مرض «بيرثيز» يدمر مفصل عظم الفخذ للأطفال

مقالات

يمنع مرض بيرثيز أو «الداء العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ»، وصول التروية الدموية الكافية لرأس عظم الفخذ كروية الشكل، والتي تلتقي مع عظام الحوض مكوّنة مفصل الورك، وبالتالي تموت خلايا من عظم الفخذ، وتصبح هشة سهلة الكسر وصعبة الالتئام. ويصيب المرض الأطفال مسبباً لهم آلاماً في مفصل الورك وصعوبات في المشي، ويحتاج إلى العلاج الطبيعي المكثف، وإلى العلاج الجراحي في بعض الحالات.
يرى الدكتور رائد فيصل السروري، استشاري أمراض وجراحة العظام في مستشفى توام بالعين، أن فرص الشفاء التام من الداء العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ، وعودة المفصل لطبيعته تتزايد كلما كان عمر الطفل أثناء تشخيص المرض أصغر، على أن يكون أكبر من 6 أشهر؛ إذ تكون العظام ما زال أمامها الكثير من النمو الذي يعود طبيعياً مع العلاج.
وتعالج كثير من حالات مرض بيرثيز عند الأطفال الأقل من 6 سنوات بالعلاج الطبيعي، مع إزالة الضغط عن الورك، ما يؤدي إلى تروية دموية أفضل لرأس عظم الفخذ.
وتتم إزالة الضغط عن مفصل الورك بعدة طرق، منها العكازات أو الأجهزة الحديثة المخصصة للسير، واستخدام العكاز في المشي ينقل الضغط لليدين والعكاز، تاركاً الفخذين حرتين ما يساعد على حماية مفصل الورك.
وتستخدم كذلك أنواع معينة من الجبائر تُبقي الساقين متباعدتين، لفترة ما بين 4 إلى 6 أسابيع، ثم من الممكن أن تستخدم دعامة تحافظ على مرونة المفصل.

السباحة والدراجات

ويضيف الدكتور السروري: «يتم العلاج الطبيعي بجلسات مع طبيب مختص في العلاج الطبيعي تتكرر أسبوعياً، وينصح الطبيب بتمارين الإطالة والبعد عن التمارين الرياضية المجهدة لمفصل الورك».
وتعتبر السباحة من الرياضات المفيدة، التي ينصح بها بشدة للأطفال المصابين بضعف رأس عظم الفخذ؛ لأنها تتيح حركة مفصل الورك وتقوي عضلات الفخذ دون الضغط على المفصل، وكذلك ركوب الدراجات فالضغط فيه شبه منعدم على مفصل الورك.
ويخبرك الطبيب بطرق مقاومة الألم الشديد حال حدوثه، والتي تتضمن الراحة في السرير، مع القيام بشد ساق الطفل بقوة ضعيفة نسبياً، ولكنها ثابتة ومستمرة لبعض الوقت.

الخيار الجراحي

ويلجأ الطبيب كما يوضح الدكتور رائد، للخيارات الجراحية مع الأطفال الأكبر سناً ومع الحالات المتأخرة، وتركز الجراحات على التقويم في رأس عظمة الفخذ لتستعيد شكلها الطبيعي.
وتثبت العظام بواسطة صفيحة حتى يلتئم العظم، وذلك بعد تصحيح المفصل بشقوق جراحية في الحوض أو الفخذ، وتناسب هذه العملية الجراحية الأطفال الأكبر من 6 سنوات وإلى 8 سنوات.
ويتم تشذيب العظم الزائد مع الأطفال الأكبر سناً، والذين تكون عندهم حركة المفصل محدودة ومؤلمة، فتساعد إزالة الزوائد على تسهيل الحركة وتخفيف الألم.
ولا تنفع الحلول السابقة عندما تتطلب حالة المريض اللجوء لجراحات تغيير المفصل بآخر صناعي، وكذلك من الممكن أن يضطر بعض المصابين السابقين بمرض ليج كالفيه بيرثيز، لتغيير المفصل بعد سنوات من إتمام العلاج.
ويؤكد الدكتور سعيد حامد، مختص أول عظام وكسور بمستشفى راشد في دبي، أن مرض بيرثيز يصيب عادة أحد مفصلي الوركيين، لكن من الممكن أن تشمل الإصابة المفصلين وتشبه الأعراض التهابات العظام، التي تكون من عدوى وصلت للعظام، عن طريق الدم أو من خلال إبرة ملوثة وصلت إلى العظام.
وتكون الأعراض في صورة ألم في مفصل الورك، أو أعلى الفخذ أو الركبة، ومع ازدياد الألم تصعب على الطفل الحركة والسير بطريقة طبيعية، فيبدو عرجه أثناء السير واضحاً، وفي بعض الحالات يكون الألم حاداً ما يمنع الطفل من الوقوف. ويصاحب الألم تيبس للمفصل وانخفاض في مدى ونطاق حركته، وازدياد الألم أثناء المشي، ومن الممكن أن يحدث ضمور لعضلات الفخذ، نتيجة قلة حركتها أو في حالات اختلاف طول الساقين.

