الصمت الاختياري خلل نفسي يعوق الطفل عن الكلام

مقالات

يعد الصمت الاختياري أحد الاضطرابات النفسية التي تمنع الطفل من الكلام في أوضاع اجتماعية معينة، وفي هذه الحالة فإن الصغير يكون لديه القدرة على الكلام، وهو ما يعني أنه يفهم ويتكلم بصورة طبيعية مع الأشخاص المألوفين لديه، ويفقد القدرة على التحدث وتنتابه حالة صمت تام في مواقف معينة مثل الفصول الدراسية، أو في حالة مواجهة ضغوط نفسية معينة.
ويمكن أن يستخدم الطفل في بعض الحالات الإشارة أو الإيماءة للتعبير عما يريد، وربما همس ببعض الكلمات البسيطة أو المحدودة، ويعد هذا الاضطراب قليل الحدوث بصورة نسبية.
ينبه الأخصائيون إلى أنه عند إصابة الطفل بهذه الحالة؛ فإنه لا يكون صامتاً بإرادته، وإنما يكون غير قادر على التحدث، ويتوقع بعض الأطفال المصابين بهذه الحالة الأوقات التي يفقدون فيها القدرة على الكلام، وبالتالي يحاولون تفاديها.
وينتشر هذا الاضطراب بين الفتيات أكثر من الذكور، كما أن الأطفال المهاجرين إلى بلاد أخرى أكثر عرضة للإصابة به.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة الصمت الاختياري لدى الأطفال بالتفاصيل، مع كشف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، ونقدم الأعراض الناجمة عنها، بالإضافة إلى عرض طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.
اضطراب القلق يطلق على الصمت الاختياري عدة مسميات منها التباكم أو الخرس الاختياري أو الصمت الانتقائي، ويصاحب هذا الاضطراب في العادة خجل أو رهاب اجتماعي، ويعاني معظم المصابين بالصمت الاختياري من اضطراب القلق الاجتماعي.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الحالة هي استراتيجية يستخدمها بعض الأطفال للهرب من مواقف اجتماعية معينة، ويظل الطفل الذي يعاني من هذا الاضطراب صامتاً في مواقف ينبغي له التحدث فيها مثل المدرسة، حتى لو ترتب على صمته توقيع عقوبة أو نبذه اجتماعياً.
ويعوق الصمت الاختياري الإنجاز التعليمي أو المهني أو التواصل الاجتماعي، ويحدث في بعض الحالات حالة من الالتباس بين اضطراب التباكم واضطراب طيف التوحد، وبالذات في حالة الأطفال الصغار.
ويتميز المصابون بالتوحد بعدد من الأعراض من بينها الصمت، غير أن هناك علامات أخرى مثل السلوكيات المتكررة والانعزال الاجتماعي، حتى بين أفراد العائلة.
ويظهر الصمت الاختياري في المرحلة العمرية التي يبدأ الطفل التفاعل مع الآخرين خارج نطاق الأسرة، وعلى سبيل المثال عند التحاقه بالحضانة، وهو بين الثالثة والرابعة، ويتجاوز معظم الأطفال المصابين هذه الحالة بمرور الوقت مع الدعم والعلاج.
أحد أشكال الخوف يعتبر الخرس الاختياري حالة من الاضطراب التي تصيب الأطفال غير مكتملي النمو، وغير القادرين على التحدث أو التواصل تحت ظروف معينة، وفي اعتقاد عدد من الخبراء أنها شكل من أشكال الخوف الاجتماعي الشديد.
ويرث الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب نزعة تتحول إلى إعاقة، كما أن بعض الأطفال لديهم موروث عائلي للصمت الاختياري مثل الخجل الشديد، وبالرغم من أن أسباب هذا الاضطراب لا تزال مجهولة، إلا أن المسببات الرئيسية وراء إصابة كل طفل بها تكون مختلفة.
وأشارت دراسات إلى أن العامل الجيني، له دور كبير في الإصابة بهذا الاضطراب، وبالذات بالنسبة للبنات، وأكدت الدراسة أن حوالي 70% من المصابين لديهم تاريخ عائلي للإصابة بالصمت الاختياري.
ويرجع الخبراء سبب ذلك إلى نوع من الفوبيا الاجتماعية التي تصيب الطفل، ويؤدي تصرف الصغير المصاب بالصمت الاختياري في البيت بشكل طبيعي، إلى عدم إدراك الآباء لحالته المرضية، ويجعل فهم هذه الحالة واختبارها أصعب.
