وجوه متعددة للاضطرابات الهضمية

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يعد الجهاز الهضمي من أهم الأجهزة الأساسية في الجسم؛ حيث إن وظيفته الأساسية تحويل جزيئات الغذاء المعقدة والكبيرة إلى جزيئات أصغر قابلة للامتصاص وهضمها بشكل طبيعي، لتوفير الطاقة اللازمة للجسم، كما أن إفراز اللعاب من الغدد اللعابية الصغيرة التي يملك منها الشخص من 800 إلى 1000، تساعد بشكل رئيسي في مرور الطعام من المريء ثم المعدة، ولأن عملية الهضم طويلة وتمر بأكثر من مرحلة؛ فإن ذلك ربما يعرض الإنسان لبعض المشكلات الهضمية والأمراض التي تصيب المعدة وغيرها من الأعضاء التي تشترك في عملية الهضم.
يقول الدكتور محمد عبد الرحيم سليمان استشاري الأمراض الباطنية: يتكون الجهاز الهضمي من جزأين رئيسيين هما القناة الهضمية، التي تبدأ من الفم وتشمل البلعوم، المريء، المعدة، الاثني عشر، الأمعاء الدقيقة، ثم الغليظة، وتنتهي بالشرج، أما الجزء الثاني فيشمل ملحقاته وهى عبارة عن الأعضاء التي تساعد في هضم الطعام، كالكبد، الحويصلة المرارية، البنكرياس، والغدد اللعابية، وتبدأ عملية الهضم من الفم عن طريق طحن الطعام بالأسنان وامتزاجه بالإنزيمات التي تفرزها الغدد اللعابية، فيتحول الطعام إلى جزيئات صغيرة ليتم هضمها وامتصاصها من خلال حركة القناة الهضمية، التي تدفع الطعام خلال القناة بواسطة العضلات، وكذلك عن طريق إفراز الإنزيمات الهاضمة من المعدة والبنكرياس والكبد خلال القنوات المرارية، ثم الأمعاء الدقيقة، ثم يتم الامتصاص عن طريق الغشاء المبطن للقناة الهضمية التي تأتى وظيفتها الأخيرة بعد امتصاص الطعام لتقوم بالتخلص من الفضلات، كما تجدر الإشارة إلى أن الجهاز الهضمي أيضاً يحافظ على مناعة الجسم وقتل البكتريا بواسطة حمض المعدة وأيضاً الغدد الليمفاوية الملحقة بالأمعاء، كما يحمى البيئة الداخلية للجسم بشكل متوازن عن طريق ضبط عملية امتصاص الحديد، الكالسيوم، المعادن الأخرى، وكذلك ضبط السكر بإفراز هرمون الإنسولين من البنكرياس.

