اضطرابات النمو عند الأطفال لا ترتبط دائماً بالهرمونات

مقالات

إعداد: محمد هاني عطوي

يعتبر التحقق بانتظام من منحنى النمو للأطفال الطريقة الأكثر فعالية للكشف عن اضطرابات النمو المحتملة لديهم، وغالباً ما تتردد على لسان الآباء عبارات مثل: «أشعر أنه الأصغر في صفه» أو «لم يتغير قياس ملابسه منذ فترة». وعلى الرغم من أن هذا الأمر ليس بالضرورة سبباً للإنذار، إلا أن هذه العلامات قد تكون من أعراض ما يسمى بالتقزم. وبمناسبة أسبوع التوعية العالمية المتنامية للأطفال، والوقاية من اضطرابات النمو، أطلقت جمعية (Grandir) والجمعية الفرنسية لطب الأطفال (SFP) حملة إعلامية لتثقيف الآباء والأطباء حول أهمية مراقبة النمو والتشخيص المبكر لاضطرابات النمو.

العلامات المنذرة

وإذا كان من المهم رصد بعض العلامات عن كثب، فذلك لأن نمو الطفل يعتبر مؤشراً مهماً على صحته. وتقول بياتريس ديماريت، رئيسة جمعية ينمون (Grandir)، وهي رابطة لآباء الأطفال الذين يعانون مشاكل النمو: «يمكن أن تكون الأمراض المختلفة السبب وراء اضطرابات النمو». وإذا كان أكثر من 70٪ من حالات التقزّم ذات أصل بنيوي أو وراثي، فإن النمو المتأخر قد يرتبط بالنسبة لأطفال آخرين بأمراض ينبغي تتبعها وتحديدها بأسرع ما يمكن. ويمكن أيضاً أن يكون ذلك مرتبطاً بـ «مشكلة غذائية أو هرمونية»، كما تقول البروفيسورة أنييس لنجلار، أستاذة طب الأطفال ورئيسة اللجنة العلمية لـSFP.

المعايير المتبعة

لكن من الناحية العملية، ما المعايير التي تسمح للآباء بالنظر إلى أن طفلهم يعاني اضطرابات النمو المحتملة؟ في هذا الصدد تقول البروفيسورة أنييس لنجلار: الواقع أن هناك العديد من العلامات التي لا يمكن للوالدين إهمالها، فعندما يكون الطفل أصغر حجماً بكثير من غيره في الصف، أو أصغر حجماً من والديه أو من أشقائه في نفس السن، أو يؤخذ غالباً على أنه طفل أصغر سناً أو أنه يلبس نفس قياس الملابس والأحذية منذ فترة طويلة، فحينها يمكن للمرء أن يفكر في مسألة التقزم أو اضطراب في النمو. وتشير إيلودي وهي والدة الطفلة جولييت (12 سنة) إلى مشكلة التقزم عند ابنتها بالقول: «صحيح أن ابنتي كانت من بين أصغر الفتيات حجماً في فصلها، لكننا لم نكن نتخيل أبداً أنها تعاني اضطرابات في النمو».

قياس بانتظام

في إبريل الماضي تم تحديث المنحنيات البيانية للنمو على المستوى الأوروبي، ليكون أكثر تمثيلاً للفرنسيين، بعد أن تبين أن ثمة اختلافات بيّنة في طول الأطفال. وتشير البروفيسورة أنييس لنجلار إلى أنه يجب أن يكون القياس الدقيق والتتبع المنتظم للطول والوزن ومنحنيات محيط الرأس وحساب مؤشر كتلة الجسم (BMI) جزءاً من المراقبة الروتينية للأطفال لأن هذه هي المؤشرات التي تسمح لنا الكشف المبكر عن تأخر النمو.
وتؤكد بياتريس ديماريه من جمعية ينمون (Grandir) على أنه في الوضع المثالي، من الضروري أن يقيس الآباء طول أطفالهم بانتظام من قبل مختص صحي، وذلك عدة مرات في السنة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين شهر إلى 3 سنوات، ومرة واحدة على الأقل كل عام لمن تزيد أعمارهم على 3 سنوات. وترى البروفيسورة أنييس لنجلار أنها أداة قيمة تسمح للطبيب بالكشف عن خلل في مخطط النمو، والكشف عما إذا كان طول الطفل أقل من المعدل الطبيعي في عمره الحالي، وما إذا كان هناك تباطؤ أو توقف في النمو، أو إذا كان طول الطفل أقل من الطول المتوقع على المستوى الجيني. هذا الأمر هو الذي سمح للطبيبة أنييس لنجلار أن تلاحظ أن منحنى نمو جولييت كان منخفضاً قليلاً ولذلك، قامت بتعيين موعد مع مختص الغدد الصماء، وبعد إجراء لبعض الاختبارات، تم تشخيص الحالة على وجود نقص في هرمون النمو عند الطفلة جولييت.

