«رهاب الموت» يدمر الصحة

مقالات

يعتبر الموت هو الحقيقة الوحيدة المسلم بها من قبل كل البشر دون استثناء، والجميع يخاف من هذه اللحظة، غير أن هناك من يتجاوز خوفهم من الموت حتى يتحول إلى خوف مرضي، وهي الحالة التي يطلق عليها رهاب الموت، أو وسواس الموت، وفيه يسيطر على المصاب شعور بالفزع والذعر من فكرة تعرضه للموت، ويمكن أن يكون سبب ذلك تعرض المصاب لمواقف مؤلمة، أو حادث يجعل الموت قريباً منه للغاية.
يعرّف الباحثون والإخصائيون الخوف المرضي من الموت بأنه استجابة انفعالية مزعجة، ومشاعر من الشك والقلق والشعور بالقلق والضعف حول كل ما يتصل بالموت أو يتعلق به، وذلك في حال تعرض الشخص لهذه الحالة، أو مات أحد المحيطين المقربين له، وينتمي رهاب الموت إلى الأمراض العصابية، وهي الأمراض التي يتم علاجها نفسياً.
ويعاني المصاب بهذا الرهاب من أعراض ربما تمنعه من ممارسة حياته بشكل طبيعي، ومن هذه الأعراض نوبات من الهلع وضيق التنفس والدوخة والارتعاش والقلق والسرحان، والتي تصل في بعض الأحيان إلى الانقطاع عن العالم الخارجي تماما، وبالتالي يصبح لزاما عليه البحث عن طرق لعلاج لهذه الحالة، قبل أن تسيطر عليه بصورة أعمق وتصيبه ببعض الأمراض النفسية الأخرى.
ونتناول في هذا الموضوع مرض رهاب الموت بالتفصيل، ونبين العوامل والمسببات التي تؤدي إلى الإصابة به، ونستعرض الأعراض التي تظهر نتيجة الإصابة به، مع تقديم سبل الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتاحة.

السن والعمر

يرى الأطباء والباحثون أن هناك بعض الأشخاص مهيؤون للإصابة برهاب الموت أكثر من غيرهم، وتلعب عدد من العوامل دوراً في زيادة نسبة الإصابة لديهم، وعلى سبيل المثال فإن السن والعمر من العوامل المؤثرة.
ويصل الشعور بالقلق من الموت ذروته في مرحلة العشرينات، ويتلاشى في أغلب الأحيان مع التقدم في العمر، وتعاني النساء من هذه الحالة مرة أخرى في فترة الخمسينات.
ويمكن أن يعاني بعض الآباء في نهاية حياتهم من هذه الحالة، حيث يخاف كبار السن من تدهور حالتهم الصحية وبالتالي الموت، وبالرغم من أن الأطفال يكونون عرضة أكثر للشعور بالخوف من الموت، ويظنون أن آباءهم يعانون من ذلك نتيجة خوفهم.
ويتعرض للخوف من الموت الأشخاص غير المتواضعين أكثر من المتواضعين، حيث يشعر المتواضعون بأهمية أقل للذات، وبالتالي فإنهم أكثر استعدادا للموت.

مرض عضوي

يعتبر بعض الأخصائيين أن رهاب الموت مرض عضوي ذو تركيبة معقدة، ولذلك فإن لهذه الحالة أسباباً بيولوجية، ويعد السبب الأساسي هو نقص مادة السيرتونين، وهو ما يحدث اضطرابا في العقل من خلال عدم الاستجابة للأسئلة المطروحة والإجابة عليها، حيث يكون العقل في حالة من التساؤل الدائم عن أسئلة ربما رآها الإنسان الطبيعي سخيفة.
ويمكن أن يكون السبب في الإصابة برهاب الموت تعرض الشخص إلى تجربة صادمة كان فيها مهدداً بالموت، وعلى سبيل المثال مرض خطر أو حادثة أو اعتداء عنيف، وربما كانت الإصابة بسبب رؤيته لأحد المقربين وهو يموت، أو يتعرض لموقف قاتل. ويرتبط رهاب الموت عند البعض بالعوامل أو القضايا الدينية، وذلك نتيجة لما تقدمه الأديان من تفسيرات مختلفة حول الحياة بعد الموت، فيصاب البعض بالحذر الشديد عما سيحدث له بعد الموت، والمكان الذي سيذهب إليه.
ويظن بعض المصابين بهذا الرهاب معرفته بما سيحدث بعد الموت، غير أنهم يخافون من أي أخطاء ربما تتسبب بإدانتهم إلى الأبد.

سؤال وإجابة

يعاني كثير من المصابين برهاب الموت بما يمكن أن يطلق عليه وماذا بعد الموت؟ وذلك لأن حالة الخوف لا تكون من الموت بقدر ما تكون مما سيحدث لعائلة المصاب عقب وفاته.
وينتشر هذا الأمر بين الآباء والأمهات الجدد ومقدمي الرعاية، وربما يكون شعور القلق بسبب تعرض العائلات للمعاناة المالية.
ويصاب البعض بهذا الخوف المرضي نتيجة الخوف من فقدان السيطرة، ويمكن تفسير هذا الأمر بأن الموت هو أمر خارج عن سيطرة أي شخص، وربما يحاول من يخشى فقد السيطرة أن يسيطر على الموت بإجراء فحوص صحية دقيقة، وفي بعض الأحيان متطرفة، وتتطور حالة الخوف المرضي من الموت مع أمثال هؤلاء إلى اضطراب الوسواس القهري والتفكير الوهمي.
ويمكن أن يكون عند المصاب برهاب الموت جذور من الخوف من المجهول، فهو يريد أن يعرف ما يحدث بعد الموت، وهذا الأمر لا يمكن إثباته وهو موجود على قيد الحياة.
ويكون عرضة للإصابة بالرهاب نتيجة هذا التفكير الأشخاص الأذكياء للغاية، وكذا الفضوليون، ومن يتعمقون في المعتقدات الدينية والفلسفية.

