الذئبة الحمراء..المناعة في خطر

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يعد مرض الذئبة الحمراء من الأمراض الغامضة والمعقدة، حيث إنه لا يمكن تشخيصها بسهولة، نظراً لأن علاماتها وأعراضها لا تظهر على شخصين مصابين بنفس الشكل، كما لا يوجد لها علاج يحقق الشفاء منها تماماً، ويرجع مسمى «الذئبة الحمراء» إلى تشبيه البقع الجلدية التي ترافقها كتلك الموجودة على وجه الذئب، والتي تمتاز بلونها الأحمر الذي يطفح على جلد المصابين، وتعود أسباب الإصابة بها إلى العوامل البيئية كالفيروسات، التعرض للمواد الكيميائية، أو أشعة الشمس المسببة للالتهاب، كما تعتبر من الأمراض الخطيرة التي تستهدف الإنسان، حيث إنها تهاجم الأنسجة، ما ينجم عنه تدمير أعضاء أجهزة حيوية كالكلى، القلب، الدماغ، والمفاصل.
يقول الدكتور سانجاي غوبتا طبيب الأسرة إن الذئبة الحمراء، مرض مزمن من أمراض المناعة الذاتية، ويحدث نتيجة تفاعل العوامل الجينية والبيئية، حيث يُصاب جهاز المناعة في الجسم بفرط النشاط ويُهاجم الأنسجة الطبيعية السليمة، ما ينتج عنه الإصابة بالذئبة الحمراء، وتظهر الأعراض على المريض في هيئة الالتهاب، التورم، تضرّر المفاصل، الجلد، مشكلات الكلى، الدم، القلب، والرئتين، ويعد هذا المرض شائعاً أكثر في حالة إصابة أحد التوائم الأحادية الزيجوت، حيث تكون لدى القريب من الدرجة الأولى فرصة متزايدة للإصابة به، مقارنةً بالآخرين، كما أن بعض الشذوذ في الجينات يجعل المرء مستهدفاً به أيضاً، كما تشمل أسباب المرض المحفّزات البيئية الأشعة فوق البنفسجية، ضوء الشمس، وبعض المواد الكيميائية، وربما ينجم عن تناول بعض الأدوية مثل (بروكاييناميد، هيدرازيد حمض أيزونيازيد، الهيدرالازين)، إلى جانب الإصابة بفيروس ابشتاين بار.

تشخيص وأعراض

يؤكد د. سانجاي أن الإصابة بالذئبة الحمراء، هي مرض من أمراض المناعة الذاتية، وليست مرضاً معدياً، وتستهدف النساء أكثر من الرجال بنسبة 90٪، وكذلك الفئة العمرية من 15 إلى 45 سنة، وتتشابه الأعراض المبكرة مع أعراض الأمراض الأخرى، حيث لا يعني وجودها بالضرورة، أن هذا المريض مصاب بالذئبة الحمراء، وتشتمل على الإعياء، التعب، الحمى، الخمول، تقرحات الفم، الطفح الجلدي على الوجه أو المنطقة المكشوفة للشمس، وكذلك آلام المفاصل الصغيرة المتعدّدة، وأحياناً التورم، كما يمكن أن تكون هناك أعراض ناجمة عن إصابة الجهاز العصبي المركزي، أو الرئتين، أو الكلية، أو القلب.
تضيف: يتم تشخيص مرض الذئبة الحمراء على أساس النتائج السريرية والمخبرية، وهناك بعض المعايير السريرية التي يجب الاطّلاع عليها بها قبل تأكيد التشخيص بالإصابة بهذا المرض، كما يتم إجراء بعض اختبارات الدم التشخيصية للمصاب والتي تُشير إلى وجود محتمل للمرض، مثل:
* فحص الأجسام المضادة للنواة (ANA).
* فحص أضداد الحمض النووي ذو السلسة المضاعفة (dsDNA).
* اختبار الأجسام المضادة لسميث (Anti Smantibodie).
* بالإضافة إلى تقييم إصابة الأعضاء الأخرى (تحليل البول للبروتين والدم، وتعداد الدم الكامل، ومستوى التكامل، ومعدل الترسيب، وبروتين سي التفاعلي).
* مع تقدّم المرض، ربما يحتاج المريض إلى أخذ خزعة من الكلى، وإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ للتحقّق من أعراض محدّدة، لكى تساعد مع الأعراض المصاحبة في توجيه، مراقبة، وتعديل خطة علاج المرضى.

