الغدد الصماء.. مفتاح توازن الجسم

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تنتشر الغدد الصماء في جميع أنحاء جسم الإنسان، حيث إنها تقوم بدور رئيسي في تنظيم التوازن الكيميائي ووظائف الأعضاء في الجسم عن طريق إفراز مجموعة من الهرمونات التي تذهب مباشرة إلى الدم، وهي متعددة، كالغدة الدرقية، النخامية، الكظرية، البنكرياس، الصنوبرية، التناسلية، الزعترية، جارات الدرقية، وكذلك جهاز المعدة الذي يفرز هرمون غريلين، وفي السطور القادمة سنتعرف أكثر على الغدد الصماء ووظائفها، وأيضاً على المشكلات التي يمكن أن تسببها، والأمراض التي تصيبها.
يقول الدكتور محمد سهيل الحصني، اختصاصي أمراض الغدد الصماء، والأيض والاستقلاب، إن الغدد بشكل عام تنقسم إلى نوعين في جسم الإنسان وهما الغدد القنوية، واللعابية، كما يحتوي على ثمانية أنواع رئيسية من الغدد الصماء التي تؤدي هرموناتها وظائف مختلفة في الجسم، حيث تقوم بطرح إفرازاتها الكيميائية مباشرة في الدم بكميات مناسبة دون الحاجة إلى قنوات، ويعمل الجهاز العصبي على تنظيم إفراز بعض أنواع هذه الهرمونات من الغدد الصم، التي تنقسم في تأثيرها إلى هرمونات سريعة التأثير، وأخرى بطيئة، وربما يعاني الإنسان أحياناً خللاً في فرط أو قصور إفراز بعض أنواع الهرمونات، ما يؤدي إلى إصابة الجسم بالعديد من الاضطرابات والمشاكل الصحية، وتنقسم أنواع الغدد الصماء إلى الآتي: –
– الغدة الدرقية، وهي التي تقع في الجزء الأمامي من الرقبة، وتشبه الفراشة في شكلها، ومن أبرز الهرمونات التي تفرزها (الثيروكسين والثيرونين) اللذين يعملان على تنظيم عمليات الأيض وإنتاج الطاقة في الجسم والنمو والحمل.
– الغدد جارات الدرقية، وهما زوجان من الغدد تقعان خلف الغدة الدرقية، حيث إنهما المسؤولان عن إفراز هرمون الباراثرمون الذي ينظم نسبة الكالسيوم والفسفور في الجسم.
– خلايا بيتا لانغرهانس في البنكرياس وهي التي تفرز هرمون الأنسولين المسؤول عن خفض مستويات السكر في الدم، عن طريق تسهيل عبوره إلى داخل الخلايا، وكذلك هرمون الكلوكاغون، الذي يُفرز من خلايا ألفا لانغرهانس ويعمل على رفع مستوى سكر الدم في حال انخفاضه لأي سبب من الأسباب.
– الغدة الصنوبرية، وهي غدة تشبه مخروط الصنوبر، وتقع داخل تجويف الدماغ، وهي التي تفرز هرمون الميلاتونين الذي يساعد على تنظيم النوم.
– الغدة الزعترية، التي تقع في التجويف الصدري أعلى القلب، وهي المسؤولة عن تنظيم جهاز المناعة في جسم الإنسان بإفراز هرمون ثيموسين، وإنتاج الخلايا اللمفاوية، وتكون هذه الغدة أكبر ما يمكن عند الأطفال، ثم تبدأ بالضمور والتناقص خلال فترة المراهقة، خاصة عندما تبدأ الغدد التناسلية بالنضج والإفراز.
– الغدة النخامية، صغيرة الحجم تقع في الجزء الأمامي من الرأس أسفل الدماغ، وهي بحجم حبة البازلاء، وتعد أهم الغدد الصم في جسم الإنسان على الإطلاق لسيطرتها على معظم النشاطات الحيوية، التي تؤثر في عدد كبير من أنشطة الجسم، بدءاً من النمو حتى التكاثر، ومن أبرز الهرمونات التي تفرزها هو هرمون النمو المسؤول عن تحديد الطول، ونقصه يؤدي إلى قصر القامة والقزمية، وأيضاً هرمون البرولاكتين المسؤول عن إفراز الحليب خارج فترة الرضاعة، وكذلك إفراز الهرمونات المنظمة والحاثة من الغدد الأخرى كالدرقية، الكظرية، التناسلية، وأيضاً الهرمون المضاد للتبول (فازوبريسين) المسؤول عن توازن الأملاح، والسوائل في الجسم، وينتج عن الجزء الخلفي للغدة النخامية، حيث إن نقصه يؤدي إلى مرض السكري الكاذب مع زيادة كبيرة في التبول يصل إلى 5-10 لترات خلال 24 ساعة مع عطش ورغبة في شرب كمية من الماء البارد، أما زيادته فتؤدي إلى وذمات في الجسم مع أضراب في الشوارد والأملاح، في الدم، أما الجزء الأمامي في الغدة النخامية فيفرز (اوكسيتوسين) المسؤول عن الإرضاع، وانقباض الرحم بعد الولادة.
– الغدة الكظرية، وهي تتكون من زوجين من الغدد تقعان فوق الكليتين، وتفرز مجموعة من الهرمونات مثل: الألدوسترون الذي يمكن أن تؤدي زيادته إلى ارتفاع في ضغط الدم الشرياني الثانوي مع ظهور اضطرابات في شوارد وأملاح الصوديوم والبوتاسيوم والهرمونات الجنسية من قشرة الغدة الكظرية، وكذلك هرمون الكورتيزون المضاد للالتهابات والحساسية والمثبط لجهاز المناعة، كما يلعب دوراً في رفع سكر الدم، كما ينجم عن زيادة إفراز هذا الهرمون إلى مرض السمنة رجالية (كوشينغ)، ارتفاع ضغط الدم الشرياني، الإصابة بداء السكري، واضطرابات في شحوم وأملاح الدم.
– هرمون الأدرينالين الذي يفرز من لب الغدة الكظرية، عند شعور الإنسان بالخوف أو التوتر، كما أنه يعطي الإنسان الطاقة والقدرة على مواجهة الأخطار والظروف الصعبة التي ربما يمر بها.
– الغدد التناسلية وهي تشمل المبيضين اللذين يفرزان هرمون الأستروجين (الأنوثة) المسؤول عن ظهور علامات البلوغ عند الإناث، وأيضاً هرمون البروجيسترون الضروري لصحة المرأة، وخاصة في تنظيم الدورة الطمثية، والخصوبة لحدوث الإنجاب، أما الخصيتان فهما اللتان تفرزان هرمون التستوستيرون (الذكورة) المسؤول عن ظهور علامات الذكورة وقت البلوغ، وله دور مهم في الإنجاب وقوة العضلات، العظام، التوازن النفسي، العصبي.

