«عسر المزاج».. العلاج النفسي قبل الأدوية

مقالات

ينظر إليه المحيطون على أنه شخص يميل إلى الحزن والنكد، ويصفه أصدقاء وزملاء العمل بأنه شخصية كئيبة، أما أطباء علم النفس، فيرون أن هذا الشخص مصاب بأحد درجات أو أنواع الاكتئاب والتي يطلقون عليها «عسر المزاج».
يعتبر «عسر المزاج»، أحد أشكال الاكتئاب الخفيفة، غير أنه طويل المدى، وبتعبير آخر مزمن، حيث يعاني المصاب من الأعراض لمدة تستمر إلى حوالي عامين على الأقل، وفي الغالب تمتد فترة أطول.
ويصاحب هذه الحالة تدهور في الوظائف المهنية والاجتماعية والأسرية والشخصية، حيث يفقد المصاب بعسر المزاج الاهتمام بالأنشطة اليومية العادية.
يمكن أن يشعر المصاب باليأس، وبالتالي يقل أداؤه في العمل وإنتاجه، وينكمش تقديره لذاته ويتملكه شعور بالعجز، وكثيراً ما يعتقد أنه معرض للنقد الدائم والشكوى منه باستمرار، وعدم القدرة على المرح.

مبكر ومتأخر

يتعرض للإصابة بهذا المرض ما يقرب من 10% من العالم، وتعتبر أكثر الفئات تعرضاً للإصابة بهذه الحالة المرضية الشباب وغير المتزوجين، وذوي الدخول المنخفضة.
ويشير الباحثون إلى أن عسر المزاج ينقسم إلى نوعين: الأول وهو عسر المزاج المبكر، حيث يتعرض الشخص للإصابة به قبل سن 21 عاماً، ويطلق على المرض «عسر المزاج» المتأخر إذا أصيب الشخص به بعد هذه السن.
ويمكن علاج «عسر المزاج» من خلال الأدوية والعلاج النفسي، وعلى المصاب بهذا المرض، ألا يتردد في الذهاب للطبيب.

خمسة أنواع

قسم الباحثون والعلماء الاكتئاب إلى 5 أنواع، تبدأ بالاكتئاب الارتكاسي التفاعلي، وهو رد فعل بعد خسارة وقع فيها الشخص، مثل فشل علاقة عاطفية، أو زواج أو عمل.
ويلي هذا النوع، الاكتئاب الجسيم أو الرئيسي، وهو مرحلة من اليأس الشديد، تكون مصحوبة بعدد من الأعراض البدنية، مثل التعب الشديد واضطرابات النوم وفقدان الشهية، والمساعدة الطبية ضرورية في علاج هذا النوع من الاكتئاب.
ويحتاج النوع الثالث من الاكتئاب وهو الانبساطي الدوري إلى معالجة طبية اختصاصية، حيث يتعرض المصاب به لفترات من الاكتئاب، تفصل بينها انفجارات زائدة في الطاقة والنشاط والخفة. ويكون المصابون في هذه الفترات الانبساطية في ذروة الحيوية، إلا أنهم يصدرون أحكاماً غير دقيقة، ويعبرون عن أفكار رائعة.
ويظهر النوع الرابع وهو الاكتئاب الفصلي، في نهاية فصل الخريف وينتهي بنهاية الربيع، ويصاحب هذا الاكتئاب في العادة زيادة في الوزن والنعاس بخلاف الاضطرابات الأخرى، ويبدو أن حساسية غير عادية بسبب نقص الإضاءة النهارية وراء الإصابة به.
ويأتي النوع الخامس وهو «عسر المزاج»، والذي يمتاز بالتشاؤم وبأنه مشكلة مرضية مزمنة.

السبب مجهول

تتشابه أسباب الإصابة بعسر المزاج مع أسباب الاكتئاب الرئيسي، ولا يزال السبب المحدد وراء الإصابة بهذه الحالة مجهولاً.
وتشمل هذه الأسباب، العوامل الكيميائية الحيوية، فربما عانى مريض عسر المزاج من تغيرات فيزيائية في الدماغ، وإن كان هذا الأمر ليس مؤكداً حتى الآن، إلا أنه يمكن أن يساعد في تحديد أسباب هذه الحالة.
وتنتشر الإصابة بعسر المزاج في الأشخاص الذين لديهم أقارب من الدرجة الأولى مصابون بهذه المشكلة، ويمكن أن يكون للبيئة دور في الإصابة أيضاً، حيث يصعب في بعض الأحيان التكيف مع مواقف في الحياة، وعلى سبيل المثال مشكلات مالية أو ضغوط نفسية، أو فقدان شخص عزيز أو حبيب.
ويمكن أن يكون وراء الإصابة أسباب بيولوجية مثل إصابة في الرأس أو أمراض الهرمونات.