استعداد وراثي يعاني الكثيرون من هذا الاضطراب ولكن لا يتم تشخيص إصابتهم حتى الطفولة المتأخرة، وبالتالي يفشلون في إنجاز المهمات التي يطلب منهم فيها الحديث في أماكن عامة.
ويخطئ المعلمون وأطباء الأطفال في تشخيص الحالة على أنها خجل شديد أو رهبة مسرح، ويفترض في معظم الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب أن لديهم استعداداً وراثياً للقلق، وفي الغالب فإن الطباع الموروثة تكون بسبب الإفراط في استثارة منطقة في الدماغ تعرف باللوزة.
وتستقبل هذه المنطقة السلوكيات التي ترتبط بالخوف والقلق، كما أنها تراقب أي إشارات خطر من الحواس، فهي بمثابة نظام إنذار.
ويمثل اضطراب القلق الاجتماعي، أحد أكثر أسباب الإصابة بالصمت الاختياري، حيث يعاني حوالي 25% من المصابين باضطراب القلق الاجتماعي من مشاكل في اللغة أو التحدث.
خجل وقلق يُظهر على الطفل المصاب بالخرس الاختياري، عدداً من الأعراض، والتي يجب أن تستمر مدة أطول من شهر، باستثناء أول شهر في المدرسة، لأن الطفل يستغرق فترة للتكيف مع البيئة الجديدة.
ويعاني الطفل المصاب بالخجل والقلق الاجتماعي، ويشعر بعدم الاستقرار والحرج الاجتماعي، ولذلك تجده دائم الانسحاب خوفاً من إجباره على الكلام أمام الآخرين.
ويجد صعوبة في الحفاظ على التواصل البصري، وعدم قدرة على التعبير أو الابتسام، وصعوبة في التعبير عن مشاعره حتى لأفراد الأسرة، ويكون ميالاً للقلق بشدة مقارنة بمن هم في نفس المرحلة العمرية.
ويحب الطفل المصاب بهذا الاضطراب، الروتين ويكره التغيير أو التجديد، ويصاب بالحساسية من الأماكن المزدحمة أو ذات الضوضاء، ويصاب كذلك بنوبات من الغضب والعناد والعنف عند عودته من المدرسة.
التواصل بالإيماء… يتواصل الأطفال المصابون بالصمت الاختياري مع الآخرين أثناء عدم القدرة على التحدث، بالإيماءات؛ وذلك بهدف إيصال الرسائل التي يريدونها، والبعض يمكنه نطق كلمة أو اثنتين أو الحديث همساً.
ويرفض بعض الأطفال المصابين من استخدام الحمامات العامة، خوفاً من أن يصدروا صوتاً عند قضاء الحاجة يسمعه الآخرون.
ويجب الانتباه إلى أن أعراض هذا الاضطراب لا تحتسب عند وجود اضطراب آخر، كالتوحد أو الفصام أو أي اضطراب نفسي.
ويرصد الباحثون والأخصائيون، بعض النواحي الإيجابية في الطفل المصاب بالخرس الاختياري، ومنها أن مستوى ذكائه أعلى من المتوسط، ولديه القدرة على الفهم.
ويُحب البحث والإبداع والفنون والموسيقى، ويمتاز هذا الطفل بالتعاطف والإحساس بمشاعر الآخرين، وهو ذو إحساس قوي لمعرفة الصواب من الخطأ.
نفسي ودوائي.. يشير الأخصائيون إلى أن علاج الصمت الاختياري ليس بالأمر الصعب، ولكنه ليس بسيطاً كذلك، ويختلف علاج كل حالة بحسب العمر والظروف الأسرية والاجتماعية والناحية التعليمية.
ويجب الانتباه عند التعامل مع الطفل الذي يعاني من الخرس الاختياري، بتجنب سؤاله عن سر سكوته، أو إجباره على الكلام.
ويشمل العلاج التركيز على جانبين، هما العلاج النفسي والدوائي، ويعتمد العلاج النفسي على العلاج السلوكي المعرفي، وهو يحقق نتائج طيبة للغاية، وربما يتم الاكتفاء بهذا الجانب فقط، مع تثقيف الأسرة في كيفية تعاملها مع الطفل المصاب بهذا الاضطراب ودعمه، وكذلك وسائل التشجيع على الكلام قبل اللجوء إلى العلاج الدوائي.
ويمكن للعلاج الدوائي أن يعجل من شفاء الطفل ويحسن من أدائه الاجتماعي والدراسي، وأظهرت الدراسات أن مثبطات ارتجاع السيروتونين، حققت نتائج جيدة في علاج الأطفال المصابين.
وتعتمد فعالية علاج الصمت الاختياري على الفترة التي يعاني فيها الطفل من هذا الاضطراب، وكذلك عند وجود صعوبات أخرى في التعلم أو التواصل، وكذلك إن كان مصاباً بشكل من أشكال القلق.

