اكتئاب المراهقين.. مرض نفسي قابل للعلاج

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تمثل فترة المراهقة العبور من الطفولة إلى الشباب، وتبدأ من سن 14 إلى 21 سنة، ولذلك تعد من أكثر المراحل حساسية في حياة الأشخاص، حيث إنها تحمل العديد من التطورات الهرمونية الجسدية، النمو العقلي، الإدراك العاطفي، وأيضاً التقلبات المزاجية والنفسية التي تتحكم في تكوين شخصية المراهق المستقبلية، ولذلك نجد أن المراهق يعانى في هذه المرحلة هذه الاختلافات، وربما ينتج عن ذلك مشكلات متعددة تؤثر سلباً في العلاقة الأسرية مع والديه وأخواته، أو زملائه في المدرسة، ما يجعله يتعرض للكثير من المشاحنات الداخلية التي تنتهى بالاكتئاب.
يقول الدكتور محمد علام، استشاري الطب نفسي إن حدوث الاكتئاب عند المراهقين من الجنسين، له أساس جيني، يتفاعل مع الأسباب الاجتماعية، الأسرية، معطيات المجتمع، الأقرباء، الأصدقاء، الجيران، وزملاء الدراسة والعمل، وعلى الرغم من أن المواقف الصعبة يمكن أن تمر، ولكن تأثيرها النفسي يستمر لفترات طويلة، وربما تستمر مدى الحياة، ويكون لها صور متعددة في مجتمعاتنا، حيث يتم توجيه النقد للمراهق من الوالدين ظناً أنه نوع من النصح والإرشاد، ولكن الابن يستقبله بشكل من الإهانة المدمرة التي تؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية لديه، والإحساس بالدونية، وفقدان الثقة بالنفس، ما ينجم عنه الاكتئاب، والتأثير سلباً في إمكاناته الدراسية، الذهنية، والمهارية، ما يجعله مختلفاً عن أقرانه، ويقع فريسة للإحباط، وربما يحدث الاكتئاب نتيجة الإحساس بالتمييز في المدرسة، من حيث لون البشرة، اختلاف في الحالة البدنية، وجُود إعاقة أو طول، قصر، وزن مفرط، أو يعانى تعثراً دراسياً، فربما يظن البعض أن السخرية مزاح ولكنها حقيقة تكون جرحاً عميقاً، يرافقه طول العمر، ولذلك يكون للمدرسة دور هام في تثقيف التلاميذ بتعريف العنصرية والتمييز ضد الغير، حتى يرتقي الطلاب منذ الصغر عن الوقوع في هذا الخطأ، واستخدام أساليب متطورة لتعريف المراهقين بمدى خطورة هذا السلوك، كما أن العنف الأسري وعدم الشعور بالأمان، وحدوث المشاجرات في المنزل يؤذي مشاعر الأبناء ما يترتب عليه تكون مشاعر نفسية سلبية ضد الوالدين ويؤثر في علاقاتهم الاجتماعية في المستقبل.

أعراض الاكتئاب

يشير د.علام إلى أن هناك بعض العلامات التي تظهر على المراهق، وتنبئ بإصابته بالاكتئاب، ومنها: التدهور الدراسي، حدوث تغير في مزاج الشخص والحزن بدون أسباب والعزلة، على الرغم من أنه شخصية اجتماعية، البكاء المستمر والتفكير في الموت أو الانتحار، فقدان الإحساس بالسعادة، وعدم الرغبة في القيام بالنشاطات التي كانت مبهجة سابقاً، الشكوى من ضعف التركيز، الإحساس بالإرهاق البدني بدون فعل مجهود يذكر، القلق والأرق أو زيادة عدد ساعات النوم، انخفاض الشهية، نقص الوزن أو الإفراط في الأكل، الإحساس بالذنب ولوم النفس بدون مبرر وتقليل قيمة الذات، ولذلك يجب على الأهل مراقبة أبنائهم في هذه المرحلة الحرجة، وزيارة الطبيب النفسي عند حدوث تغيرات غير طبيعية، ليقوم المعالج بالتأكد من أن نشاط الغدة الدرقية سليم وكذلك مستوى فيتامينات (ب ١٢) وحمض الفوليك، اكتشاف أي تعثر دراسي وتشخيصه مبكراً مثل نقص الانتباه وفرط الحركة، مساعدة المراهق على تجنب الانعزال مع الألعاب الإلكترونية، والهواتف الجوالة لساعات طويلة حتى لا يفقد مهاراته الاجتماعية، ويصبح منعزلاً ويعيش في حالة من الانطوائية، العمل على تعليمه مهارات الكلام والتعامل، معاني الذكاء الاجتماعي، التعبير عن النفس، عدم قبول الإهانة من الغير، احترام الأهل والقانون والنظام، وتقدير المدرسين، ووصف أدوية مضادة للاكتئاب.