البداية مع البلوغ

تبدأ أعراض «عسر المزاج» في الظهور على المصاب مع بداية سن البلوغ، ويمكن أن تتأخر في بعض الحالات إلى سن متأخرة، حيث تظهر الأعراض وتختفي على مدار سنوات عدة، وربما تتغير حدة الأعراض بمرور الوقت، ولا تستمر أكثر من شهرين في المرة الواحدة.
وتمر على المصاب فترات زمنية، يشعر فيها أنه في أفضل حال، إلاّ أنه يعاني في أغلب الوقت من الشعور بالتعب والاكتئاب والإجهاد، ويفقد المصاب المتعة، للدرجة التي تجعله لا يشعر بالتفاؤل حتى في المناسبات السعيدة، ولذلك، فإن الوصف الدائم للمصاب بهذه الحالة أنه شخص كئيب.
ويصاب المريض بمشكلة اضطراب في النوم، غير أنه يكون قادراً على التعامل مع احتياجاته اليومية.

الأنشطة اليومية

تعتبر أبرز الأعراض لمرض «عسر المزاج»، هو فقدان المصاب الاهتمام بالأنشطة اليومية، ويشعر بالحزن والإحباط واليأس، كما يشعر بالتعب وضعف لياقته البدنية، ويقل تقديره لذاته ويمكن أن ينتقدها، ويشعر بأنه عاجز.
يصاب في بعض الحالات بالهياج أو الغضب الزائد، ويقل نشاطه وإنتاجيته وفاعليته، ويتجنب الأنشطة الاجتماعية، ويشعر بالذنب والقلق من أفعاله في الماضي.
ويعاني في بعض الأحيان من اضطرابات في الأكل؛ حيث يمكن أن يفقد شهيته، أو يتناول كميات كبيرة من الطعام، ويمكن أن يفقد القدرة على التركيز أو اتخاذ القرار.
ويمكن أن يصاب الأطفال بعسر المزاج، حيث يكون مصحوباً باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، أو اضطرابات سلوكية أو تعليمية، أو إعاقات في النمو.
وتشمل أعراض عسر المزاج الهياج ومشاكل سلوكية، وضعف الأداء المدرسي، والاتجاه التشاؤمي، وتكون مهارات الطفل المصاب الاجتماعية ضعيفة، مع انخفاض تقدير الذات.

احذر المضاعفات

يحذر الأخصائيون والباحثون من المضاعفات التي يمكن أن يتسبب فيها عسر المزاج أو التي ترتبط به، ومن هذه المضاعفات تردي نوعية الحياة، والإصابة بالاكتئاب الرئيسي.
ويمكن أن يصاب المريض بنوبات من الاكتئاب الرئيسي بالإضافة إلى عسر المزاج، وهو ما يسمى بالاكتئاب المزدوج، ويصاب أيضاً بسوء استعمال الأدوية.
ويجد المصاب بهذه الحالة صعوبة في تكوين علاقات اجتماعية، كما أنه يعاني من مشكلات عائلية، وهو ما يؤدي به أن يكون معزولاً اجتماعياً.
كما يتعرض لمشكلات في الدراسة والعمل، وينخفض معدل إنتاجه، وربما وصل في بعض الحالات إلى التفكير في الانتحار.
وينبغي على المصاب في هذه الحالة طلب المساعدة الطبية، وكذلك عند عدم القدرة على التغلب على الأعراض، ويلاحظ أن «عسر المزاج» إذا لم يتم علاجه بفاعلية يتطور في الغالب إلى اكتئاب رئيسي. ويمكن الاستعاضة عن زيارة الطبيب النفسي بالتواصل مع أحد الأشخاص الذي يمكنه المساعدة مثل معلم أوعالم دين أو صديق موثوق به.

