النسيان ظاهرة تجتاح العالم

مقالات

أصبحت مشكلة النسيان من الظواهر المقلقة التي اجتاحت العالم وتحتاج إلى حل عاجل لإنقاذ ذاكرة الأجيال، والتي تفشت نتيجة الضغوط المتزايدة التي يواجهها الأشخاص في الحياة المعاصرة، وبصفة عامة فإن الفرد يتمتع بذاكرة قوية يستطيع من خلالها حفظ المعلومات التي يحتاج إليها.
ويتمتع كذلك العقل بالمقدرة على حفظ المعلومات لكن بسعة محددة، حيث إنه يمحو أول معلومة والتي تليها حتى يضيف معلومات جديدة بدلا من التي محاها.
ويعتبر النسيان من النعم التي يتمتع بها الأشخاص، فهو رد فعل يهدف إلى المحافظة على سلامة النفس البشرية، فعندما يمر الإنسان بمواقف ومآس يساعده النسيان على تجاوز مثل هذه الأحداث المؤلمة.
يشير الأخصائيون إلى أن النسيان نوعان نسيان مرضي، وفيه يحتاج الإنسان للذهاب للطبيب، ونسيان طبيعي فطري، ونتناول في هذا الموضوع مشكلة النسيان، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها، مع تقديم طرق الوقاية والعلاج.

الأنواع وفترات التخزين

يمتلك الإنسان 4 أنواع من الذاكرة، الأولى وهي الذاكرة الحسية وتمثل المستوى الأول، وهي تحفظ الانطباعات عن المؤثرات الحسية التي تم تلقيها عبر الحواس الخمس، وتستمر هذه الذاكرة فترة قصيرة للغاية 3 ثوان، ومنها الذاكرة السمعية والبصرية.
ويعد النوع الثاني وهي الذاكرة قصيرة المدى، محدودا في كمية المعلومات التي تخزنها، وكذلك الفترة الزمنية، فهي تعمل ما بين 30 ثانية إلى 3 أيام.
ويتميز النوع الثالث، وهو الذاكرة العاملة بأنها المخزن المؤقت لكمية محدودة من المعلومات، والتي تستخدم في إيجاد أفكار وخطط عملية وتنفيذها، وكذلك تحويل المعلومات واستخدامها في اتخاذ القرارات أو الحسابات.
وتمتلك الذاكرة طويلة المدى، وهي النوع الرابع، قدرة تخزينية ربما امتدت إلى عقود، وحتى تثبت المعلومات يجب أن تنتقل من الذاكرة الحسية أو قصيرة المدى إلى الذاكرة طويلة المدى.

صدمة نفسية

هناك العديد من أنواع النسيان، ومنها نسيان المعلومات السابقة، ويحدث بسبب صدمة نفسية مؤثرة أو جرح في الدماغ، ويحدث نسيان الحاضر نتيجة عدم القدرة على تخزين المعلومات واستذكارها بعد حدوث صدمة.
وتؤدي إصابة الدماغ بشكل مباشر بالارتجاج أو الجروح أو الأورام إلى النسيان العابر، وربما الإصاب بالعته، ومن صور النسيان العابر الحميد النسيان لفترة قصيرة للأحداث التي وقعت بشكل متزامن في وقت واحد.
ويحدث هذا الأمر بعد تناول كميات كبيرة من الكحول أو المخدرات والمهدئات ، أو بعض الأدوية، ويختلف هذا النوع في أنه انتقائي من أحداث الماضي.

اعتلال ورنك

يظهر النسيان الشامل العابر بشكل مفاجئ، ويستمر 12 ساعة فأكثر، وفيه يفقد المصاب كل أحداث الماضي، ثم يستذكرها بصورة تدريجية، ويعود السبب إلى احتباس الدم بشكل مؤقت عن منطقة منتصف المهاد الخلفي أو الجانبي قرن آمون، وربما ترتبط هذه الحالة عند الشباب بمرض الشقيقة.
ويمكن أن يتسبب الامتصاص غير المناسب لفيتامين «ب1» مع استمرار تناول الكربوهيدرات في النسيان، ويطلق على هذه الحالة اعتلال ورنك، ويصاب 80% من مرضى ورنك بالنسيان أيضا بسبب متلازمة كروساكوف.
وتتمثل الأعراض في فقدان للذاكرة بصورة خطيرة، وبالأخص الأحداث القريبة، في حين أن الأحداث البعيدة لا تتأثر إلا بصورة بسيطة.
وينسى المصاب بالنسيان المصطنع النفسي الأحداث القريبة، وذلك نتيجة التأثر الشديد بالأزمات الانفعالية ذات المنشأ النفساني، وهو يتظاهر بالعجز عن الأحداث القريبة.