العلاج المبكر

وتقول إيلودي والدة الطفلة جولييت إنه في وقت التشخيص، كانت جولييت تبلغ من العمر ثماني سنوات، لكنّها ولدت على الأرجح مع تأخر في النمو، حيث كان طولها يبلغ 46 سنتيمتراً عند الولادة أي بالضبط فوق معدل الطول الذي يجب أن يؤخذ بالاعتبار عند الاختبارات. وتقول بياتريس ديماريه: «يمكن أن تظهر اضطرابات النمو منذ الولادة، حيث يولد بعض الأطفال صغاراً جداً، أي أقل بكثير من متوسط الطول (50 سنتيمتراً) وذلك بسبب تأخر النمو داخل الرحم».
وتضيف ديماريه: ويمكن أن تظهر اضطرابات النمو أيضاً في وقت لاحق في مرحلة الطفولة. وفي كل الحالات فإن مفتاح العلاج الفعال يكمن في «التشخيص المبكر وإدارة اضطرابات النمو في وقت عاجل». ومع ذلك، فحتى أيامنا هذه غالباً ما يعنى الوالدان من رحلة تشخيصية طويلة لأطفالهم الذين يعانون اضطرابات في النمو. «ومع ذلك، فعندما يتم في نهاية المطاف تشخيص حالة طفل يبلغ من العمر حوالي عشر سنوات، فهذا يعني أن سنوات عديدة قد فقدت في العلاج».
وتقول البروفيسورة أنييس لنجلار: ما إن يتم التشخيص، ينبغي تقديم علاج سريع عن طريق الحقن بهرمون النمو للأطفال ذوي القامة الصغيرة المرتبطة بنقص هذا الهرمون. وهذا هو العلاج الذي تم تطبيقه على الطفلة جولييت. فكرنا في الأمر، لكننا لم نطرح الكثير من الأسئلة.
وتضيف البروفيسورة أنييس لنجلار أن العلاج ربما يكون طويلاً، وأحياناً يمتد على طول حياة الشخص وربما يكون ثقيلاً على الأطفال الصغار، لأنهم يضطرون لتحمل ألم الحقنة كل يوم، خاصة إذا كان الطفل صغيراً لكن لا بد من الكثير من الدعم من الجمعيات المعنية بهذا الأمر، ولا شك أن الالتقاء بوالدين عاشا نفس التجربة مع أطفالهما يساعد كثيراً في حل أزمات مماثلة، لا سيما إذا كانت النتائج الأولى واضحة بعد 6 أشهر من العلاج، ما من شأنه أن يمنح الثقة للآخرين. فمثلاً بعد أربع سنوات من العلاج، نمت جولييت بشكل جيد، وعاد منحنى نموها إلى الحد الطبيعي مقارنة مع متوسط طول الفتيات في عمرها. وتؤكد البروفيسورة أنييس لنجلار أنه عندما يتم وصف العلاج المناسب مبكراً ويتابع جيداً، فيمكننا بقوة استعادة الحجم الطبيعي للطفل.

هرمون النموّ

يعتبر هرمون النموّ (GH) من الهرمونات الضروريّة في الجسم، وتفرزه الغدّة النخامية، وهو يلعب دوراً كبيراً في تنظيم النموّ عند الأطفال، وكذلك تنظيم معدّلات الأيض عند البالغين، وفي حالة نقص هذا الهرمون فإنّه يمنع نمو الطفل بشكلٍ سليم، وتظهر عليه عدّة أعراض. ويمكن ملاحظة أعراض نقص هذا الهرمون عند بلوغ الستة أشهر، وفي هذه السنّ بالتحديد تظهر أعراض تخلّف النموّ الطبيعيّ فقط. ومع تقدّم عمر الطفل تظهر الأعراض بشكلٍ أوضح.
من هذه الأعراض: قُصر القامة والصعوبة في اكتساب الوزن. والتباطؤ في نموّ العظام، وحجم الطفل يكون أصغر بالمقارنة مع الأطفال الآخرين. كما يحدث تأخّر في نموّ ملامح الوجه. والشعور بالتعب والإرهاق. وتأخّر النضوج الجنسي والإصابة بالإمساك وزيادة في الوزن وانخفاض نسبة السكر في الدم.
وعادة ما تكون الأسباب كثيرة، لكن أهمها: وجود اختلالات هرمونية في الجسم كعمل الغدة الدرقية أو عدم الحصول على العناصر الغذائيّة اللازمة والإصابة بمتلازمة داون. فضلاً عن عوامل وراثية، كالإصابة بمتلازمة تيرنر وأمراض القلب، والكلى، والرئة، والجهاز الهضمي أو وجود ورم في الغدة النخامية. والإصابة بفقر الدم كفقر الدم المنجلي. تناول الحامل بعض الأدوية لفترة طويلة.