مشكلات الغدة النخامية

يذكر الدكتور جلال نفش، استشاري الغدد الصماء، أن الغدة النخامية هي غدة صغيرة بحجم حبة البازلاء تقع في فراغ عظمي داخل القحف خلف منطقة الأنف، وتتصل بقاعدة الدماغ عبر سويقة صغيرة، ويطلق عليها الغدة الأم لكونها تتحكم بمعظم الغدد الأخرى في الجسم، بما فيها الدرقية، الكظرية، المبيضان، والخصيتان، وهي تقوم بإفراز الهرمونات التي تؤثر بدورها على وظائف ونمو الغدد الأخرى، بالإضافة إلى تنظيم كميات السوائل الموجودة بالجسم والتي يحتفظ بها، وهناك عدة أمراض ربما تصيب الغدة النخامية منها: –
– ارتفاع إنتاج هرمون الحليب ما ينتج عنه اضطراب الدورة الشهرية عند النساء، وعدم القدرة على الحمل وهبوط هرمون الذكورة عند الرجال.
– ارتفاع إفراز هرمون النمو الذي يؤدي عند البالغين إلى زيادة في حجم الأنف والشفة والقدم، وأيضاً ضخامة في عضلة القلب، ما يشكل خطراً شديداً على حياة المريض.
– انخفاض إفراز هرمون النمو عند الأطفال يؤدي إلى قصر القامة.
– حدوث بعض الاضطرابات، بسبب وجود الأورام النخامية أو إصابتها بالتضخم، ما يؤدي إلى تواجد الهرمون بنسب أكبر أو أقل من اللازم، ينتج عنه اضطرابات متعددة، ويتم اكتشافه بالصدفة أثناء فحص الرأس بواسطة الرنين المغناطيسي.