مضاعفات

يوضح د.سانجاي أن مرض الذئبة الحمراء مرض متعدّد الأجهزة يمكن أن تؤثر الإصابة به على عدّة أجهزة عضوية، وأكثرها استهدافاً : الكليتان والجهاز العصبي المركزي، وتختلف إصابة الكلية من البيلة البروتينية إلى تطوّر مرض الكلى في المرحلة النهائية، ولذلك يحتاج المريض إلى الالتزام بالمراقبة المنتظمة بعد تشخيص مرض الذئبة، وإجراء تحاليل البول الأساسية وأخذ خزعة من الكلية تبعاً لحالة المريض، كما تتنوّع إصابة الجهاز العصبي المركزي، وأكثر أشكالها شيوعاً هي تراجع الإدراك، والصداع، والنوبات، كما يُعدّ مرضى الذئبة الحمراء أكثر عرضة للإصابة بالأمراض القلبية الوعائية (احتشاء عضلة القلب، السكتة الدماغية، نوبة نقص تروية عابرة)، وهناك خطر متزايد من المضاعفات الخثارية بسبب المرض والأجسام المضادة للفوسفوليبيد، إلى جانب حدوث التهاب الشغاف غير المعدية، والأمراض الصمية، وربما تُصاب الرئة ببعض الآفات التي تكون على شكل التهاب الجنب، الارتشاح الجنبي، وأمراض الرئة التي تُؤدي إلى صعوبة التنفس، وكذلك يحدث إصابة الجهاز الهضمي، والتي تشمل أعراضه على الغثيان، الإقياء، تقرّحات الفم، وأحياناً التهاب الصفاق المناعي الذاتي، ويمكن أن يؤدي التهاب الأوعية الدموية إلى نقص التروية أو ثقب في الأمعاء، كما يمكن أن يتطوّر ويتفاقم المرض أثناء الحمل لدى السيدات، وينتج عنه حالات إجهاض متعدّدة.

تأثير الذئبة على المفاصل

تشير الدكتورة إيرينا خوستانتين استشاري الروماتيزم، إلى أن مرض الذئبة الحمراء أو الذأب الحمامي (الذئبة)، يعد من أمراض المناعة الذاتية، حيث يقوم جهاز المناعة لدى الشخص المصاب باضطراب الذئبة الحمراء بإنتاج أجسام مضادة تهاجم أنسجة الجسم ذاته، حيث يصعب تشخيصه لأن إشاراته وأعراضه تختلف بدرجة كبيرة من شخصٍ لآخر، وتجدر الإشارة إلى أن علامات وأعراض هذا المرض تبقى لفترة طويلة من ستة أسابيع إلى عدة سنوات، ولذلك فإن معظم المرضى يشكون من التعب، والطفح الجلدي بعد التعرض للشمس، وآلام المفاصل مع تصلب في الصباح، فقدان الشعر السريع، تخدير الأصابع، القرحة، الصداع وآلام في الصدر، ويمكن أن تشمل اختبارات تشخيص الذئبة الحمراء على اختبارات الدم والبول، التصوير والأشعة، وأخذ خزعة من المريض.
تستكمل: يؤدي مــــرض الذئــبة الحمراء إلى الالتهاب والضرر لأنسجة الجسم المخـــتلفة، أعراض وعلامات المرض تختلف باخـــتلاف الجهاز المصاب، وظواهــــر وعلامات المـــفاصل هي الأكثر شيوعاً وتتمثل في التهاب المفاصل، ألم وتورّم مع تصلب في الصباح، وتتشـــابه أعراض الذئبة الحمراء على المفاصل مع أعراض التهاب المفاصل الروماتويدي كالآتي:
– تورم المفاصل مع احمرار.
– فقدان لين المفصل.
– آلام في المفاصل.
– ربما يؤدي المرض في حال عدم متابعته إلى تآكل الغضاريف في المفصل.