مضاعفات

تشير الدكتورة خيزارا أمين، أخصائية الطب النفسي، إلى أن هناك عدداً من العلامات التي يتعين الانتباه إليها والعمل على ملاحظتها لتحديد ما إذا كان المراهق يعاني الاكتئاب، وتتمثل في:-
• التغيرات العاطفية، حيث إنها تتخذ شكل التقلبات المزاجية الحادة وغير المتوقعة لدى المراهقين، أو تدني الحالة المزاجية الإيجابية ببطء، وتكون هذه التغيرات على شكل مشاعر الحزن، والتي يمكن أن تشمل نوبات من البكاء بدون سبب واضح، الشعور باليأس أو الفراغ، الهياج العصبي أو سرعة الغضب، الإحباط أو إظهار مشاعر الغضب، حتى في الأمور البسيطة، فقدان الاهتمام بالعائلة والأصدقاء أو الدخول في نزاعات معهم، تدني مستوى الاحترام للذات، التفكير المتكرر في الموت أو الانتحار.
• التغيّرات السلوكية، وهى التي ترتبط في سلوك المراهق بكل من النشاط البدني والصحة النفسية، كالتعب وفقدان الطاقة، الأرق أو النوم أكثر من اللازم، تغيرات في الشهية، شكاوى متكررة من آلام غير مبررة في الجسم وصداع، العزلة الاجتماعية، ضعف الأداء الدراسي أو الغياب المتكرر من المدرسة، إهمال المظهر الشخصي، وضع خطة انتحار أو محاولة الانتحار، اضطرابات ناجمة عن القلق.

علاج الاكتئاب

تؤكد د.خيزارا على أنه ينبغي العمل على اتخاذ إجراءات فورية لمواجهة الاكتئاب، خاصة أن أساليب علاج هذا المرض ليست ثابتة أو نمطية، ويرجع ذلك إلى اختلاف الأسباب التي أدت للإصابة بالاكتئاب عند المراهق، والأعراض التي يعانيها، ولذلك يستمر معظم الأطباء والأخصائيين في علاج الاكتئاب الشديد لمدة لا تقل عن ستة أشهر إلى سنة بعد استقرار الأعراض، ويمكن أن يحقق ذلك تأثيراً إيجابياً في مدى نجاح علاقات المراهقين مع أقرانهم وأسرهم والمدرسة، وفي المقابل، فإن العلاج المبكر يضاعف فرص الشفاء، ومن المهم أن يساعد الوالدان أبنائهما بمحاولة التحدث والمناقشة المجدية والمثمرة، ومعالجة مشكلات الاكتئاب، عن طريق التواصل بطريقة توحي لهم بأنكم تدركون معاناتهم، ومرورهم بأوقات صعبة، وأنكم على أتم الاستعداد للتحدث والمشاركة، واستنتاج أنه ربما يطلب منك أن تتركه وشأنه، أو أنه بحاجة إلى أن يبقى وحيدا مع نفسه لبعض الوقت، كما يجب أن تكون في انتظار أنه يمكن أن يطلب منك المساعدة في مشكلة ما.

