الاكتئاب حالة نفسية خطرة تؤثر في الحياة بأكملها

مقالات

يعتبر مرض الاكتئاب من المشكلات الخطيرة والمؤثرة في حياة المصاب ونشاطه اليومي، وهو من الحالات المنتشرة في جميع المجتمعات في العالم، ونسمع كثيراً أن فلاناً أصيب بحالة اكتئاب نتيجة ظروف صعبة مرت به.
كما يعد الاكتئاب من المشاكل المشتركة مع أمراض أخرى كثيرة، سواء عضوية أو نفسية، حيث يشعر المريض بالاكتئاب نتيجة إصابته بمرض آخر أو بمشاكل صحية مزعجة ومؤلمة.
ويمكن أن ينعكس الاكتئاب على الحالة الجسمانية للمريض، وبالتالي يجلب المتاعب والمشاكل الصحية المتعددة، حيث تسيطر على فكر المصاب وتوجهه بعض الأفكار السلبية، وتجعله يزهد في كل شيء، فتقل شهيته للطعام والشراب، وينزوي بعيداً عن الآخرين.
وتنتاب المصاب نوبات من التفكير والتوهان فيخرج عن الواقع، ويعيش في عالمه الخاص الذي صنعه لنفسه، ويشعر بأحاسيس سلبية مستمرة.
ويختلف الاكتئاب عن الحزن في أنه يعد حالة نفسية سلبية تؤثر في حياة الشخص كلها، بينما الحزن شعور مؤقت نتيجة المرور ببعض الظروف أو سماع أخبار سيئة، أو عدم تحقيق الهدف أو الرسوب في امتحان، أو فقدان شخص عزيز، فهو حالة مؤقتة وأغلبية الأشخاص يمرون بها خلال تفاصيل الحياة اليومية.
ونتناول في هذا الموضوع مرض الاكتئاب وتأثيره في حياة الشخص، والعوامل والأسباب التي يمكن أن تقود إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر مع طرق الوقاية والعلاج الممكنة.

تفاعلات معقدة

ويصنف الأطباء المختصون الاكتئاب على أنه من أخطر الأمراض النفسية، ويحدث نتيجة اضطراب في التوازن الكيميائي بالدماغ، وسبب خطورته أنه يقود إلى مشاكل وأمراض أخرى أكثر ضرراً على صحة المصاب.
ويصاب الشخص بمرض الاكتئاب بسبب حدوث نوع من التفاعلات المعقدة بين عدة عوامل اجتماعية ونفسية وبيولوجية.
وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص الأكثر عرضة للاكتئاب، هم من تعرضوا لأحداث صعبة خلال مسيرة حياتهم، مثل هؤلاء الذين لم يحصلوا على فرصة عمل، ومن فقدوا شخصاً عزيزاً، وكذلك الذين تعرضوا للصدمات النفسية والعاطفية، فمعظم هؤلاء تزيد نسبة إصابتهم بالاكتئاب.
ويسبب الاكتئاب في بعض الحالات مزيداً من التوتر وعدم القدرة على تأدية الوظائف بصورة طبيعية، وتتدهور حياة المصاب به، وبالتالي تقل رغبته في التمسك بالحياة.
ويعتبر العامل الوراثي ذو تأثير كبير في الإصابة بالاكتئاب، حيث تبين الدراسات والإحصاءات ارتفاع نسب الإصابة بالمرض في العائلات التي بها تاريخ مرضي.

الاضطرابات الشخصية

تشير الدراسات إلى أن الاضطرابات الشخصية من الأسباب الرئيسية للإصابة بالاكتئاب، فالشخصيات التي يتسم سلوكها بعدم الثبات والتي يغلب عليها الانفعالات الدائمة كالتشدد وعدم المرونة، واضطرابات التفكير وتقلب المزاج ربما تكون أكثر عرضة للإصابة بهذا المرض.
ويؤدي أيضاً نقص المواد الكيميائية في الدماغ للإصابة بهذا المرض، وعلى سبيل المثال وجود خلل في الناقلات العصبية، مثل مادة السيروتونين المسؤولة عن التواصل بين مناطق عديدة في الدماغ والنخاع الشوكي، والتي تلعب دوراً في السيطرة على حجم إشارات الألم بين الجسم والدماغ، والتأثير في المزاج ونظام العقل والتفكير.
وتعد العوامل التربوية من أكثر عوامل الاكتئاب خطورة، وذلك لأنها عامل رئيسي في تكوين الشخصية وسلوك الفرد، حيث ينتقل الاكتئاب بطريقة غير مباشرة عبر مشاهدة الأطفال لآبائهم، فتنتقل سلوكيات وأنماط معينة مثل الحزن والتشاؤم، والاكتئاب، وإساءة الظن بالآخرين، والحساسية المفرطة.
وتلعب ظروف الحياة دوراً في الإصابة بالمرض، حيث لا يمكن أن تسير الحياة بشكل مستقر، وعلى وتيرة واحدة أو نمط ثابت من دون وجود منغصات، كفقد عزيز، أو مشاكل زوجية وأسرية وخلافه.