تدابير علاجية

تؤكد د.أيرينا أن سبب الإصابة بمرض الذئبة الحمراء لا يزال غامضاً، إلا أن هناك بعض العوامل التي يكتشفها الباحثون والتي يمكن أن تساهم في تطوير مرض الذئبة مثل العوامل الوراثية والهرمونية والمناعية والبيئية، وعلى الرغم من أنه لا يمكن الشفاء من هذا المرض، إلاّ أن ما يزيد على 90 % من المرضى يعيشون عمراً كاملاً، ولكنهم يحتاجون على الدوام إلى مراقبة منتظمة من قبل مختص الروماتيزم لتحسين كل من العلاجات غير الدوائية والدوائية لتحقيق أفضل نتيجة ممكنة، وتتعدد طرق العلاج، واستخدام الستيرويد وهو يعد العلاج الرئيسي للمرض، تناول مضادات الالتهاب والمسكنات الموضعية، مثبطات المناعة، مضادات الملاريا والمواد البيولوجية، وأيضاً استخدام الأجسام المضادة الوريدية وتبادل بلازما الدم في حالات النزيف الدموي داخل الرئتين.
كما توصي ببعض النصائح الوقائية لحماية المفاصل من مضاعفات الإصابة بالذئبة بالحمراء، وخاصة بأهمية الكشف المبكر مع مختص الروماتيزم عن المرض منذ بداية ظهور الأعراض، اتّباع نصائح وتعليمات الطبيب، وضع المكابس الساخنة أو الباردة على المفاصل المصابة، دعم المفاصل المصابة بالوسائد أو البطانيات أو الجبائر (إذا طلب الطبيب ذلك)، راحة المفاصل المصابة قدر المستطاع والاحتفاظ بها مرتفعة، للحد من التورم، الالتزام بالخطة العلاجية لإدارة الألم واستخدام الأدوية المضادة للالتهاب.

الطفح الجلدي

تشير الدكتورة بينا راباضية، أخصائية الأمراض الجلدية، إلى أن مرض الذئبة الحمراء هو اسم قصير لحالة طبية تُسمّى «الذئبة الحمامية الجهازية» التي يمكن أن تُسبب أعراضاً مختلفة، أكثرها شيوعاً هو الطفح الجلدي، وألم المفاصل، والتعب، والحمى غير الواضحة الأسباب، كما تجدر الإشارة إلى أن مرض الذئبة الحمراء، لا يأتي نتيجة عدوى، بل هو مرض من أمراض المناعة الذاتية، ما يعني أن نظام المناعة في الجسم، والذي يحميك عادةً من العدوى (البكتيرية والفيروسية وغيرها)، تتم مهاجمته عن طريق الخطأ ويُضرّ النسيج السليم للجسم، وعلى الرغم من أن السبب المحدّد لمرض الذئبة غير معروف، إلاّ أن بعض العوامل الوراثية والبيئية تلعب دوراً في تحريض الذئبة، حيث تختلف أعراض وشدة المرض من شخص لآخر، وتشمل الأعراض الأكثر شيوعاً: التعب، الحمى المزمنة منخفضة الدرجة، الطفح الجلدي على الوجه والجسم، فقدان الوزن، وآلام المفاصل، آلام العضلات، والحساسية للشمس.

علامات الطفح النمطي

توضح د.بينا أن الإصابة بمرض الذئبة الحمراء يُؤثّر على الأعضاء الأخرى في الجسم، حيث تشمل الذئبة الحمامية الجهازية تفاقم بعض المشكلات في الكلية، والقلب، والرئة، والدماغ اعتماداً على شدة المرض، كما يمكن أن يُطوّر لدى المريض حساسية متزايدة للشمس، مع ظهور بعض العلامات على الجلد، كوجود بقع حمراء أو طفح أحمر قشري في أجزاء مختلفة من الجسم، بما في ذلك الوجه والرقبة والذراعين.
ومن الشائع أيضاً حدوث طفح حمامي (أحمر) على الخدين وجسر الأنف، والمعروف باسم «طفح الفراشة» أو «الطفــح الوجني»، كما تتنوع أعراض مرض الذئبة وأحياناً تكون غامضة، ولذلك يطلب الطبيب استيفاء بعض المعايير السريرية، وإجراء تحاليل الدم وأخذ خزعة من الجــــلد للتأكّد من التشخيص، وحتى الآن لا يوجــد علاج محــــدّد لمرض الذئبة الحمراء، ويختلف من مــريض لآخر، ومن وقت لآخر، اعتماداً على الأعراض، وشدة المرض، والأعضاء المصابة، والطفح الظــــاهر، وربما يحـــتاج المريض إلى أن يُعــــالج بمختلف الاختصـــاصات اعتماداً على الأعضاء المـــصابة.

إحصائيات وأرقام

يستهدف مرض الذئبة الحمراء ذوي البشرة الداكنة بمعدل ثلاث مرات تقريباً أكثر من أصحاب البشرة الفاتحة، وكذلك النساء أكثر من الرجال في سن المراهقة، والبالغين من 15 إلى 45 سنة، بنسبة 9 إلى 1، أما في الصغار فتصيب الذكور أكثر من الإناث، وتبلغ نسبة المرض في العالم بمقدار 1000:1 من سكانه، ولكنه ينتشر في الولايات المتحدة الأمريكية بنسبة واحد من كل ثلاثة آلاف إلى أربعة آلاف شخص تقريباً من السود، وجنوب شرقي آسيا بنحو 0.04% من سكان السعودية، وكذلك دول إفريقيا.