يتميز لبن اللبأ بكونه يحوي نسبة منخفضة من الدهون ونسبة عالية من البروتينات مقارنة بالحليب الذي يدره ثديا الأم بعد انتهاء الأسبوع الأول من عمر المولود.

ومن الخصائص اللافتة أيضا للبن اللبأ أنه يكون عالي اللزوجة وغليظ القوام نسبيا كي يتدفق ببطء بما يسمح للرضيع حديث الولادة بأن يتعلم تدريجيا كيف يرضع وكيف يناغم بين عملية المص والبلع والتنفس في آن معا.

وبعد مرور أسبوع أو أقل على ولادة الطفل، يبدأ حليب اللبأ (السرسوب) في التحول إلى مرحلة لبنية أخرى تعرف باسم «اللبن الانتقالي» والذي يستمر لمدة 10 أيام قبل أن يتحول إلى مرحلة «اللبن الناضج» الذي يعتبر المرحلة الأخيرة في مراحل لبن الأم.

وتبدأ كمية حليب الثديين في التزايد تدريجيا تبعا لوتيرة الإرضاع الطبيعي، حيث ان توالي مرات الرضاعة يسهم في تنبيه جسم الأم لإفراز مزيد من اللبن. لهذا ينصح الأطباء والمختصون الأم التي وضعت حديثا بالإكثار من عدد مرات الإرضاع الطبيعي والاعتماد كليا عليه إن أمكن، لأن ذلك يسهم في تعزيز إدرار الحليب.

مزاياه

لبن اللبأ سهل الهضم ومناسب جدا لتغذية الأطفال حديثي الولادة، إذ ان مكونات الجهاز الهضمي لديهم تكون غير مكتملة النضوج بعد؛ حيث انه يحتوي على مواد مغذية بشكل مركز في كميات صغيرة.

كما يتميز اللبأ بأنه ملين خفيف يساعد على إنزال أول براز في حياة الطفل وهو البراز الذي يسمى «العقي» ويحوي كمية كبيرة من البيليروبين الزائد في جسم الرضيع، وهو مركب ينتج عن تكسر خلايا الدم الحمراء التي تنتج بكميات كبيرة عند الولادة نظرا لنقص حجم الدم، وبذلك يساعد اللبأ على منع إصابة الطفل بأمراض عدة من أبرزها اصفرار الجلد وأغشية العينين (اليرقان).

تسرُّب السائل الدماغي الشوكي… متلازمة تبحث عن تفسيرات

«تسرب السائل الدماغي الشوكي» هو متلازمة خطيرة تحصل عندما يتسرب ذلك السائل من غشاء الكيس الواقي المحيط به من دون سبب واضح.

وهناك أنواع عدة من ذلك التسرب الذي يبدأ بسبب نشوء ثقب واحد أو أكثر في «الأم الجافية».

معظم الناس الذين يصابون بتسرب السائل الدماغي الشوكي العفوي يشعرون فجأة بظهور صداع شديد وقوي، وهذا الصداع عادة يسمى بالصداع الانتصابي، أي الصداع الذي يزداد حدة وسوءا عند وقوف الشخص منتصبا في وضع عمودي بينما يقل ذلك الصداع عند الاستلقاء. ومن بين الأعراض الأخرى: ألم وتصلب الرقبة، والغثيان، والتقيؤ، والدوخة، والتعب، والشعور بمذاق معدني في الفم (يدل على وجود تسرب في الجمجمة). ويمكن بالأشعة المقطعية تحديد موضع تسرب السائل الدماغي الشوكي. وبمجرد تحديده، يمكن التدخل جراحيا لإيقافه بحقنة من دم المريض نفسه في موضع التسرب أو الحقن بغراء الفيبرين أو بالجراحة التداخلية.

واحصائيا، تظهر معظم الإصابات بعد سن الأربعين، والنساء أكثر تعرضا للإصابة بمعدل الضعف تقريبا.

والنوع الأكثر شيوعا على مستوى العالم يعرف باسم «التسرب العفوي»، وهذا بدوره ينقسم إلى نوعين رئيسيين، ألا وهما: «التسريب في الجمجمة» (وتعرف بتسريبات قحفية الرأس) و«التسريبات في العمود الفقري». والغالبية العظمى من الإصابات تكون من النوع الثاني.

وفي بعض الحالات، يمكن أن يسيل السائل الدماغي المتسرب من أنف المريض أو من أذنيه.

أما تسريبات العمود الفقري فتنشأ عندما يتشكل ثقب واحد أو أكثر في الأم الجافية على طول الحبل الشوكي.

ويسبب كلا النوعين أعراضا عصبية، فضلا عن انخفاض ضغط الدم داخل الجمجمة، وانكماش وتقلص الجمجمة.

وما زال الأطباء في حيرة من أمرهم إزاء التوصل إلى تفسيرات قاطعة لتلك المتلازمة، لكن هناك نظريتان رئيسيتان سائدتان حاليا وتقومان على افتراضات غير مؤكدة بشكل قاطع، حيث تفترض النظرية الأولى أنه يكون نتيجة لاضطراب يصيب النسيج الضام، بينما ترى الثانية أنه ينجم عن نشوء مشاكل وجفاف في العمود الفقري.

حليب الأم… فوائد لا حصر لها

انطلاقا من حقيقة كون حليب الأم واحدا من أهم سوائل الجسم الحيوية الضرورية لحياة وصحة الإنسان خلال بداياته المبكرة في الحياة عقب مولده وحتى بلوغه سنة على الأقل، ونظراً إلى ما يتمتع به حليب الأم من مكونات وخصائص لا يمكن لأي حليب اصطناعي أن يحويها، فإن الرضاعة الطبيعية تمنح الطفل فوائد صحية أكثر من أن تُحصى، وهي الفوائد التي نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:

– تقليص خطر متلازمة الموت المفاجئ لدى الرُّضّع.

– تقليل احتمالات الإصابة بأمراض البرد والأنفلونزا والتهابات الأذن الوسطى (شريطة الإرضاع في وضعية صحيحة).

– مكافحة الإصابة ببعض أنواع السرطان في مرحلة الطفولة، مثل سرطان الدم.

– خفض مخاطر إصابة الطفل في مراحل لاحقة من عمره بأمراض من بينها السكري، والربو، والأكزيما الجلدية، والسمنة.

– مكافحة مشاكل الأسنان واللثة.

– تقليل احتمالات الإصابة بالاضطرابات النفسية والذهنية.

– تعزيز العلاقة الوجدانية بين المولود وأمه، بما يعود بالنفع على كليهما بدنياً ونفسياً.