فرط وقصور النخامية

يوضح د. جلال أن فرط الغدة النخامية، هو زيادة نسبة إفراز الهرمونات، ما يؤدي إلى الزيادة في النمو، العملقة لدى الأطفال، أو بضخامة النهايات عند الأشخاص البالغين، حيث تتسبب هذه الزيادة في أحجام أنسجة الجسم مع الزمن، ومن أهم العلامات التي تظهر عند الإصابة بفرط النخامية هي: نمو الشعر لدى النساء، ضخامة في القدمين، اليدين، الوجه، الجبهة، التبدل في لون الجلد، زيادة التعرق وانقطاع النفس خلال النوم، ضعف العضلات وآلام المفاصل، الشعور بالصداع، وبحة في الصوت، مشاكل الإبصار، خدران الجلد وانقطاع الطمث أو اختلاله.
يكمل قائلا: أما قصور الغدة النخامية، فهو يحدث بسبب عدم قيام الغدة بإفراز الكمية الكافية من هرمون معين، ففي حالة النخامية الأمامية ينتج عنه البطء في النمو خلال مرحلة الطفولة، أما في حال الخلفيّة فينتج عنه إنتاج البول بنسبة زائدة ما يؤدي إلى الجفاف وتسمى (البوالّة التفهة)، وتعتمد ظهور العلامات والأعراض وشدتها على الهرمون الناقص في: العقم، الشعور بالوهن، البرودة والحساسية، وصعوبة الشعور بالدفئ الدائم، نقص الوزن، عدم تناول الطعام بالشكل الكافي واللازم، مع فقدان الشهية، فقر الدم، انتفاخ في الوجه، قصر في القامة لدى الأطفال، نقص في شعر الوجه والجسم لدى الرجال، وغياب الطمث وعدم انتظامه لدى النساء.

أمراض الغدة الكظرية

يشير د. جلال أن الغدة الكظرية مكانها في الجزء العلوي من الكلية، واحدة في كل جانب، وتتعرض لعدة أمراض أهمها:
– قصور الغدة الكظرية الذي يؤدي إلى توقفها عن إفراز هرمونات الكورتيزول والألدوسترون، ما ينجم عنه الشعور بالتعب الشديد، الاكتئاب، فقدان الوزن، وانخفاض ضغط الدم خاصة عند الوقوف بسرعة.
– الإصابة بمرض يدعى متلازمة (Cushing) بسبب فرط نشاط الكورتيزول، ما ينتج عنه زيادة الوزن ارتفاع نسبة السكر بالدم، ارتفاع ضغط الدم، كما يشكو المريض من فقدان بكتلة العضلات، الضعف العام، الاكتئاب، بالإضافة إلى تشققات أرجوانية بجلد البطن.
– فرط إفراز الأدرينالين والذي يؤدي إلى هجمات ارتفاع ضغط الدم، تسرع دقات القلب والتعرق والصداع.
– فرط إفراز الألدسترون، يؤدي إلى تراكم الملح والماء في الجسم، وارتفاع ضغط الدم وهبوط البوتاسيوم.
– تشكل أورام تؤدي إلى ضخامة، ويتم عادة ما اكتشافها صدفة عن طريق الفحص الشعاعي، التصوير الطبقي المحوري أو الرنين المغناطيسي، كما أن هناك عدة أمراض أخرى أقل حدوثاً.