أمراض الجهاز الهضمي

يذكر د. عبد الرحيم أن أكثر أمراض الجهاز الهضمي شيوعاً هي قرحة المعدة والاثني عشر، الالتهاب التقرحي للقولون والأمعاء، ارتجاع المريء، متلازمة القولون العصبي، وكذلك إصابات ملحقات الجهاز الهضمي كالفيروسات الكبدية، التهابات البنكرياس الحادة والمزمنة، الكبد الدهني، الحصوات المرارية، الأورام السرطانية وغيرها كالآتي:-
– ارتجاع المريء، وهو من أمراض الجهاز الهضمي المنتشرة، والتي تستهدف بدرجة كبيرة، المدخنين ومرضى السمنة، التي تحدث بسبب ارتجاع الحامض المعدي إلى المريء، مسبباً التهاباً بجدار المريء، فيشعر المريض بآلام في الصدر، حرقة وخاصة في الليل، وتزيد أعراضه بتناول البهارات الحارة، ويتم علاج هذه الحالة بتقليل كمية الوجبات والابتعاد عن الأطعمة المهيجة للمعدة، بالإضافة إلى تناول الأدوية التي تساعد في الحد من حموضة المعدة، وحدوث الارتجاع، ومنها على سبيل المثال:-
– متلازمة القولون العصبي، وهو مرض وظيفي يؤثر على حركة القولون دون سبب عضوي وينتشر بين النساء أكثر من الرجال، يستهدف جميع الأعمار من المراهقة إلى المتقدمين في السن، وتكون علاماته على شكل عسر هضم، انتفاخات، غازات مصاحبة بالآلام، وعادة ما تكون نتيجة الفحوصات كالمناظير وغيرها طبيعية، ويحتاج المريض للتعايش والتأقلم مع هذا المرض، ومواجهة الأعراض التي تزيد بالانفعال والتوتر والعصبية والقلق المصاحب لظروف الحياة، وهو عبارة عن اضطرابات وظيفية فقط بدون حدوث أي مضاعفات أخرى، وتزول مع تناول بعض العقاقير لتهدئة المغص والانتفاخات.
– تقرح الأمعاء الغليظة، وهو مرض مناعي مزمن يرافقه آلام في البطن مع خروج دم ومخاط في البراز، ارتفاع درجة الحرارة مع إسهال، ويتم تشخيصه عن طريق التنظير البطني؛ حيث يلاحظ الطبيب وجود قرح كثيرة تملأ القولون، ويكون العلاج عادة بتناول أدوية الأستيرويد المعروفة، وهى تعطى للمريض بشكل موضعي كحقن شرجية، أو حبوب تعمل داخل القولون، بالإضافة إلى العقاقير التي تقلل الالتهابات، وفي الحالات الشديدة والمزمنة يتم اللجوء للجراحة باستئصال جزء من القولون للمحافظة على حياة المريض.
– قرحة المعدة والاثني عشر، وهى تحدث لأسباب كثيرة، أهمها الإصابة ببكتيريا ( الهيليكوباكتر بيلورى) وأيضاً تناول كمية من الأسبرين وبعض الأدوية المشابهة، وأيضاً التدخين، الكحوليات، وتتراوح الأعراض ما بين آلام بأعلى البطن إلى نزيف دموي من الفم والشرج في الحالات الحادة، حيث يحتاج المريض لعمل منظار عاجل لاكتشاف وتشخيص القرحة، ويبدأ العلاج بالأدوية التي تمنع إنتاج الحامض المعدي عن طريق الوريد ثم بالفم لاحقاً، وهى من الأمراض التي انتشرت في العقود الماضية وقل وجودها في الوقت الحاضر، بسبب اكتشاف الأدوية الحديثة.

مرض الأمعاء الالتهابي

يشير الدكتور خالد السيد استشاري أمراض الجهاز الهضمي، أن مرض الأمعاء الالتهابي يرتبط بحدوث اضطرابين هما: التهاب القولون التقرحي (UC) ومرض كرون (CD) اللذان ينجم عنهما التهاب مزمن في الجهاز الهضمي، وعند الإصابة بمرض الأمعاء الالتهابي تكون الاستجابة المناعية الطبيعية مفرطة النشاط في الجهاز الهضمي، ما يتسبب بدوره بحدوث التهاب وتورم وانسداد في الجهاز الهضمي، ولا يوجد سبب معروف للإصابة بالتهاب القولون التقرحي ومرض كرون حتى الآن على الرغم من أن العديد من الباحثين يعتقدون أن الربط بين الجينات والجهاز المناعي للجسم والعوامل البيئية، ربما يلعب دوراً في الإصابة، ويتم تشخيص أمراض الشيخوخة والتهاب القولون التقرحي ومرض كرون، غالباً خلال مرحلة البلوغ، ويعتبر هذان المرضان من الأمراض المزمنة التي يترتب على المرضى إدارتها طوال حياتهم، حيث إن التعايش مع هذه الظروف المرضية يترك تأثيراً كبيراً على الصحة البدنية والنفسية للمريض، وكذلك على النواحي الاجتماعية مثل العلاقة الأسرية أو في مجال العمل أو المدرسة، وفي العديد من الحالات، يرتبط مرض الأمعاء الالتهابي بمعدلات أعلى من القلق والاكتئاب مع قلة الدعم الاجتماعي مقارنة بالأشخاص الذين ليس لديهم مرض مزمن.

