سرطان الثدي.. كابوس يلاحق النساء

مقالات

انتشر سرطان الثدي بصورة مرعبة في الكثير من دول العالم، وأصبح هذا المرض كابوساً يهدد حياة أعداد كبيرة من السيدات، والملاحظ أنه بدأ يظهر في أعمار مختلفة من النساء، حتى أصبح معظم العائلات بينهم واحدة مصابة بهذا المرض.
ومع اقتراب شهر أكتوبر على انتهائه تنشط الدعوات إلى الوقاية باعتباره شهر التوعية بذلك النوع من السرطانات، والذي يصنف الأكثر شيوعاً بين السرطانات التي تهاجم النساء حول العالم، وكذلك المتسبب في وفاة الكثير من المصابات، ولكن في حالة التشخيص والكشف المبكر عنه يكون الأمل في الشفاء كبير وبدرجة عالية للغاية.
ينصح الخبراء بنشر ثقافة الوعي ومعرفة العلامات والأعراض المبكرة لهذا المرض، من أجل السيطرة والوقاية من انتشاره في الجسم، ويفضل الكشف الدوري أو الفحص المنتظم كل فترة، للتأكد من الوضع وعمل اللازم في حالة وجود شكوك.
يمكن أن يكون نمط الحياة الحديثة بما فيها من سلبيات، أحد عوامل الإصابة، حيث ثبت أن استعمال حبوب منع الحمل يمكن أن تكون سبباً لحدوث هذا المرض، وكذلك التلوث الذي يحيط بنا من كل جانب، سواء في الماء والهواء والغذاء، بالإضافة إلى العوامل الأخرى.
ونتناول في هذا التحقيق علامات سرطان الثدي بالتفاصيل وكيفية الوقاية قدر الإمكان، وطرق العلاج المتبعة وبعض الأساليب الحديثة، والمسببات عموماً لهذا المرض المخيف.
يوضح الدكتور عارف همام استشاري الجراحة العامة، حقيقة المرض قائلاً: يعرف سرطان الثدي على أنه تكاثر غير طبيعي ولا يمكن السيطرة عليه لخلايا الثدي، وهو غير قاصر على السيدات فقط، بل يمكن أن يصيب بعض الرجال، ويعد المسبب الثاني للوفاة لدى السيدات بعد سرطان الرئة.
ويبدأ ظهور سرطان الثدي غالباً في البطانة الداخلية لقنوات الحليب، كما يمكن أن ينشط في الفصوص التي تغذي هذه القنوات بالحليب، ثم تنتقل إلى أماكن أخرى من الجسم.
وبينت الدراسات أن التشخيص المبكر لسرطان الثدي من خلال الفحوص المنتظمة والدورية يعد ضرورة، ومن الواجب أيضاً أن تقوم المرأة بالفحص الذاتي وأن يصبح ذلك سلوكاً معتاداً كل شهر.
ويضيف د. همام: سجلت الدراسات أكبر عدد من الوفيات بسبب مرض سرطان الثدي في الدول منخفضة الدخل، نتيجة التشخيص في المراحل المتأخرة من المرض.

فرص الشفاء

ورغم الزيادة المستمرة في هذا المرض سنوياً، إلا أن التقدم الكبير في التشخيص والكشف المبكر، زاد من معدلات النجاة والحياة بصورة كبيرة، بالإضافة إلى حملات الوعي المستمرة والتي وصلت أماكن كثيرة.
ويشير المختصون إلى أنه حتى الآن لا يمكن الجزم بأن أحد العوامل هو السبب الرئيسي في الإصابة بسرطان الثدي، ولذلك يمثل الكشف المبكر عن هذا المرض، الأساس في مكافحة المرض والوقاية منه.
وتزيد الفرص بشكل كبير للغاية في الشفاء من سرطان الثدي إذا تم كشفه في وقت مبكر، لتبدأ رحلة التشخيص والعلاج المبكر للقضاء عليه في مهده وتحجيمه في صورة قريبة من الشفاء التام.
يؤكد د. عارف، أن فرص الشفاء تتضاءل إذا كان الوقت متأخراً في الكشف عنه، لأن فرصة فاعلية العلاج تكون أصعب، ويصبح الأمر كسب مزيد من الوقت فقط في الحالات المتقدمة، ومحاولات للقضاء على أكبر قدر من الخلايا الخبيثة، ولكن الأمر وقتها سوف يخرج عن السيطرة.