سرطان الدرقية

يذكر الدكتور شريف حسن، مختص الأمراض الباطنية والغدد الصماء، أن سرطان الغدة الدرقية، ربما يكون ورما حميدا أو خبيثا، ومن أهم الفئات التي من الممكن أن تكون معرضة أكثر للإصابة هي الفئات التي تتعرض للإشعاع سواء كان في مجال عملها أو في مجال ميلادها، كما يمكن أن يكون السبب وراثيا بين أفراد العائلة، وفي الماضي كان نقص اليود من أهم العوامل التي تسبب كسل الغدة الدرقية، وتكوين النتوءات، التي من الممكن أن تتحول إلى سرطانات، ولكن هذا السبب تلاشى لأن اليود يوجد بوفرة في ملح الطعام، ويعتمد تشخيص الأورام التي تصيب الغدة الدرقية بشكل أساسي على فحوص الدم والأشعة التلفزيونية، فعندما يشك الطبيب المعالج بوجود أي أورام فإنه يلجأ إلى أخذ خزعة للتأكد.

علامات سرطان الدرقية

يشير د.شريف إلى أن أعراض الأورام السرطانية للغدة الدرقية، تختلف باختلاف السبب الأساسي في مشكلات الدرقية، فإذا كان هناك نشاط أو كسل بالدرقية فإن العرض يكون وظيفيا، ويؤدي نشاطها إلى الإجهاد، سرعة ضربات القلب، زيادة في التعرق، الشعور برعشة ونفضة في الجسم، العصبية، اضطرابات النوم، وعندما تكون المريضة أنثى فإنه يؤثر على الصحة العامة لها وضعف في الدورة الشهرية، وفي المقابل تختلف الأعراض عندما تكون الإصابة كسل الغدة الدرقية، حيث تحدث زيادة الوزن، كسل في كل الوظائف الطبيعية والحيوية من إمساك، خمول، وضربات قلب بطيئة، أما إن لم يكن الورم وظيفيا، فإنه يؤدي فقط إلى أعراض تضخم الغدة الدرقية بشكل منتظم أو غير منتظم، وربما يضغط على القصبة الهوائية أو البلعوم، ويسبب ضيقاً في التنفس وصعوبة في بلع الطعام.

مضاعفات وعلاجات

يفيد د.شريف بأن المضاعفات الناتجة عن الأورام السرطانية للغدة الدرقية، تزداد خطورتها إن يتم التشخيص المبكر، حيث تنتشر هذه الأورام الخبيثة بالأماكن المجاورة، وأشهرها الغدد اللمفاوية المجاورة، كما أن الغدة الدرقية قد يلحق بها الثنائيات من أورام أصلية، أهمها سرطانات الجلد، الثدي، القولون، الكبد، ولذلك يكون الحل النهائي هو الجراحة، حيث تتم إزالة الورم تماماً، وتصل نسبة نجاحها 90 و95 %، ويتم استخدام اليود المشع بعد الجراحة، لإتمام الشفاء بعد العلاج الجراحي، وتتوقف الجرعة بحسب نوع الورم الذي تم استئصاله من الغدة.

الغدد الدهنية

تلعب الهرمونات التناسلية أو زيادة إفراز هرمون التيستيرون، دوراً في وجود الغدد الشحمية التي تظهر على الجلد الخارجي في صورة حبوب مزعجة بأحجام مختلفة ممتلئة بمواد دهنية تنمو بشكل سريع، وخاصة في مسامات الوجه أو الرقبة، وتستهدف الغدد الدهنية الجنسين، أكثر شيوعاً عند المراهقين، ما يؤدي إلى حدوث مشكلات جلدية، كما يرافقها وجود هالة حمراء حولها أو تورم في بعض الأحيان، وتتعدد طرق علاجها بحسب تطور الحالة فربما تزول من تلقاء نفسها، أو يصعب السيطرة عليها وتحتاج للتدخل الطبي في الحالات الشديدة، كما ينصح المصاب بتناول كميات كبيرة من الماء، والخضروات والفواكه التي تحتوي على فيتامين (أ).