تدمير سطح المفصل

ويضيف الدكتور سعيد: «يفقد رأس عظم الفخذ مع تزايد مرض بيرثيز شكله الكروي الناعم والأملس حتى يضعف وينكسر، ويؤدي تجاهل الألم خاصة إذا لم يكن شديداً إلى مضاعفات سيئة، منها حدوث تهيج قوي أو التهاب في المفصل، ويمكن أن يؤدي إلى نخر حادٍ، أو ما يسمى بنخر لا وعائي في مفصل الورك.
ويقصد بالنخر موت خلايا العظام بعد توقف وصول الدم إليها، مما يُحدث انهياراً للعظام وتدميراً لسطح المفصل، ويحتاج النخر الحاد إلى التدخل الجراحي واستبدال الجزء الميت بجزء معدني صناعي».
ويتسبب العلاج غير الكامل أو الخاطئ لمرض بيرثيز في التهاب المفاصل عند الوصول لسن البلوغ، أو في عدم تناسب حجم عظام مفصل الورك مع بعضها بعضاً، وتعرضها للبِلى في سن مبكرة، والاضطرار إلى تغيير المفصل بآخر صناعي.

الالتهاب التنكسي

ويعد التهاب المفاصل التنكسي كما يؤكد الدكتور حامد من المضاعفات المحتملة لمرض بيرثيز، وهو واحد من أكثر أنواع التهابات المفاصل انتشاراً بين المصابين بهذا المرض، ويتسبب في تيبس وصلابة الغضروف، وبالتالي فإنه يفقد مرونته.
ويؤدي هذا الأمر إلى أن يجعله أكثر عرضة للإصابة، ويحتم تآكله مع الوقت، ما يؤثر في هذه الحالة على غضروفي مفصل الورك.
وتفقد الغضاريف المصابة بالتهاب المفاصل التنكسي القدرة على منع الصدمات ما بين العظام، وكلما ازدادت الحالة سوءاً ازداد الألم، وكان احتمال احتكاك العظام بعضها ببعض أكبر من المعتاد.

الدعامة الأساسية

يقول الدكتور وائل فايز اختصاصي جراحة العظام والمفاصل والإصابات بمستشفي توام بالعين: «يعتبر مفصل الورك الدعامة الأساسية التي تحمل وزن الجسم أثناء الوقوف والمشي، ويتكون من عظم الفخذ ذي الرأس الكروي الشكل، والذي يقبع داخل الحُق الذي يوصف بأنه تجويف نصف كروي في جانبي عظم الورك بالحوض البشري.
ويعد دور مفصل الورك أساسياً في المحافظة على اتزان الجسم، وكسائر مفاصل الجسم، فإنه محاط ومدعم بأربطة تمسك ما بين أجزائه، وتحدد نطاق حركته ومجالها، ولمفصل الورك خمسة من الأربطة.
ويُغطى كل من الرأس الكروي لعظمة الفخذ والحُق بغضروفين أملسين، يقللان الاحتكاك أثناء الحركة، ولا يمكن للعظام أن تتحرك من تلقاء نفسها؛ بل تحركها العضلات».