التفكك الأسري

توضح الدكتورة مديحة بهاتي أخصائية طب الأسرة، أن هناك أنماطاً أسرية متعددة، تختلف عن بعضها ولكن هناك دائماً عامل مشترك بينهما، فعلى الرغم من أن البعض ينمو ويتوسع على مر السنين، والآخر يتضاءل ويتفكك، كما يُشار أحياناً إلى تدهور النسيج الداخلي للعائلة باسم متلازمة الأسرة النواتية، وربما يكون لهذه التغييرات التي تطرأ على بنية الأسرة أثر إيجابي أو سلبي، فيها، ولكنه يؤدي في نهاية المطاف إلى نوع من رد الفعل على جميع أفراد الأسرة، وتتمثل هذه المشكلات في فقدان الاتصال مع أحد الوالدين، الانغماس في الخلافات، الصعوبات المالية أو وفاة أحدهم، كما تؤثر هذه التغييرات والتفسخ في نمط الارتباط العائلي، وتؤدي إلى مشاعر الغضب، الاستياء، أو الارتباك لدى الأطفال داخل الأسرة، كما أظهرت إحدى الدراسات التي أجريت عام 2013، ونشرتها هيئة الصحة بدبي، أن واحداً من كل خمسة طلاب مراهقين في دبي معرض للإصابة بالاكتئاب، ونتيجة للتغيير الحاصل داخل البنية الأسرية، فربما يعاني المراهقون مشكلات عاطفية تؤدي بهم في النهاية إلى الاكتئاب، والقلق، وفقدان الثقة، والشعور بالوحدة واليأس، أو مواجهة صعوبات في الدراسة، ومن المرجح أن تؤدي هذه المشاعر الغامرة إلى إثارة الغرائز الجنسية بصورة مبكرة، أو الميل إلى الانتحار، أو اللجوء إلى تناول الكحوليات أو المخدرات، وارتكاب الجرائم، وربما يواجه الأطفال أيضاً صعوبات في قدرتهم على تكوين علاقات إيجابية بحياتهم.
تضيف: تلعب البنية الأسرية دوراً مهماً في مساعدة المراهقين على فهم التغيرات التي تكتنف حياتهم الاجتماعية، الأسرية، والشخصية والتكيف معها، والتعامل مع العالم من حولهم، حيث تعتبر مرحلة المراهقة من أهم المراحل للنمو النفسي والعاطفي للإنسان، يمكن أن يكون للصحة العاطفية للأسرة تأثير إيجابي أو سلبي في نجاح الطفل في الحياة، فإذا كانت البنية الأسرية تعتريها الخلافات، فربما يواجه الأطفال مشكلات في الالتزام، وفقدان الثقة في زملائهم، وانخفاض مستوى رضاهم، وصعوبات في مهارات التعامل مع الآخرين، إضافة إلى وجود ميل قوي تجاه قبول الانفصال.

خصائص وسمات الاكتئاب

تفيد د.مديحة بأن التعرف على الاكتئاب لدى المراهقين، يحتاج إلى تحديد الخصائص والسمات التي تكتنف هذه الحالة النفسية، وبحسب الأكاديمية الأمريكية للطب النفسي للأطفال والمراهقين (AACAP)، فإن هذا المرض طبي قابل للعلاج، وربما تبدو فكرة الاكتئاب لدى المراهقين قاسية على الأسرة.

الحزن المتكرر والبكاء أو الصراخ
قلة الاهتمام أو الاستمتاع بالأنشطة المفضلة
الملل المستمر أو انخفاض النشاط الحركي
العزلة الاجتماعية مثل الانعزال عن الأصدقاء والعائلة
الحساسية المفرطة من حيث الشعور بالذنب أو الفشل

علامات خطرة

أشارت إحصاءات ودراسات نظام مراقبة مخاطر السلوك للشباب (YRBS)، إلى أن أربعة من كل خمسة مراهقين ممن حاولوا الانتحار يُظهرون إشارات تحذيرية واضحة قبل إقبالهم على هذا التصرف الخطير وتغيرات واضحة في سلوكياتهم، وتشمل الحديث المستمر عن الانتحار، التعبير عن الشعور باليأس، إهمال ترتيب وتنظيم شؤون الشخصية، الانطوائية والعزلة والابتعاد عن الناس، ظهور علامات الاكتئاب الحاد عليهم، الانشغال بالموت، إبداء مظاهر السلوك التدميري الذاتي، الإتيان بسلوكيات خارجة عن الطبيعة الشخصية، فقدان الاهتمام بالأشياء التي يهتم بها المرء.