النيكوتين.. أضرار مضاعفة

مقالات

تتميز مادة النيكوتين بقدرتها على تنشيط وتحفيز الدماغ بصورة جيدة، وتعمل على بث الشعور بالراحة والاسترخاء، ومع انخفاض وتلاشي النيكوتين من الدم يأتي إحساس غير مريح للشخص يتميز بالعصبية والصداع وصعوبات في التركيز والدوار، مما يؤدي إلى الرغبة في المزيد منه، ما يشكل خطراً كبيراً على حياة الإنسان.
وتوجد مادة النيكوتين بشكل طبيعي في نبات التبغ المكون الأساسي لأنواع السجائر، وتصل مادة النيكوتين إلى الرئتين مع استنشاق الدخان الناتج عن احتراق التبغ ومنه تنتقل إلى الدم مع الأكسجين.
ويصل النيكوتين إلى الدماغ بسرعة، فيدفعه لإفراز مادتي الدوبامين والنورأدرينالين، والأولى هي مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ مسؤولة عن الشعور بالسعادة والمتعة والإثارة، أما الثانية فتعمل على زيادة ضربات القلب وزيادة الانتباه والتركيز والإحساس بالنشاط.
ويؤدي تدفق النيكوتين في الدم إلى علامات حيوية مؤقتة، منها تسارع في التنفس وضربات القلب وارتفاع ضغط الدم وزيادة لزوجته، وانقباض في الشرايين التي تنقل الدم المحمل بالأكسجين إلى سائر الجسد، مع استثارة الجهاز العصبي المركزي والدماغ.
ويدمن الجسم وجود النيكوتين ويعتاد التتابع الممتع من النشاط والاسترخاء، وتحسن المزاج الذي يسببه ويرغب في المزيد من التدخين، لتجنب الأعراض السلبية لانسحاب النيكوتين من الدم، فيدخل الشخص في دوامة الإدمان اللانهائية.

النيكوتين سام

ويعتبر النيكوتين مادة دفاعية سامة تفرزها بعض النباتات خاصة التبغ في مواجهة الحشرات وبالطبع لا ينتج جسم الإنسان هذه المادة السامة التي يمكنها قتله في بضع دقائق، إذا كان تركيزها 30 مليجرام فأكثر، ولكنها توجد في السجائر بتركيزات ضعيفة تسبب الإدمان الانتشائي الشبيه بما تفعله المخدرات.
وجاءت كلمة نيكوتين من السفير الفرنسي جون نيكوت الذي أتى بالتبغ من البرتغال ونشره في أوروبا، مدعيا فائدته في علاج بعض الأمراض، غير أن تدخين البشر للتبغ يعود لنحو 5000 عام، حيث كان يرتبط ببعض الطقوس والمعتقدات الدينية القديمة.
يدمن الجسم النيكوتين ويشتهي السيجارة تلو الأخرى، نتيجة أعراض انسحاب النيكوتين من الجسم، والتي تحدث بعد ساعتين من تدخين السيجارة، وتتصاعد وتيرة الأعراض حتى تصل إلى ذروتها بعد يوم أو اثنين.
وتشمل أعراض الانسحاب صعوبات في التركيز والنوم والشعور بنفاد الصبر والتوتر والقلق والصداع والخمول وعدم الشعور بالراحة، مع انخفاض ضغط الدم، كل هذا يختفي ليعود النشاط وهدوء النفس مع عودة النيكوتين للدماغ والدم مرة أخرى.

