«رهاب المدرسة» يسبب الخوف ورفض التعليم

مقالات

يشعر الأطفال حديثو الذهاب إلى المدرسة بالقلق من هذا العالم الجديد عليهم، وهذا الإحساس من الأمور الطبيعية، لكن إذا زاد هذا القلق عن حده وأصبح الطفل رافضا للمدرسة ولديه خوف شديد منها، فإن هذه حالة تستدعي الاهتمام، ومن الممكن أن تحتاج لاستشارة الطبيب النفسي للتعامل معها.
ويحتاج الطفل إلى وقت للتأقلم مع الأماكن الجديدة التي يذهب إليها، إذ تتأثر ردود أفعاله حال تواجده في بيئة جديدة عليه، ومن المحتمل أن يتعرض لضغوط نفسية وقلق وخوف، لذلك فإنه يمكن أن يتعرض إلى مشكلة رهاب المدرسة، وهو خوف مرضي من الذهاب إليها.
يبتعد الطفل عن والديه وإخوته ومنزله الذي اعتاد العيش فيه بسبب الذهاب إلى المدرسة، وهو ما يشعره بالقلق والخوف نتيجة هذا الانفصال لعدة ساعات، وربما تتأثر سعادته سلبيا.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة رهاب المدرسة بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوث هذه المشكلة، بالإضافة إلى كشف الأعراض التي تظهر، وتقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

رفض العودة للدراسة

يختلف رهاب المدرسة ورفضها عن التهرب منها، حيث تكون دوافع الرهاب عاطفية ونفسية، في حين يكون التهرب من المدرسة ناتجا عن الملل والسأم أو الغضب من المدرسة، ولا يمتزج بأي نوع من القلق أو الخوف.
ولا يقتصر رهاب المدرسة على الأطفال الجدد على الدراسة، فربما يتعرض الطفل لمشكلة نفسية تجعله يرفض المدرسة رفضا تاما، بعد أن اعتاد عليها بل وقضى عدة سنوات دراسية بها.
ويرفض الطفل الذهاب إلى المدرسة بعد فترات الانقطاع الطويلة كالإجازة الصيفية، ولا يقتصر هذا الاضطراب على تلاميذ الابتدائي، بل يتعداه للطلاب الأكبر سنا والمراهقين كذلك، وإن كانت هذه الحالة غالبا ما تكون رهابا اجتماعيا مع المراهقين.

ادعاء المرض

يظهر رفض الطفل الذهاب للمدرسة في ادعائه المرض والآلام والأوجاع، ويزداد الأمر ليصبح رعبا من الذهاب للمدرسة، ومن الممكن أن يبدأ من الليلة السابقة عليه، وربما يؤدي به الخوف إلى مشاكل جسدية.
ويؤدي رهاب المدرسة في أحيان كثيرة إلى تأثيرات نفسية سيئة وشديدة، وإلى أوجاع ومشاكل جسدية حقيقية تتمثل في الدوار وآلام البطن والتقيؤ، وكذلك الصداع والقلق.
ويعرف فوبيا المدرسة من علامات الخوف والذعر التي تظهر على الطفل حال ذكر المدرسة وذهابه إليها، وتختفي مع التحدث في أمور أخرى، ويكون خوف الطفل غالبا من خروجه من المنزل وتوجهه للمدرسة، وليس خوفا من المكوث بها.

الأهل سبب المشكلة

تكثر أسباب رفض الأطفال للمدرسة وخوفهم من الذهاب إليها، حتى أن حصرها جميعها ربما يكون أمرا صعبا، لكن الأهل من الممكن أن يكونوا سببا في المشكلة، كما أنهم المسؤولون عن حلها.
ويرهب الآباء أطفالهم من المدرسة حين يكثرون من النصائح والتحضيرات والتجهيزات للذهاب إليها، فهم من شدة حرصهم يثيرون القلق والخوف في نفوس أطفالهم.
ويخاف الأطفال طبيعيا من فراق أهلهم لعدة ساعات، بعد اعتيادهم العيش معهم والالتصاق بهم سنوات عمرهم الأولى، فيصبح من الصعب على بعضهم تقبل التواجد وسط بيئة مختلفة، ممتلئة بمن لم يعتد التواجد وسطهم، خاصة أنها ربما تكون المرة الأولى التي يتواجد فيها وسط عدد كبير من الوجوه الجديدة عليه. ويقلق الطفل من المدرسة إذا بقي وحيدا، ولم يتمكن من تكوين صداقات جديدة مع الأطفال، أو إذا استشعر عدم قدرته على فهم مدرسيه والتحصيل الدراسي، أو إذا فقد أدوات وأغراضا خاصة به.
وتختلف ردود أفعال الأطفال عن بعضهم تجاه مضايقات ومعاكسات زملائهم، فمنهم من يجابه ويرد على زميله، ومنهم من يخاف أو يتضايق فيكره الذهاب للمدرسة.

