سرطان الثدي

مقالات

إعداد: خنساء الزبير

عُين شهر أكتوبر/تشرين الأول من كل عام شهراً للتوعية بسرطان الثدي؛ من خلال الحملات التوعوية والفحص المجاني، الذي تتبناه بعض الجهات الرسمية والخاصة بدول العالم منها الإمارات؛ وفي كل عام يُكتشف عدد كبير من الحالات عن طريق المصادفة أثناء الفحص السنوي، الذي تنظمه الجهات المختلفة بالبلاد، وهي جهود مُقدرة أصبحت عاملاً مهماً في اكتشاف الحالات في وقت مبكر، ما يزيد فرص النجاة من المرض؛ وبالرغم من عبء الكُلفة المادية لوسائل التشخيص إلا أن كثيراً من مقدمي الرعاية الصحية يتحملونها؛ من أجل الحد من ضحايا المرض عن طريق اكتشاف المرض في وقت مبكر أو حتى في مراحل متقدمة، وربما تسبب مستشفى أو مركز طبي من خلال حملاته، التي ينظمها في كل عام في اكتشاف حالة مبكرة، وأسهم في إنقاذها من براثن تطور المرض فمثل بذلك طوق نجاة للمريضة.
يعد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان شيوعاً، وسط النساء وفي حالات نادرة ينشأ لدى الرجال، وبأعراض مشابهة لتلك التي تظهر لدى النساء؛ ويختلف نوع سرطان الثدي عموماً من حيث إمكانية الانتشار إلى مناطق أخرى بالجسم؛ ولم يتوصل العلم بعد إلى أسباب بعينها ولكن هنالك عدة عوامل تم التعرف إليها بواسطة الدراسات والأبحاث، ومن الجيد أن بعضها يمكن تجنبه؛ ما يعطي الأمل في تراجع نسب الإصابات مستقبلاً؛ ولكن يبقى الاكتشاف المبكر هو اللاعب الرئيسي للسيطرة على تقدم المرض ووأد الأورام في مهدها قبل أن تنتشر فتنجو المرأة من مضاعفاته الخطرة.
ينادي المختصون بضرورة خضوع جميع النساء للفحص من باب الاحتياط، أما النساء اللاتي يمتلكن تاريخاً عائلياً للمرض أو لديهن إحدى العلامات الدالة على تغير ما بالثدي فقطعاً عليهن إجراء الفحص المناسب.

إحصاءات عالمية

ورد تقرير عن منظمة الصحة العالمية، يشير إلى حجم الوفيات الناجمة عن المرض، فعلى سبيل المثال، تقدر أعداد وفيات مريضات سرطان الثدي في عام 2011 بجميع أنحاء العالم بحوالي 508,000 امرأة، وتقدر منذ بداية العام الحالي بحوالي 627,000 امرأة على أقل تقدير أي بنسبة تمثل 15% من مجمل وفيات النساء الناجمة عن جميع الأسباب.
ترتفع معدلات الإصابة بصورة عامة بالدول المتقدمة؛ لكنها أيضاً في تزايد بجميع دول العالم بمعدلات مختلفة؛ فعند المقارنة على سبيل المثال بين غرب أوروبا وشرق إفريقيا نجد أن النسب 89.7% و19.3% على التوالي. ونجد من ناحية أخرى أن الدول الأقل نمواً تقل بها فرص النجاة، نسبة لاكتشاف المرض في مراحل متأخرة، وربما يعود ذلك إلى قلة توفر أجهزة الماموجرام، التي تكتشف المرض في مرحلة مبكرة، وفي بعض الدول الفقيرة يسهم عدم توفر الوسائل العلاجية المناسبة في زيادة أعداد الوفيات.