اختلاف المسببات

ويضيف الدكتور وائل: «يشتهر الداء العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ عالمياً باسم مرض بيرثيز، أو مرض ليج كالفيه بيرثيز، وهي أسماء الأطباء الثلاثة الذين كانوا أول من شخص هذا المرض، وبحثوا في أسبابه وأعراضه.
ولا يعرف السبب الحقيقي وراء حدوث نقص في إمداد عظم رأس الفخذ بالتروية الدموية الكافية لدى أولئك الأطفال، وموت خلايا رأس عظم الفخذ، وبالتالي سهولة تعرضها للكسر وصعوبة وبطء التئامها».
واختلف الأطباء الثلاثة حول السبب الأساسي لهذا المرض، حيث أشار الطبيب ليج إلى أن قلة الدم الواصل للفخذ هي المسبب الرئيسي، في حين اعتقد الطبيب كالفيه أن السبب وراء المرض يرجع للين العظام، وهو ما يسمى بمرض الكساح الذي يصيب عظام الأطفال أثناء نموها.
ويعرف عن مرض الكساح أنه يؤدي إلى خلل في ترسيب المعادن بالعظام أثناء نموها، وتتكون العظام أساساً من المعادن خاصة الكالسيوم والفوسفور، وقلة هذين المعدنين تتسبب في هشاشة العظام وسهولة كسرها.
وأشار الطبيب بيرثيز، إلى أن هناك عدوى ما، تسهم في الإصابة بالمرض، بدليل أن من مضاعفاته التهاب المفاصل التنكسية، ومن المعروف أن الالتهابات تنتج عن مقاومة المناعة لأجسام ضارة كالبكتيريا والفيروسات.

النظام الغذائي

لاحظ الطب الحديث كما يوضح الدكتور وائل، العديد من الأسباب التي من الممكن أن تؤدي إلى المرض العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ، والتي من بينها سوء النظام الغذائي لدى الطفل على مدى زمني طويل، وحدوث التهابات بمنطقة الحوض.
ويحتمل أن يتسبب انخفاض وزن الطفل عند الولادة في الإصابة بالمرض، وكذلك قصر القامة أو حدوث تأخر في نضج الهيكل العظمي للطفل، أو بعض التغيرات في الهرمونات، لكن المؤكد أنه في النهاية يحدث انخفاض في تدفق الدم إلى مفصل الورك في كل الحالات. ويصيب مرض بيرثيز الأطفال في جميع أعمارهم، ولكنه يكثر في المرحلة العمرية ما بين 4 و8 سنوات، ويصيب المرض الأطفال الذكور غالباً، فنسبة إصابة الأطفال من الذكور إلى الإناث هي 1,5.
ويعتقد أن للمرض علاقة بالجينات الوراثية؛ إذ لوحظ في قليل من الحالات أنها من عائلات واحدة، كما أن المرض ينتشر في الأطفال ذوي العِرق الأبيض أكثر من الأطفال أصحاب البشرة السوداء.

متابعة مستمرة

تشير دراسة حديثة إلى أن المرض العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ يصيب الأطفال الأقل من 15 عاما بمعدل طفل من كل 1200 طفل.
وينتشر هذا المرض بين السلالات القوقازية أكثر من غيرها، ولوحظ أن عمر 7 سنوات هو العمر الأكثر شيوعا لظهور المرض من بين الأعمار من 3 إلى 12 عاما التي تصاب بالمرض.
ولاحظ الأطباء أنهم مهما بذلوا من جهد مع مرضى بيرثيز فإن الشفاء التام لا يعني انتهاء المرض تماما، فربما يعود في شكل مشكلة أخرى تصيب مفصل الورك في مرحلة لاحقة من حياتهم، ولذلك فإن هذا المرض يحتاج إلى متابعة مستمرة.
ويجب على المرضى السابقين بالداء العظمي الغضروفي في مشاشة رأس الفخذ استشارة الطبيب، وذلك عند ظهور أية بوادر أعراض أو آلام في مفصل الورك، أو في الساقين عموما، مع الحرص على عدم الإجهاد الزائد لمفصل الورك طوال العمر والاتجاه للرياضات المناسبة لحالتهم كالسباحة وركوب الدراجات.