جماليات المدرسة

يؤثر مبنى المدرسة بشكله وزخارفه وإضافة الرسومات المحببة لنفوس الأطفال على حبهم للمدرسة، فإذا كان المبنى قبيحا كئيبا ساهم في رفض الطفل الذهاب للمدرسة، وبالعكس جمال المكان وتناسق ألوانه ورسوماته وصوره من الممكن أن يحبب الطفل في المدرسة أكثر من بيته.
وتؤثر قسوة بعض المعلمين على الأطفال، خاصة إذا اقترن خوفه من المعلم بصعوبات في التركيز والتحصيل الدراسي، مما يجعله يكره المدرسة ويرفضها.
ويكون تأثر الأطفال شديداً في حال انتقالهم من بلدة إلى أخرى، وبالتالي من مدرسة إلى أخرى، وحتى لمجرد تغير الفصل الدراسي، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان الأصدقاء القدامى، والحاجة إلى تكوين صداقات جديدة، وتكرار تجربة الخوض في حياة جديدة عليه.

حادث بشع

يمكن أن يتسبب موت أحد أفراد الأسرة أو انفصال الزوجين، أو أي مشكلة كبيرة داخل المنزل، أو تعرض الطفل للإيذاء، أو رؤيته لحادث بشع في رفضه للمدرسة.
ويشعر الأطفال بالغيرة من إخوتهم الأصغر منهم، خاصة المولودين حديثا وربما يربط بين اهتمامهم بالمولود الجديد، وما يتبعه من تناقص الاهتمام به وبين ذهابه للمدرسة، وابتعاده عن البيت فيرفضها.
ويؤدي عدم قدرة الطفل على تكوين صداقات إلى شعوره بالوحدة، أو إحساسه بأن الأطفال الآخرين لا يتقبلونه، وكذلك في بعض حالات الإصابة بأمراض أخرى، كفرط الحركة ونقص الانتباه ما يصيبه برهاب المدرسة.

التخيل والحقيقة

تظهر على الطفل المصاب برهاب المدرسة عدة أعراض، من الممكن أن تكون نفسية وتخيلية، ليتذرع بها للهروب من المدرسة، ويمكن أن تكون حقيقية كآلام بالبطن أو التهاب الحلق، وتزول هذه الأعراض حتى لو كانت حقيقية بمجرد بقائه في البيت.
ويحزن الطفل الرافض للمدرسة ولا يركز في دراسته، ولا يرغب في اللعب وربما لا يشعر بالأمان، ويشعر بالصداع وبالآلام الحقيقية في بعض أجزاء من الجسم، وهي ناتجة عن الاضطرابات النفسية لديه خاصة في المعدة، وربما يتقيأ أو يصاب بالإسهال أو يتبرز أو يتبول بملابسه.
ويختلق الطفل الخائف أي أعذار لعدم الذهاب للمدرسة، ويزداد الهلع حال إجبار والديه على ذهابه للمدرسة، ويصاب الطفل بالكوابيس وبعدم النوم المريح أثناء الليل، ويخاف من التواجد وحده في أي مكان مظلم، ويبكي الطفل أو ينتابه الغضب مع رفضه للمدرسة.
ويحاول الأطفال الأكبر سنا الهرب من المدرسة، أو الاتصال بأولياء أمورهم مطالبين بالعودة إلى منازلهم، ويتكرر تأخرهم عن المدرسة وغيابهم، حتى في أيام الاختبارات، أو يطالبون بالذهاب إلى العيادة الطبية المدرسية، أو ما شابه للتهرب من البقاء في الفصل.