دلائل ووسائل

تحدث بعض التغيرات بمنطقة الثدي أو الإبط بعضها يكون مرئياً وبعضها تشعر به المرأة، وهي دلائل على حدوث تغيرات داخلية لا يمكن التأكد منها إلا عبر الفحوص المخصصة لذلك
وإن كان بعضها ربما يكون عابراً؛ نتيجة عوامل أخرى. يبدأ الكشف عن أورام الثدي بداية بواسطة المرأة نفسها؛ من خلال الفحص الذاتي ثم بالفحص البدني التقليدي بواسطة الطبيب؛ وتجدر الإشارة هنا إلى أن كثيراً من الحالات تم الكشف عنها مصادفة أثناء الفحص الدوري أو الحملات السنوية دون وجود علامات أو تغيرات بالثدي.
يطلب الطبيب أحياناً -إن شك في وجود شيء غير طبيعي – إجراء الفحوص عبر الوسائل التقنية الحديثة كالماموجرام والموجات فوق الصوتية وربما الخزعة كمرحلة أخيرة من مراحل الفحص.
يعتمد نوع العلاج على نوع المرض ذاته، وعلى المرحلة التي بلغها؛ حيث يتطور من مرحلة بداية تكون الأورام إلى المرحلة النهائية التي يصعب علاجها؛ وطرق العلاج تكون بالجراحة أو العلاج الإشعاعي أو العلاج الكيميائي، وربما تتطلب الحالة أكثر من نوع علاجي.

الحد من الخطر

يبرز الأمل دائماً وإن كان الأمر جد خطر، فبالرغم من أن المرض لا يمكن البت في أسبابه إلا أن هنالك بعض العوامل التي تجعل الجسم عرضة له أو تسرع من تكون الأورام وانتشارها بالجسم ووصول المرض إلى مراحل متأخرة، وبعضها لا يمكن التدخل في الحد منه كالتقدم بالعمر أو وجود تاريخ عائلي للمرض أو نحو ذلك؛ لكن من الجيد أن بعضاً من تلك العوامل يمكن تفاديه؛ لتجنب الإصابة بالمرض.
يمكن للمرأة التي وضعت مولوداً حديثاً تقليل فرصة إصابتها بالمرض؛ من خلال مواظبتها على إرضاع وليدها رضاعة طبيعية من الثدي لمدة لا تقل عن عام ونصف العام، والأفضل إلى عامين؛ وتعد زيادة وزن الجسم أو البدانة أيضاً من العوامل المؤدية للمرض، التي يمكن تفاديها؛ من خلال خسارة الوزن الزائد.
تصنف بعض العقاقير على أنها من معدات الجسم لنشوء الأورام السرطانية بالثدي، منها عقاقير منع الحمل؛ حيث تكون المرأة المستخدمة لها عرضة للمرض حتى تتوقف عن استخدامها لـ 10 أعوام، ويحذر كذلك من الهرمونات التعويضية، التي توصف للنساء في سن اليأس؛ حيث يزيد استخدام المزيج الهرموني من خطر الإصابة بالمرض.
تأتي الرياضة كأحد الطرق الممكنة؛ للحد من قابلية الجسم للإصابة بالمرض، وعرفت الرياضة أو النشاط البدني عموماً بأنه ركيزة أساسية في تخليص الجسم من العوامل المسببة لكثير من المشاكل الصحية منها سرطان الثدي إلى جانب كثير من أنواع السرطان الأخرى.

القـلق

تزايدت في الأعوام الأخيرة الأسئلة عن مدى تسبب مزيلات العرق في تكون الأورام السرطانية، وقامت دراسات وأبحاث كثيرة بالتحقق من ذلك، وتوصل بعضها إلى أن مادة البرابين الحافظة الداخلة في تكوين مزيلات العرق يمكن أن تتراكم بأنسجة الثدي دون الحسم بأنها تسبب المرض أم لا؛ لكن ربطت دراسة نشرت عام 2003 بين إزالة الشعر بتلك المنطقة واستخدام مزيل العرق والإصابة بالمرض، ما يشير إلى وجود دور لمزيلات العرق في تكون الأورام؛ وما يؤكد القلق حول المزيلات هو ما كشفه الباحثون؛ من خلال دراسة نشرت عام 2004؛ حيث وجدت آثار لتلك المادة بعينات تم الحصول عليها من مريضات.
يمكن للجسم امتصاص البرابين عبر الجلد، وهو ما يحذر منه عند استخدام مستحضرات التجميل ومرطبات الجسم المحتوية عليه؛ لأن له خصائص شبيهة بخصائص هرمون الاستروجين الأنثوي الداعم لنمو وانقسام خلايا الثدي سواء كانت الخلايا الطبيعية أو المتسرطنة.
تحتوي مزيلات العرق على مادة أخرى وهي الألمنيوم كعنصر أساسي لسد الغدد العرقية وحجب خروج العرق إلى سطح الجلد، وترى بعض الدراسات أنه يمتص بواسطة الجلد ويتسبب في إحداث تغيرات بمستقبلات الاستروجين بخلايا الثدي؛ لذلك يعتقد بتسببه في تسرطن خلايا الثدي.