غياب الأمل

تتعدد أشكال مرض الاكتئاب وأعراضه النفسية والجسدية والاجتماعية، ويعتبر أبرز أعراضه غياب الأمل والابتسامة وضياع حياة المصاب بأكملها، فتنهار علاقاته الاجتماعية والمهنية وتتأثر علاقاته الأسرية، ويفقد القدرة تماماً على ممارسة النشاطات بشكل طبيعي.
ويعاني بعض المصابين حالة نفسية صعبة للغاية، مع الشعور بالألم الشديد بشكل يومي، ويبدأ الشعور بالقلق مع بداية اليوم، وبخاصة في الصباح الباكر وبعدها الضيق أثناء الذهاب إلى العمل.
كما يشعر المصاب بالاختناق، وعدم القدرة على التنفس، ولذلك تحتاج مثل هذه الحالات إلى تدخل علاجي من أحد المتخصصين على الفور.

الصداع واضطرابات النوم

يعتبر الصداع من الأعراض المنتشرة بين المصابين بالاكتئاب، بالإضافة إلى أنه يمكن أن يزيد حالة المصابين بالشقيقة سوءاً.
ويعاني مريض الاكتئاب اضطرابات في النوم، فربما استيقظ في وقت مبكر ولا يستطيع أن ينام مرة أخرى، ويمكن أن يستيقظ كثيراً في الليل، كما أن بعضهم يجد صعوبة في الاستغراق في النوم، ويمكن أن يأتي الأمر بصورة عكسية، فتجد بعض المصابين ينامون أكثر من المعتاد.
وتتسبب اضطرابات النوم في إصابة المريض بالتعب والإرهاق، وهو الأمر الذي يجعله يجد صعوبة في مغادرة السرير، ويمكن أن يمتد الأمر إلى صعوبة القيام بالأعمال البسيطة.

مشاكل بالجهاز الهضمي

تؤثر الإصابة بالاكتئاب في الجهاز الهضمي، وذلك بسبب بطء عملية الهضم، والتي تتسبب في مشاكل للمعدة بصورة عامة، وبالتالي فإن المصاب بالاكتئاب يشعر بالغثيان والإسهال، بالإضافة إلى إمكانية إصابته بالإمساك المزمن.
وتتأثر كذلك شهية المريض، فيمكن أن يجد لديه رغبة شديدة في تناول أطعمة معينة، وذلك مثل الأطعمة الكربوهيدراتية، ويمكن أن يفقد مريض آخر شهيته للطعام، وفي كلتا الحالتين فإن وزن المريض يتأثر سوءاً بالزيادة أو النقصان.
ويمكن أن يتوقف بعض المرضى عن تناول الطعام والشراب بصورة كلية، وإن كانت هذه حالات نادرة.

إحساس باليأس والتشاؤم

يشعر مريض الاكتئاب بعدم الراحة والاستقرار النفسي، وذلك بشكل دائم، ويعاني الإحساس باليأس والتشاؤم، وهو ينظر إلى الأمور بمنظار أسود.
كما يفقد الثقة بنفسه والمحيطين به، ويبكي بشكل مستمر، أو على فترات متكررة بسبب ودون سبب، وهو يشعر بحزن شديد دون وجود شيء يدعوه لذلك.
ويشعر المريض بالذنب دائماً تجاه أي شيء، وتنتابه عصبية زائدة على الحد، ويكون صوته عالياً في بعض الأحيان، ولا يرى المكتئب أية بهجة في حياته، وبسبب ذلك فإنه يجد صعوبة في اتخاذ القرارات، ويصبح تفكيره سلبياً.
ويشعر المريض بالقلق والتوتر بشكل مستمر، وتكون لديه أفكار انتحارية، أو أفكار بإيذاء النفس بأي شكل من الأشكال.
ويميل المريض إلى الانطواء والعزلة، وعدم المشاركة مع الآخرين في أي نشاط أو عمل، وهو يهمل الهوايات، ويجد صعوبة في الحياة الأسرية، ويقل نشاطه في العمل أو الدراسة.