مضاعفات وعلاجات

يوضح د.خالد أن التهاب القولون التقرحي، يؤثر فقط على الأمعاء الغليظة والمستقيم، ويتميز بوجود القروح المفتوحة، ومن الأعراض الأكثر شيوعًا لالتهاب القولون التقرحي، الشعور بعدم ارتياح في منطقة البطن وظهور الدم أو القيح في الإسهال، أما بالنسبة لمرض كرون فهو يمكن أن يؤثر على أي جزء من الجهاز الهضمي. وقد تشمل الأعراض الشائعة حدوث ألم البطن والإسهال ونزيف المستقيم وفقدان الوزن والحمى، ولذلك يُنصح بمراجعة الطبيب إذا كان هناك تغيير مستمر في حركة الأمعاء أو وجود علامات وأعراض غير طبيعية، وعلى الرغم من أن مرض التهاب الأمعاء غير مميت، إلا أنه مرض خطر، يسبب مضاعفات تهدد الحياة، ويكون تشخيص مرض الأمعاء الالتهابي بحسب الأعراض المصاحبة، والتاريخ الطبي له، ويتم إجراء سلسلة من الاختبارات للتأكيد من صحة التشخيص، وتشتمل على فحص الدم والبراز، إجراء التنظير الداخلي والتصوير.
يستكمل: إن علاج مرض الأمعاء الالتهابي، يمكن أن يكون على شكل إعطاء أدوية، بالتدخل الجراحي، المكملات الغذائية، حيث تهدف هذه الإجراءات العلاجية إلى تخفيف حدة المرض ومنع تفاقمه وتحسين نوعية الحياة، كما يشكل رفع مستوى الوعي والتثقيف الغذائي، عنصرين ضروريان لإتمام الشفاء، ولا يوجد أي نظام غذائي معين لمنع أو علاج الأمعاء الالتهابي.

القولون العصبي

يشير الدكتور أيسم رؤوف مطر مختص الأمراض الباطنية، إلى أن القولون هو ما يسمى بالأمعاء الغليظة وهو الجزء الذي يصل بين الأمعاء الدقيقة والمستقيم ثم الشرج، ويبلغ طوله حوالي متر ونصف المتر، ووظيفته الأساسية هي امتصاص الماء والغذاء والأملاح من الطعام المهضوم القادم من الأمعاء الدقيقة ودفع الفضلات إلى الخارج للتخلص منها، من خلال تقلصات عضلات جدار وهي التي تتحكم بها الأعصاب، والهرمونات، واستجابة القولون نفسه لمحتوياته، حيث تحتاج هذه العملية إلى تناغم بين تقلصات عضلات القولون والمخارج وعضلات الحوض لتتم بسلاسة ونجاح.
يضيف: القولون العصبي أو متلازمة الأمعاء المتهيجة هو خلل في حركة القولون الطبيعية السلسة، فربما تكون على شكل تقلصات متشنجة أو قوية تدفع الطعام بسرعة وتمنع امتصاص السوائل بشكل جيد عبر الغشاء المخاطي المبطن للقولون، مما يسبب الألم والإسهال، أو تكون هذه الحركة بطيئة أو ضعيفة في أحيان أخرى، ينتج عنه تأخر في حركة محتوياتهم، ما يؤدي إلى امتصاص كمية أكبر من السوائل من القولون، وحدوث الإمساك، أو سكون تام يتيح فرصة لتخمر الطعام، وكثرة الغازات والانتفاخ والألم.