فيتامينD ذو علاقة

تتكشف وظائف فيتامينD داخل الجسم يوماً بعد يوم فقد وجدت دراسة نشرت العام الحالي علاقة بين نقصه بالجسم وتكون أورام الثدي وتحديداً بينه وبين أحد الجينات الورمية المرتبطة بنمو الأورام بالثدي أو بمناطق أخرى من الجسم، كما يرتبط بانتشار الورم بالجسم. يتحول فيتامينD داخل أنسجة مختلفة بالجسم بما فيها أنسجة الثدي إلى هرمون يعرف باسم كالسيتريول، ويقوم ذلك الهرمون بدوره بالارتباط بمستقبل فيتامينD المنظم لعدد كبير من الجينات يرتبط بعضها بالسرطان.
أظهرت الدراسة من ناحية أخرى، أن أكثر من نصف حيوانات التجربة، التي يقل تعبير مستقبل فيتامينD بالأورام الموجودة لديها انتشرت تلك الأورام من الثدي إلى الكبد، ما يشير إلى أن نقص ذلك الفيتامين يؤدي إلى تحويل الخلية السرطانية من غير قابلة للانتشار إلى قابلة للانتشار بالجسم وعليه فإن المرأة المصابة يجب أن تحافظ على معدلات الفيتامين بالجسم؛ لمنع انتشاره لديها، وللحفاظ على صحة عظامها، التي ربما تتأثر سلباً بالعلاج.

التدخين يمهد للمرض

اكتشفت إحدى الدراسات خصائص بالنيكوتين معززة للسرطان من خلال إحداث تغيرات جينية أو متعلقة بالجينات، فقد ظهر من خلال تحليل عينات من أنسجة سرطان الثدي الناتج عن التدخين وجود تعزيز واضح لتعبير الجين EZH2 مقارنة بعينات غير المدخنين، وهو تعزيز يرتبط بالمرض خصوصاً بتطوره إلى مراحل أصعب علاجاً. يمكن إضافة التدخين إلى قائمة العوامل التي يمكن تفاديها لتجنب الإصابة بالمرض، فهو من العادات غير الصحية التي يجب على الجميع تركها.
وعلى النساء بوجه خاص الإقلاع عنه لمنع تأثير النيكوتين في الجسم وعدم تعريضهن للأورام السرطانية بالثدي.
فحص الطفرة الجينية
يجرى الفحص الجيني عن طريق فحص الدم، وأحياناً اللعاب، لمعرفة ما إذا كانت المرأة حاملة للطفرة الجينية بالجين BRCA1 أو BRCA2 وتظهر النتائج خلال عدة أسابيع؛ فالمرأة التي ترث إحدى الطفرتين تكون عرضة بدرجة كبيرة للإصابة بسرطان الثدي، وتكون النتيجة إيجابية إن كانت حاملة لتلك الطفرة الوراثية. تشير النتيجة السالبة إلى عدم وجود الطفرة الجينية المذكورة، ولكن لا يعني ذلك أنه ضمان لعدم الإصابة بالمرض، ويحدث أحياناً أن تخرج نتائج الفحص غير مؤكدة وهو ما يعرف بـ«بالمتغير ذو الدلالة غير المحددة» حيث تكون هنالك متغيرات جينية ربما ترتبط وربما لا ترتبط بزيادة خطر الإصابة بالمرض؛ و يكشف الفحص عن الطفرات بتلك الجينات عن سرطان المبيض أيضاً.