نفسي ودوائي

تشمل طرق علاج الاكتئاب الناحية النفسية، وذلك مثل التحفيز السلوكي والعلاج السلوكي المعرفي، أو العلاج بالأدوية المضادة، ومنها على سبيل المثال مثبطات امتصاص السيروتونين الانتقائية ومضادات الاكتئاب، مع الأخذ في الاعتبار أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية
ويعتبر العلاج النفسي، أو ما يطلق عليه العلاج بالتحدث جزءاً مهماً من علاج بعض الاضطرابات النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب.
ويشتمل هذا النوع على مختلف أشكال العلاج النفسي الفردي أو الجماعي، ويكون الهدف إيجاد حلول بدلاً من التحدث فقط عن المشاكل، وعلى سبيل المثال فإن محور العلاج النفسي يركز على الحديث عن الحاضر بشكل أساسي، وذلك حتى يتمكن المصاب من التأقلم مع الحاضر والتحضير للمستقبل.
ويعتبر وجود الثقة والمشاركة والتعاون والتواصل، والقدرة على التفهم والاستيعاب واتخاذ المواقف، أجزاء مهمة وأساسية لأنواع العلاج النفسي المختلفة.

العلاج السلوكي الإدراكي

يعتبر العلاج السلوكي الإدراكي أحد طرق العلاج التي تستخدم في حالات الاكتئاب، ويعرف العلاج الإدراكي بمدى تأثير أفكار الشخص في مشاعره، فهو محاولة تغيير تصرفات الشخص تجاه المواقف التي تحتاج إلى التحدي.
ويتم العلاج فيه بدمج العلاج السلوكي والإدراكي معاً ويعتبر تعاون الشخص أمراً مهماً لزيادة فاعلية العلاج، ويهدف هذا البرنامج العلاجي إلى مساعدة المصاب على تحديد الأفكار التلقائية والمعتقدات الأساسية، والتي تسهم في خلق مشاعر سلبية لديه، وذلك كأن يظن مثلاً بأن جميع البشر سيئون بسبب وجود شخص سيئ واحد، أو أن يعتقد بأنه يجب على الجميع أن يحبوه بلا استثناء.
يبدأ المعالج بخطوات معينة عند تحقيق درجة من السكون والاستقرار الذهني لدى المصاب، وذلك يتم عن طريق اتخاذ إجراءات تساعده على العودة لممارسة حياته بشكل طبيعي، وتسديد خطاه نحو أهدافه، حيث يتم تشجيعه على ممارسة الهوايات وقضاء وقت مع الأصدقاء، وذلك عندما يتسبب الاكتئاب بحدوث الانعزال الاجتماعي مثلاً، وكذلك يمكن توجيهه تحت الإشراف إلى مواجهة الصعوبات ومن يتسببون بشعوره بالخوف مثلاً.

العلاج الاجتماعي

يعد العلاج الاجتماعي أحد أنواع العلاج المستخدمة في الاكتئاب، ويهتم بالتركيز على الأمور التي تجري في المكان والوقت الحاليين، ولا يهتم بالتركيز على الدوافع والأفكار في اللاوعي.
ويهتم كذلك بمعرفة أعراض الشخص المصاب، ودوره وعلاقاته الاجتماعية، ويهدف إلى مساعدته على تغيير سلوكياته وتصرفاته وليس تغيير الشخصية، بالإضافة إلى تعلم ما هو جديد من خبرات ومهارات تساعده على تخفيف الأعراض، بدلاً من الاكتفاء باستيعاب أفعاله وردود أفعاله.
ويمكن للمعالج أن يساعد الشخص المريض على استذكار أعراضه، وربطها بواحد من الأمور الآتية ليتمكنا من تفنيد المواقف والتخفيف من الأعراض.
وتشمل هذه الأمور التوتر أو الحزن على خسارة شيء أو أحد، ومواجهة الاختلافات مع الآخرين، أو حدوث تغيرات في حياة المريض.

جميع الأعمار

تشير دراسة حديثة إلى أن مرض الاكتئاب انتشر بصورة مخيفة حول العالم، واجتاح جميع الأعمار، وذلك نتيجة التغير الذي طرأ على أنماط الحياة، وجعلها تميل إلى العزلة والتقوقع خلف شاشات التواصل الاجتماعي أو التلفزيون أو الهاتف، بالإضافة إلى تفاصيل الحياة التي أصبحت متعبة ومقلقة ومعقدة للكثير، وزيادة الحروب والكوارث.
وتوضح الإحصائيات أن نسبة الإصابة بالاكتئاب تبلغ أكثر من 100 مليون شخص في العالم، وتحتل النساء النصيب الأكبر من هذه الأعداد، حيث تصل نسبتهن إلى 90% من إجمالي المصابين بهذه الحالة النفسية.
وتعود زيادة نسبة شعور المرأة بالاكتئاب إلى الدخول في مرحلة انقطاع الحيض، وكذلك الفترة السابقة عليه، بالإضافة إلى الضغوط العصبية والشعور بالضعف وقلة الحيلة.
وأشارت دراسة طبية حديثة إلى زيادة نسبة إصابة الرجال بالاكتئاب، وذلك في حالة ما إذا كانت زوجته تعمل في إحدى الوظائف العالية المرتبة، وكذلك من تشكو زوجته من متاعب العمل، وذلك مقارنة بغيرهم من الرجال الذين لا يعانون نفس الظروف.