سوء التغذية

تؤدي العديد من الأسباب إلى تعرض الشخص للنسيان، حيث يؤدي الاطلاع السريع على المعلومات دون التركيز فيها إلى عدم القدرة على ترسيخ المعلومات في الذاكرة.
ويمكن أن يكون السبب تراكم المعلومات بشكل كبير، وكذلك تشابهها، وهذا يؤدي إلى عدم استطاعة الشخص استيعابها بشكل صحيح.
ويؤدي نقص العناصر الضرورية للجسم بسبب سوء التغذية إلى زيادة احتمالية النسيان، والتي تنتج عن نقص حاد في الفيتامينات والأملاح التي تغذي الدماغ وتقوي الذاكرة، ومن أهم هذه العناصر الأوميجا3، حيث يؤدي نقصان هذا العنصر إلى ضعف الذاكرة بشكل كبير، وبالتالي يتعرض الشخص للنسيان، وعامة يعاني معظم المصابين بالنسيان من سوء تغذية.
وتؤدي كذلك السمنة وتراكم الدهون إلى ضعف الذاكرة، حيث إن السمنة تمنع وصول الدم بصورة كافية للدماغ.

الوراثة والشيخوخة

ينتقل ضعف الذاكرة عند أحد الأبوين إلى الأبناء بالوراثة، وتظهر في العادة علامات النسيان بعد العام الأول من الولادة.
وتقل قدرة الشخص على تذكر الأشياء المحيطة به كلما تقدم في العمر، حيث يحدث تصلب في الشرايين الدماغية، وضعف في الدم، ما يؤدي إلى ضعف الذاكرة والنسيان.
ويلاحظ أن المسنين يعانون صعوبات في تذكر الأسماء والأحداث والأماكن، ويطلق على هذه الحالة نسيان الشيخوخة الحميد، وليس لهذه الحالة علاقة بالعته أو الخرف.
وتؤدي الإصابة ببعض الأمراض مثل السكري والزهايمر أو حدوث ارتجاج في الدماغ إلى ضعف في الذاكرة وحدوث النسيان.
ويمكن أن يصاب الإنسان بالنسيان بعد التعرض لحالة من الاكتئاب والصدمات النفسية، والتعرض للصعوبات والضغوط والأحداث اليومية المتراكمة والمتتالية وغيرها من الضغوط والتوتر والقلق.
ويؤدي كل هذا إلى عدم القدرة على تجميع المعلومات داخل الذاكرة بصورة صحيحة، وبالتالي التعرض للنسيان.
كما أن الإفراط في تناول الأدوية والمنبهات والمنومات بشكل كبير، وذلك مع مرور الوقت.

ثلاث نظريات

يرجع الباحثون النسيان إلى 3 نظريات تفسره من الناحية النفسية، الأولى نظرية التضاؤل، والتي تفسر سبب النسيان بأن الذكريات السابقة تضعف آثارها نتيجة عدم استعمالها، مثل الضمور الذي يصيب العضلة التي لا يستعملها الشخص، وربما تفسر هذه النظرية بعض حالات النسيان.
وتفسر النظرية الثانية، والمسماة نظرية التداخل والتعطيل، بأن صور النشاط المتعاقبة تتداخل في بعضها، وبالتالي ينسي بعضها الآخر.
ويلاحظ أن النسيان يكون أثناء النوم أبطأ منه في اليقظة، ويتذكر الأطفال لذلك ما يروى لهم من قصص قبل النوم.
وترى النظرية الثالثة، وهي نظرة الكبت، أن النسيان ينجم عن الرغبات المكبوتة عند الشخص، فالشيء المؤلم وغير السار ينسى بصورة لاشعورية.