عدم الضغط

وينصح الخبراء الآباء بعدم استخدام أساليب الضغط، حتى يشجع الطفل المصاب بالصمت الاختياري على الكلام، وعلى الوالدين إخبار الطفل بأنهما يتفهمان حالته، وأنه يخاف من الحديث أمام الآخرين، ولديه بعض الصعوبات في أوضاع معينة.
ويجب الانتباه إلى أن الثناء على الطفل عند حديثه أمام الآخرين، يسبب له الحرج، ولذلك يحبذ أن يكون الثناء وهو وحيد مع والديه، وعلى الوالدين طمأنة الطفل لأن التواصل غير اللفظي، ومنه الإيماء والابتسام، يعتبر أمراً مقبولاً، حتى يتخلص من الصمت الاختياري، ويجب على الوالدين إعطاء الطفل الحب والدعم، بالإضافة إلى التشجيع اللفظي.
وتعد فكرة تغيير البيئة مطروحة، كتغيير المدرسة مثلاً، إلا أن الأمر يرتبط في هذه الحالة بما تقدمه البيئة الجديدة من دعم للطفل المصاب، وإلاّ شكّلت صدمة اجتماعية تحرمه من أي أصدقاء أو دعم يكون متوفراً له.

العلاج باللعب

تشير دراسة حديثة إلى أن الأطفال المصابين بالخرس الاختياري، يتغلبون على هذه الحالة من خلال التصرف والعلاج الصحيحين، إلا أن العلاج يكون أصعب في المراهقة أو سن الرشد، حيث يعتاد المصاب على الصمت.
وتهدف أول جلستين إلى بناء علاقة إيجابية مع الطفل، وهو ما يزيد إحساسه بالأمان، وتعتبر أساليب العلاج باللعب ناجحة ويكتسب من خلالها المعالج علاقة جيدة مع الطفل، وينجح في إيصال معلومة له بأنه ليس مجبراً على الكلام، ويمكنه التحدث عندما يستطيع.
ويعتبر التواصل غير المباشر أمراً مهماً، وذلك عن طريق تعابير الوجه ولغة الجسد والإيماءات، ويبدأ التواصل بشكل تدريجي بعد اكتساب ثقة الطفل.
ويستطيع المعالج اكتشاف أسباب خوف الطفل من الكلام بصورة غير مباشرة من خلال اللعب، حيث يقوم بتمثيل أدوار، مستخدماً الدمى بحسب عمر الطفل.
ويتم تشجيع الطفل وتحفيزه مع كل طريقة، وبشرط تجنب الضغط عليه بصورة مباشرة، وصولاً إلى أن يستطيع الطفل التحدث.
وتوضح الدراسة أن أساليب العلاج باللعب تعتمد على 3 عناصر عليها التعاون معاً، وهي المنزل، أو الوالدان، والمدرسة، أو معلم الفصل، وأخيراً الطفل، واختلال أي عنصر يؤثر في العلاج.