أسباب وعلامات

يؤكد د. أيسم، أنه لم يتم التوصل حتى الآن لمعرفة أسباب القولون العصبي على وجه التحديد، ولكن هناك بعض النظريات والأبحاث التي أشارت إلى وجود بعض الأسباب، وتقول الأرجح منهم إن الإصابة بمتلازمة الأمعاء المتهيجة تحدث عندما يكون القولون حساساً للضغط النفسي وبعض أنواع الأطعمة، حيث يختل عمله ويحدث اضطراب التفاعل بين الدماغ والجهاز الهضمي، والبعض الآخر وجد أنه بسبب تأثير الجهاز المناعي الذي يقوم بحماية الجسم من الجراثيم، أو التغيير في البكتيريا الحميدة الموجودة بشكل طبيعي في الأمعاء، تصيب الجهاز الهضمي وتسبب النزلات المعوية، وتظهر أعراض القولون العصبي على شكل ثلاث علامات رئيسية وهي: آلام، الإمساك، والإسهال لعدة أشهر، وربما يرافقها انتفاخات وغازات تصدر من البطن، قلق واضطرابات النوم، وتتأرجح بين الخفيفة والشديدة، وتزيد في حالة وجود الضغوط النفسية، السفر، أو تغير نمط الحياة اليومي. ويتم تشخيص القولون العصبي من الدرجة الأولى من خلال الفحص السريري والتاريخ الطبي والأعراض التي يعانى منها المريض، ويتم عمل الفحوصات اللازمة لاستبعاد وجود أمراض معدية، أو عضوية، كصورة الدم الشاملة، اختبارات وظائف الكبد، فحص البراز، قياس سرعة ترسب الدم، الغدة الدرقية، فحص
البطن عن طريق الموجات فوق الصوتية، منظار القناة الهضمية، وفحص الزفير للهيدروجين لاستبعاد سوء هضم اللاكتوز.

علاج

يذكر د.أيسم أنه على الرغم من عدم توفر طرق علاجية معروفة للتخلص من مرض القولون العصبي نهائياً، إلاّ أنه توجد بعض التدابير لتخفيف الأعراض وتشتمل على:-
– العلاج الدوائي الذي يندرج تحته عدد من العقاقير الحديثة للتخفيف من أعراض القولون العصبي، كما يجب الانتباه من الأدوية التي تعالج الإمساك من خلال استثارة عضلات القولون لأكثر من أسبوع، وكذلك أدوية الإسهال المعتادة، لأنها ربما تؤدي إلى إمساك على المدى الطويل، كما أثبتت الدراسات الحديثة، فعالية تناول البكتيريا الحميدة في العلاج، إذ إنها تحفز المناعة وتعمل ضد البكتيريا الضارة وتمنع استقرارها وتخرج من الجسم بسرعة، وأيضاً تحفز ناقلات عصبية معينة تمنع حدوث الالتهابات. لتكون هذه البكتيريا بمثابة أمل جديد لمرضى القولون العصبي تساعدهم على الشفاء.
– التعديلات الغذائية، حيث يجب على المريض تجنب الأطعمة المهيجة للقولون بوجه عام، تناول وجبات منتظمة، متوازنة، متعددة وصغيرة، شرب كمية كبيرة من الماء، الشاي الأخضر، النعناع، البابونج، الكمون.
– المداومة على الرياضة فهي تشد العضلات وتحافظ على الوزن وتضبط إيقاع القولون
– تجنب التدخين.
– المحافظة على أخذ قسط كافٍ من النوم.
– الابتعاد عن الإجهاد والضغوط النفسية، والمحافظة على إعطاء جسمك وقتاً من الاسترخاء العضلي والتنفسي.

عناصر طبيعية

تجبرنا الظروف الحياتية، على الابتعاد عن الأطعمة الغنية بالعناصر الغذائية المفيدة، وتناول الوجبات السريعة التي تحتوي على نسبة عالية من الدهون والعناصر التي تتسبب في الكثير من الأمراض، ولذلك علينا الانتباه لضرورة تناول بعض العناصر بين الوجبات لعدم التعرض لمشكلات الجهاز الهضمي، مثل الزبادي الذي يحتوي على البكتيريا النافعة التي تساهم في تسهيل عملية الهضم، والشوفان ذي النسبة الكبيرة من الألياف للتخلص من الإمساك، وتعمل الخضروات الورقية على تنقية الجهاز الهضمي من البكتيريا، كما يعدّ الأرز من الأطعمة الخفيفة على المعدة، ويحتوي على الكربوهيدرات البسيطة التي تسهل هضم الأطعمة الأخرى، وكذلك نسبة كبيرة من النشا المركبة التي تساعد على نمو البكتيريا النافعة داخل الأمعاء.