علامات الإدمان

ويعرف مدمن النيكوتين نفسه من عدة أمور فهو لا يمكنه الإقلاع عن التدخين، فلديه رغبة عارمة في العودة للتدخين، ويعاني أعراض الانسحاب الجسدية والمزاجية كلما حاول الإقلاع عنه، ويستمر في التدخين حتى بعد إصابته بأمراض رئوية أو قلبية ناتجة عنه، ويرفض غالبا الذهاب أو التواجد في الأماكن التي تمنع التدخين.
ويكمن سر الإدمان عامة في طريقة عمل الدماغ، الذي يبحث عن المتعة ويبتعد عن الألم، إذ تفرز المواد الكيميائية وتنتقل الإشارات العصبية داخل الدماغ والجسد البشري بحثا عن اللذة والإمتاع، وعما يفقدها وينسيها المشاعر السلبية النفسية، وهو ما يتحقق في النيكوتين وغيره من المواد المسببة للإدمان.
وتتعمد الشركات المنتجة للسجائر ومصادر التبغ المختلفة أن تقوم بصناعتها بطريقة تجعلها أكثر إدمانا، ويؤكد الأطباء أن النيكوتين مادة تسبب الإدمان مثل الكوكايين والهيروين تماما، بداية من اعتياد وجود السيجارة في اليد والفم وهو ما يسمى بالمتلازمة الشفوية إلى اعتياد وجود النيكوتين في الدم.
وتستمر شهوة الجسم إلى النيكوتين شهرا كاملا في حال توقف المدخن عن التدخين، مما يصعب التخلص من التدخين وتزداد حدة الأعراض من الأرق والتعب والتهيج، وكثرة الجوع وجفاف الحلق والإمساك والسعال، رغم أن هذا السعال نابع من طرد الجسم للأدخنة المتجمعة على أغشية الممرات التنفسية، إلا أن المدخن لا يتحمل كل هذه الأعراض التي تزول مع عودة التدخين.

جانب نفسي

وترى بعض الدراسات أن عقل المدخن يربط ما بين إحباطات الحياة والمشكلات النفسية من جهة، والتدخين من جهة أخرى فيرى في التدخين علاجا منسيا لكل الهموم، ولا يمكنه العيش من دونه، كما أن بعض الأشخاص لديهم استعداد جيني وراثي لإدمان النيكوتين أو غيره أكثر من الآخرين.
ولا تظهر أمراض ناتجة عن إدمان النيكوتين إلا بعد سنوات طويلة من التدخين، مما يشجع المدخن على الاستمرار وعدم الشعور بالحاجة العاجلة للتوقف.
ويتسبب مخالطة المدخنين أثناء تدخينهم في إدمان النيكوتين، فيبدأ الشخص التدخين بعد أن أدمنه بالفعل، ويجذب المدخنون أصدقاءهم إلى هذه العادة القبيحة، ويشجعونهم على دخول عالمها خاصة مع صغار السن والمراهقين قليلي الخبرة والذين يسهل التأثير عليهم.

الأمراض بعد سنوات

يدمن جسم الإنسان النيكوتين بسرعة ربما في أيام معدودة لكن أجهزة الجسم لا تمرض إلا بعد سنوات من التدخين، وفي الحقيقة فإن تأثيرات النيكوتين الضارة كثيرة وتشمل الكثير من أجهزة وأعضاء الجسم.
ويضعف الجهاز المناعي عند مدمن النيكوتين، مما يجعله عرضة للإصابة بالعدوى الميكروبية، ويتناقص في جسمه باستمرار مستوى فيتامين «ب» اللازم لمد الجسم بالطاقة الممتصة من الطعام والشراب، كما تضيق عنده الأوعية الدموية وتكون عرضة للانسداد، ويصبح معرضا للجلطات والأزمات القلبية.
ويسبب إدمان النيكوتين على المدى الطويل الكثير من المشكلات ومنها ضعف الخصوبة بشكل كبير سواء للسيدات أو الرجال، مع مشكلات ملحوظة في الدورة الشهرية عند النساء.

الموت المفاجئ

ويعد التدخين أحد الأسباب الأساسية للإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن وسرطان الرئة، كما يؤدي للإصابة بسرطانات المجرى التنفسي كالحنجرة والفم وكذلك سرطان المعدة.
ويؤدي إدمان الحوامل للنيكوتين لمخاطر شديدة على الجنين، تشمل موت الجنين أو الإجهاض أو الولادة قبل الموعد أو انخفاض وزن المولود، والذي يؤثر بدوره على نموه وتطور حواسه.
وترتفع عند الطفل المولود لأم مدمنة للنيكوتين احتمالية إصابته بتأخر النمو ومشاكله، والإصابة بمشكلة فرط الحركة وقلة الانتباه، كما يصبح الطفل الرضيع عرضة للموت المفاجئ.