حصار الموت

يقسم الباحثون الأعراض التي تصيب مريض رهاب الموت إلى عدة أقسام، فهناك نوع من القلق الذي يترتب في معظم الأحيان على القلق العضوي بسبب المرض أو المشاكل الصحية.
ويشعر الشخص المصاب بحالة من حصار الموت له، وهو الأمر الذي يصيبه بالحزن الدائم والسرحان والتفكير في هذا الإحساس الرهيب، ويجعله يفقد القدرة على ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي.
ويمكن أن يتفرع من القلق نوع من الخوف، بالإضافة إلى استجابة انفعالية تجعل المصاب دائما في حالة من الكآبة، ويعاني من الخبرات الانفعالية غير السارة.
ويتكرر إصابته بنوبات من الفزع، وأيضا القلق والخوف من المستقبل، والخوف من فقدان الأهل والأصدقاء، أو الخوف من أشياء تبدو بسيطة للغاية، ويعاني الشخص من الوحدة أو الضعف.

تجنب الأصدقاء والعائلة

وتشمل معاناة المصاب برهاب الموت عددا من الأعراض الجسدية منها، زيادة نبضات القلب وصعوبة في التنفس، وزيادة التعرق ويفقد السيطرة على نفسه في بعض الأحيان، كما تنتابه حالة مستمرة من القلق والتوتر والتفكير والسرحان.
ويمكن أن يتعرض للدوار أو الغثيان، ويعاني كذلك من جفاف الفم، واضطرابات في النوم من كثرة التفكير، ويفقد في كثير من الأحيان شهيته للطعام أو يعاني من آلام في المعدة.
تزداد الأعراض سوءا بمضي الوقت، فيجد المصاب برهاب الموت نفسه يتجنب المقابر أو المنازل التي وقعت فيها حالات وفاة.
وتتسبب رؤيته للأشياء الميتة في حالة من الاكتئاب الشديد، وينتج عن هذا الأمر تجنب الأصدقاء والعائلة فترات طويلة، وشعور بالحزن والذنب والغضب والعصبية.
ويجب الانتباه إلى أن تشخيص حالة المصاب بأنها حالة خوف مرضي من الموت يجب أن تشتمل على 4 أو 5 أعراض، مع التأثير على حياة المصاب بشكل عام.

التحفيز الذاتي

يحتاج علاج رهاب الموت إلى التحفيز الذاتي على عدم الخوف، وربما كان العلاج صعبا بعض الشيء بسبب هذا الأمر، ويتحقق الشفاء من هذه الحالة بعدة طرق مختلفة، منها العلاج المعرفي السلوكي، أو الأدوية، أو كلا العلاجين.
ويتم العلاج المعرفي السلوكي بتعريض المصاب ببطء لبعض حالات الوفاة، وذلك في جلسات مع الطبيب النفسي أولا، ثم مواقف من الحياة الحقيقية.
ويساعد العلاج المرضى في إدراك أن الموت جزء طبيعي من دورة حياة الأشخاص، ويعتمد هذا الأمر على شدة الحالة، كما أنه يأخذ فترة من الزمن.
ويمكن أن يلجأ المعالج المختص عند تطور وتأزم حالة المريض إلى الاستعانة بالأدوية، والتي تعمل على رفع مستوى السيروتونين في الدماغ، غير أن لهذه الأدوية آثاراً جانبية مختلفة من شخص لآخر، كما أن تأثيرها يختلف بين المراهقين والكبار.
ويمكن للمصابين برهاب الموت أن يساعدوا أنفسهم بجانب العلاج، وذلك بالحصول على معلومات حول الموت، وتعد هذه هي الخطوة الأولى للتغلب على الخوف الشديد من هذه الحالة.
وتفيد تقنيات الاسترخاء في التغلب والتعامل مع الأعراض العاطفية والجسدية بشكل استباقي، ومن هذه التقنيات التنفس العميق واليوجا والاسترخاء العضلي.

الواقع الافتراضي

أشارت بعض الدراسات والأبحاث إلى أن من يعيشون حياة تعيسة، يصبحون أكثر تأثرا بهذا الخوف المرضي، وبالتالي فإن تحسين ظروف الحياة وحل المشكلات الموجودة وتخطي الهموم يمكن أن يمثل علاجًا لهذه الحالة المرضية.
وتوصل باحثون مؤخرا إلى أن اختبار إحساس الخروج من الجسد أثناء الموت السريري، انتهى بمرضى رهاب الموت إلى التخلص من هذا الخوف المرضي.
واستخدم القائمون على البحث تقنية الانغماس في الواقع الافتراضي، وذلك لمنح المتطوعين تجربة افتراضية للخروج من الجسد.
وبلغ معدل الخوف قبل إجراء التجربة من 6 إلى 7، في حين أنه انخفض بعد انتهاء التجربة إلى نحو 2.5.
ويرى كثير من الباحثين والأطباء أن الشفاء من رهاب الموت، يمكن أن يتحقق من خلال تركيز المصاب على جعل حياته أكثر سعادة، وكذلك التفاعل مع المجتمع باستمرار والإحساس بالأمل.