حدد السبب

يحتاج الشخص الذي يعاني النسيان أن يحدد السبب وراء نسيانه، وتوجد العديد من الطرق الفعالة التي تحسن مستوى الذاكرة، ومنها التركيز على شيء واحد فقط، لأن الدماغ يحتاج إلى وقت كاف للتعامل مع كل معلومة، وحفظها في وقت لاحق، ونتيجة تعدد المهام والواجبات يعالج الدماغ المعلومات بشكل مختلف، وهو ما يتسبب أن تفقد الذاكرة الكثير من التفاصيل.
ويفيد استخدام الحواس الخمس في تخزين المعلومات، حيث تترسخ بشكل أقوى، ويمكن استرجاعها بشكل يسير.
ويزيد تكرار المعلومة لأكثر من مرة في زيادة قدرة الدماغ على أن تحفظها، ويمكن تقسيم المعلومات إلى وحدات، لأنه عند تجزئة المعلومات الكبيرة إلى أجزاء أصغر، فيساعد ذلك على حفظ كل جزء كوحدة منفصلة على سهولة الحفظ والتذكر.

الدماغ يحب التنظيم

يساعد تنظيم المعلومات التي يراد تذكرها بانتظام على استدعائها وتذكرها عند الحاجة إليها، وذلك لأن الدماغ يحب التنظيم.
ويعد استخدام الروابط من الطرق المفيدة لحفظ المعلومات المعقدة، حيث يتم ربطها في الذهن بصورة أو جملة، وهو ما ييسر تذكرها بصورة أفضل.
وتزيد ممارسة الرياضة من حجم الجزء المسؤول عن الذاكرة في الدماغ، وكذلك تناول الأطعمة التي تحتوي على أوميجا3، لأن مضادات الأكسدة تحمى خلايا الدماغ، وتتوافر في التوت البري والأسماك والجوز.
وتعتبر الألعاب التثقيفية مفيدة للغاية في تمرين العقل وتنشيطه، ومن أمثلتها الكلمات المتقاطعة، وذلك أن عملية حث الذات على تذكر الحقائق وحل الألغاز تساعد على تكوين وصلات عصبية جديدة في الدماغ، وبالتالي يساعد في المحافظة على الذاكرة مع تقدم العمر.
وتزيد فعالية الدماغ من خلال التعرض لأشعة الشمس، فهي مصدر للشعور بالطاقة والتركيز، كما أن قلة التعرض لضوء النهار يصيب بالاكتئاب، ويعرض الإنسان للنسيان.

التذكر يسبب النسيان

أظهرت دراسة حديثة، أن استدعاء بعض الذكريات يتسبب في نسيان وموت ذكريات أخرى، وبحسب الدراسة فإن عملية التذكر تعتبر من الأسباب الأساسية في النسيان.
وأشارت إلى أنه تم إجراء أشعة مقطعية على دماغ أشخاص طلب منهم استدعاء ذكريات فردية، وظهر أن آلية التناسي هي ذاتها التي تحدث عند تذكر أحداث وعدم تذكر أخرى.
وتعتمد عملية التذكر على تفاعلات كيميائية محددة ترتبط بالاستعداد النفسي للشخص لتذكر الحدث الذي تعرض له.
وأكدت دراسة أخرى أجريت مؤخرا أن التوتر يؤذي الذاكرة، وذلك أن هرمون الكورتيزول، وهو الهرمون المسؤول عن التوتر، يؤثر في مقدرة الإنسان على استرجاع الذكريات.
ويمكن بحسب الدراسة معالجة هذا الأمر من خلال تمارين الاسترخاء واليوجا، وأشارت إلى أن قدرة استرجاع الذكريات تتراجع سريعا بعد الدخول في الثلاثينات، كما أن ممارسة أكثر من نشاط في نفس الوقت يجعل استرجاع الذكريات صعبا للغاية.
أثبتت دراسة شملت عددا من الأشخاص تراوحت أعمارهم بين 30 و95 عاما أن ذاكرة الرجال تتراجع أكثر من النساء مع التقدم في العمر، وتتميز النساء بالقدرة على التذكر أكثر من الرجال، في أمور مثل الأسماء والتواريخ والمخططات بغض النظر عن العمر.