فقدان التوازن المناعي

توصل فريق من الباحثين الأمريكيين إلى إثبات وجود ارتباط بين حدوث خلل في التوازن المناعي، وبين الإصابة بمرض سرطان الثدي، وذلك بعد نجاحهم في حصر التركيبات المناعية التي تتكون من خلايا متنوعة بنسيج الثدي.
حللت الدراسة العينات المسحوبة من نسيج أورام حميدة بالثدي مثل الخراج والتليفات، والتي تبدو في صورة تكتل بالثدي ولا يصدر عنها أعراض، لدرجة أن البعض يظن أنها أورام سرطانية، ولكن لا يمكن معرفة ذلك إلا من خلال التحليل الكامل.
ويصفها الأطباء بأنها غير خطيرة، ورغم ذلك فإن بعضها يرتبط بزيادة احتمالات تحولها إلى أورام سرطانية في وقت لاحق، وهذا ما ثبت بالفعل بعد إصابة عدد من السيدات المشاركات في الدراسة بسرطان الثدي بسبب هذه الأورام الحميدة.
وتم تقسيم العينات إلى نسيج ثدي من سيدات أصحاء، ونسيج ثدي من أورام حميدة تحولت إلى سرطان الثدي بعد ذلك، ونسيج ثدي من أورام حميدة لم تتحول إلى أورام سرطانية.
وكشفت النتيجة أن تركيبات خلايا المناعة بهذه الأنسجة كانت مختلفة في هذه الأنواع الثلاثة من العينات، حيث تحتوي الأنسجة المسحوبة من ورم حميد على نسب عالية من خلايا مناعية محددة مثل الخلايا الضامة والخلايا الشجيرية، ويمثلان معا الاستجابة المناعية.
وتبين كذلك عينات الأنسجة المأخوذة من ورم حميد تحول لاحقا إلى سرطان الثدي يحتوي على مستويات بسيطة من الخلايا البائية، وهي الخلايا المناعية التي تنتج الأجسام المضادة.
ويدل هذا التناقص لعدد الخلايا البائية في أنسجة الورم الحميد على تعرض السيدات لمرض سرطان الثدي في وقت لاحق، مما يشير إلى فائدة هذه الخلايا للوقاية من تحول الورم الحميد إلى خبيث، وتبين أنه علامة مهمة في زيادة احتمال الإصابة بالسرطان في المستقبل.

تاريخ حافل بمواجهة المخاطر

أشارت نتائج الأبحاث الأثرية إلى ما هو غير متوقع فيما يتعلق بمرض السرطان عموماً، فقد ظهر من خلال فحص هياكل عظمية بشرية متحجرة لأشخاص عاشوا بمنطقة روسيا قبل أكثر من 2,500 عام، ولآخرين عاشوا بمصر قبل أكثر من 2,000 عام، إصابة بعضهم بسرطان البروستاتا، كما وجدت آثار أيضاً لوجود سرطان الثدي بالمومياوات التي يعود تاريخها إلى مصر القديمة، وهو ما ذكر ببعض أوراق البردي، ما يدل على أن المرض ليس جديداً ولا يرتبط بالعصر الحديث.
اختلفت حياة المرأة العصرية عن المرأة في العصور السابقة، فعلى سبيل المثال كانت المرأة في السابق ترضع وليدها لمدة كافية، ربما لتوفر الزمن الكافي لها للقيام بذلك، وكان النظام الغذائي لها أكثر صحية والبيئة أكثر خلواً من الملوثات؛ وبالرغم من ذلك يصعب القطع بما إذا كان سرطان الثدي أكثر شيوعاً خلال العقود الأخيرة مقارنة بالزمن الماضي، ولكن الأكيد أن النساء الآن أكثر وعياً به وبمخاطره، وتواظب الكثيرات منهن على الفحص الذاتي لمراقبة أي تغير يحدث لديهن بتلك المنطقة، هذا غير الفحوص الدورية التي يخضعن لها من حين لآخر والتي أكثر ما تكون عن طريق الحملات السنوية، إما للتوعية وإما للفحص المجاني، ويعد شهر أكتوبر هو التوقيت الزمني لانتشار تلك الحملات بجميع أنحاء العالم، لتحقيق الهدف المنشود، وهو الاكتشاف المبكر والحد من أعداد الوفيات الناجمة عنه.