إجراءات تشخيصية

يشمل تشخيص المصاب بعسر المزاج عدداً من الإجراءات، حيث يقوم الطبيب المعالج بإجراء فحص جسدي، مع طرح أسئلة بشكل مفصل حول صحة المريض، وذلك حتى يحدد السبب وراء عسر المزاج، لأن بعض الحالات يكون المرض مرتبطاً بمشكلة صحية بدنية.
ويمكن أن يطلب الطبيب عدداً من الاختبارات المعملية، وعلى سبيل المثال اختبار للدم أو فحص الغدة الدرقية، ويقوم بإجراء تقييم نفسي من خلال مناقشة أفكار المصاب بعسر المزاج، وكذلك مشاعره وسلوكياته، ربما تضمن استبانة للمساعدة في تحقيق التشخيص.
وتتشابه أعراض «عسر المزاج» مع أعراض بعض الاضطرابات الأخرى، ولذلك يجب استبعاد هذه الاضطرابات من خلال الطبيب أو مقدمة الخدمة الطبية.
ويختلف المؤشر الأساسي لدى البالغين عن الأطفال، فيجب أن يستمر الاكتئاب لدى البالغين معظم اليوم لمدة سنتين وأكثر، ويستمر الاكتئاب أو الهياج في الأطفال معظم اليوم مدة عام على الأقل.
ويجب أن يعاني المصاب من عرضين على الأقل، وتتعارض الأعراض مع قدرة المصاب على أداء واجباته اليومية، وتشمل هذه الأعراض فقدان الشهية أو الإفراط في الأكل، ومشكلات في النوم، وانخفاض تقدير الذات، واليأس، وقلة التركيز، وعدم القدرة على اتخاذ القرار.

نفسي ودوائي

يشمل علاج «عسر المزاج» طريقتين أساسيتين، الأولى: العلاج النفسي، والثانية: الأدوية، ويعتمد تحديد أسلوب العلاج على عدد من العوامل، منها شدة الأعراض، ومدى الرغبة في مناقشة المصاب للمسائل العاطفية أو المواقف التي تؤثر في حياته، كذلك قدرته على تحمل الأدوية، والتفضيلات الشخصية، وطرق العلاج السابقة.
ويعتبر العلاج السلوكي المعرفي، من أبرز أنواع العلاج النفسي، ويتم فيه تعديل سلوك المريض وطريقة تفكيره، حيث يمكن أن تكون لها دور في الإصابة بعسر المزاج، ويتم كذلك تعزيز السلوك الإيجابي وتحفيز المريض على أن يغير نمط الحياة التي يحياها، وكذلك السلوكيات السابقة.
ويتم في العلاج الأسري تشجيع المريض على العلاج حتى تختفي الأعراض أو تتحسن الحالة، ويتم توفير المساندة العاطفية من خلال الصبر والتشجيع، واختيار أنشطة يكون المريض معتاداً عليها، وهو يسعد بالقيام بها، ويُراعى ألاّ يهتم المريض بالانتقاد الزائد له.
وتتضمن الأدوية التي تعالج «عسر المزاج» أنواعاً من مضادات الاكتئاب، مثل مثبطات إعادة امتصاص السيروتونين، ومضادات الاكتئاب الثلاثية الحلقات، وتعتبر الأدوية أكثر فعالية من العلاج النفسي، وربما كان الجمع بينهما مفيداً أكثر.

أساليب للحماية

تشير دراسة حديثة إلى وجود عدد من الإجراءات التي تقي من الإصابة بعسر المزاج، ومنها عدم وضع الشخص أهدافاً عالية تتطلب قدراً ضخماً من المسؤولية.
ويجب أن يقسم المهام الكبيرة إلى أجزاء صغيرة، مع إنجاز ما يستطيع تحقيقه منها، ويجب كذلك تجنب الوحدة قدر المستطاع.
وتنصح الرسالة بعدم اتخاذ قرارات مهمة حول المستقبل دون استشارة المحيطين بالشخص، حيث إن من شأنهم المساعدة.
ويقدم الخبراء عدداً من الإرشادات إلى مريض عسر المزاج حتى يستطيع التعايش مع مرضه، ومنها تقليل الالتزامات متى أمكن ذلك، مع تحديد جداول معقولة للأهداف.
وتفيد طرق الاسترخاء والتعامل مع الضغوط في التغلب على الأعراض، ويمكن تجربة أساليب تخفيف الضغوط بالتأمل أو الاسترخاء العضلي.
ويجب على المريض تجنب اتخاذ القرارات المهمة وهو محبط أو يعاني صعوبة في التركيز أو التفكير بوضوح.