النجاة غير مستحيلة

لا يمكن اعتبار التخلص من إدمان النيكوتين أمراً سهلا، فالتغلب على أعراض الانسحاب التي تستمر أسابيع متتالية أمر صعب، لكنه بالطبع ليس مستحيلاً متى توفرت الإرادة الصلبة، مع الإلمام الجيد بطرق مواجهة كل من آثار الإدمان الجسمانية والنفسية.
ويتطلب الإقلاع عن التدخين الاقتناع بشدة ضرره، والتيقن من أن أعراض الانسحاب ستزول ولن تستمر للأبد، وأنها خير وليست شراً، فمع توقف الدخان يبدأ الجسم في تنظيف نفسه والتخلص من المواد الضارة التي ملأته.
وتعود معدلات الأكسجين إلى طبيعتها بعد 12 ساعة من آخر سيجارة، وبعد يومين تتحسن حاستا الشم والتذوق، وفي اليوم الثالث يبدأ السعال الحاد المصحوب ببلغم لقيام الجسم بطرد الأدخنة المتراكمة داخل الرئتين، وإحلال خلايا جديدة سليمة محل القديمة الميتة.
ويتحسن التنفس وتنشط الدورة الدموية في خلال أسابيع قليلة، إلا أن العودة إلى المستويات الطبيعية تستغرق عدة أشهر، ويلاحظ بعدها المدمن السابق أنه أصبح أكثر نشاطا وأقل إجهادا جراء الأعمال والأنشطة الحركية، وتدريجيا تقل احتمالية الإصابة بأمراض القلب والسرطان.

الهجوم مع الصبر

ويجب أن يتحلى مدمن النيكوتين بالصبر للتخلص منه، وعليه اللجوء للهجوم بدلا من الدفاع، بمعنى أن يمارس الرياضة والمشي ويشغل نفسه بالكثير من الأنشطة والأمور الأخرى، ويبتعد تماما عن المدخنين الآخرين ولا يترك نفسه فريسة للرغبة المستعرة في أعماقه.
ويكثر مدمن النيكوتين من شرب الماء والمشروبات قليلة السعرات، لتخفيف الرغبة في وضع السيجارة في فمه، وتقليل الشعور بالجوع الذي يتداخل ويختلط مع الرغبة في النيكوتين، ويقوم بأخذ أنفاس عميقة هادئة ويتحدث مع الآخرين، ويتجنب تناول الكافيين خاصة في المساء ليتغلب على الأرق، ولا يترك ممارسة التمارين الرياضية ولكن تكون حسب صحته ومقدرته.

3000 مدمن جديد يومياً

تشير دراسة حديثة أن النيكوتين يعتبر مادة سامة وقاتلة، إذا دخلت الجسم بتركيز من 30 إلى 60 مليجرام، ولكنها توجد في منتجات التبغ بتركيز 1 مليجرام فقط، مما يتسبب في حدوث استثارة داخل الدماغ والجهاز العصبي المركزي، والشعور المؤقت بالمتعة والنشاط.
يصل مستوى النيكوتين إلى ذروته بالدم خلال 20 دقيقة من التدخين، ويستمر فيه لنحو ساعتين، تبدأ بعدها أعراض الانسحاب والرغبة في التدخين مجدداً
يضعف النيكوتين العضلات بمقدار 20% وتتأثر القدرة على بذل المجهود، كما أنه يضر جميع أجهزة الجسم، ويؤدي لوفاة نحو 7 ملايين شخص سنوياً، ونحو 900 ألف منهم مدخنون سلبيون.
يرغب 70% من المدخنين في التوقف لكن 3% سنوياً فقط ينجحون في ذلك، ويرجع سبب هبوط نسبة المقلعين من الإدمان لعدم اتباع الوسائل الصحيحة واستشارة الأطباء.
يدخل3000 شخص جديد في دائرة إدمان النيكوتين يومياً، رغم جهود التوعية العالمية بأضرار التدخين إلا أنها لاتصل كل بقاع الأرض، خاصة المراهقين.