لا للبقاء بالمنزل

لا يكون سبب رفض المدرسة واحدا لدى جميع الأطفال، فمن المهم معرفة السبب الحقيقي الكامن وراء رهاب المدرسة، ولا توجد أدوية لعلاج هذه الحالة النفسية، وتختلف الأسباب باختلاف الفئات العمرية، ولكنها لن تكون خارج دائرة المنزل والمدرسة والمعلم وزملاء المدرسة.
ولا يمكن أن يكون العلاج بالبقاء في المنزل ولو لعدة أيام، ويحذر الخبراء من حل المشكلة بتغيير المدرسة، ويشددون على إعطاء فرصة كافية ليعتاد الطفل على المدرسة ويألفها.
ويجب على الأم أو الأب التحاور بهدوء، وفي غير وقت المدرسة مع صغيرهم، لمعرفة أسباب رفضه، وكذلك التحاور مع مدرسيه لمعرفة المشكلات التي يتعرض لها وكيفية علاجها، على ألا يعرف الطفل أنه محل نقاش، حتى لا يسبب له ذلك الحرج أو الضيق.

فرصة للتأقلم

يجب على الأهل الصبر وإعطاء الفرصة للطفل للتأقلم وعدم القلق، مع أول يوم خوف من المدرسة، وبعد عدة أيام من استمرار المشكلة يبدأ الاهتمام بحلها، واستشارة الخبراء بالمدرسة أو الطبيب النفسي، وعدم ترك المشكلة لتكبر ويصعب علاجها.
ويجوز علاج رهاب المدرسة عند الطفل تدريجيا، عن طريق ذهاب أحد الوالدين معه إلى المدرسة والانتظار خارج الفصل، مما يعطي دعما للطفل ويشعره بالأمان، ويتم تقليل وقت مكوث الوالدين تدريجيا حتى يتأقلم الطفل مع عالم المدرسة.
ويجب أن يكون التمهيد للأطفال الصغار الجدد على الدراسة والمدرسة بطريقة لطيفة، ممزوجة بالمرح لتحببهم في الذهاب إلــيها، دون الإكثار من النصائح، التي من الممكن أن تخلق انطباعا عكسيا وخوفا مما هم مقبلون عليه.
ويجب على الأسرة تشجيع الطفل على إنجاز فروضه المدرسية، بالطرق التربوية الصحيحة والابتعاد عن التهديد، كما يجب الاهتمام بقضاء أوقات راحة واستجمام بعيدا عن جو الدراسة.

إصابة متكررة

تشير دراسة حديثة إلى أن رهاب المدرسة ينتشر عند الأطفال في عمر 5 و6 سنوات، وكذلك في عمر 10 و11 عاماً على التوالي، وتتكرر الإصابة به حال انتقال الطفل إلى بيئة مختلفة ومدرسة جديدة، أو حدوث أي تغيرات كبيرة على حياته، ويصاب برهاب المدرسة والذي يسمى كذلك برفض المدرسة نحو 2.5% من مجموع الأطفال بسن المدرسة عالمياً.
وتقع مهمة علاج رهاب المدرسة على عاتق الوالدين، ويمكنهما استخدام طريقة نفسية على مدار الأسبوع الأول من الدراسة، تعتمد على إخبار الطفل كأمر واقع أنه ذاهب للمدرسة غداً، دون الخوض في التفاصيل، وفي الصباح يتم مساعدته وإعطاؤه وجبة مدرسية جذابة وغير دسمة، مع تشجيعه وتحفيزه ومرافقته.
ويعود الطفل في المساء ليجد تشجيعاً من والديه وإطراء على ذهابه إلى المدرسة، ويخبراه أن غداً سيكون يوماً دراسياً أسهل، حتى لو امتعض الطفل ولم يقبل القول، وفي الصباح التالي يتم تكرار القول والأفعال السابقة، ومع نهاية الأسبوع تكون هناك مكافأة، أو هدية بسيطة أو حفلة صغيرة لإكماله أسبوعاً دراسياً بنجاح.