التلوث والبلاستيك

توجد مجموعة من العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بالمرض، ولا يمكن الإشارة إلى سبب بعينه، فهناك تداخل بين الكثير من العوامل والمحفزات والظروف والبيئة المناسبة لنمو هذا السرطان لدى السيدات.
وانتشار مرض السرطان بهذه الصورة المخيفة في السنوات الأخيرة يمكن أن يعود إلى نمط المعيشة الملوث، حيث انتشرت الأدوات البلاستيكية في كل مناحي الحياة، بما تحتويه من مركبات كيميائية تحفز ظهور الخلايا السرطانية منها ذلك المرض، فالأطعمة توضع في عبوات بلاستيكية وكذلك اللحوم، وتناول المياه من زجاجات بلاستيكية، وغالبية الحقائب التي تحمل كل المتعلقات مصنوعة من البلاستيك.
وتكمن خطورة البلاستيك في خروج مركبات كيميائية ضارة للغاية عند تفاعلها مع الحرارة أو البرودة، ومنها أنواع رديئة تعتبر مصدر تلوث مستمر، ورغم ذلك تدخل في أدق تفاصيل حياتنا.

حبوب منع الحمل

يقول الدكتور ألين عبدالله اختصاصي الأمراض النسائية والتوليد: يمكن أن تكون حبوب منع الحمل المستخدمة على نطاق واسع في العديد من دول العالم هي أحد الأسباب كذلك، فبعد سنوات من الاستخدام يصبح الجسم محملا بهرمون الاستروجين، الذي يحدث خللاً في النظام الطبيعي للجسم، ومن ثم يسهل تنشيط الخلايا الخبيثة وظهور المرض.
ويؤدي العلاج بالهرمونات البديلة عن طريق الفم إلى ارتفاع فرص الإصابة بالمرض، نتيجة زيادة مستويات هرمون الاستروجين في الجسم.
كما أن هرمون الاستروجين يوجد في اللحوم والدواجن التي نتناولها، بالإضافة إلى بعض مصادر المياه والخضر والفواكه، بما يعنى زيادة هذا الهرمون في الجسم، وإتاحة الفرصة للإصابة.

الوراثة وانقطاع الطمث

ويعد العامل الوراثي أحد المسببات أيضاً ويزيد الفرصة للإصابة، فوجود تاريخ عائلي للإصابة بهذا المرض يزيد من فرص ظهوره، ويوجد حوالي 8% من المصابات بسبب الجينات الوراثية، مع وجود محفزات أخرى مثل السن وارتفاع نسب التلوث، حيث ترتفع احتمالات الإصابة بعد سن 50 عاماً.
ويمثل انقطاع الطمث والدخول في سن اليأس أحد العوامل المهمة للإصابة، وكذلك وجود كثافة في الأنسجة، أو كتل أورام حميدة وبعض النتوءات. يضيف د. عبدالله: يمكن اعتبار حالات البلوغ المبكر وكذلك انقطاع الطمث المتأخر من عوامل الإصابة بالمرض، بالإضافة إلى الإصابة بمرض البدانة، لأن الخلايا السرطانية تنشط في بيئة الوزن الزائد والدهون، لأن الخلايا السرطانية تتغذي على الدهون وتتكاثر وتتحفز للانتشار.
وثبت أن التدخين كذلك من مسببات مرض السرطان عموماً وسرطان الثدي بصفة خاصة، وأيضاً التعرض للإشعاعات مثل العلاج الإشعاعي في منطقة الصدر، ومن ضمن العوامل: الكسل وقلة النشاط الحركي والبدني.
وظهر المرض لدى بعض السيدات اللاتي لديهن تاريخ من الإصابة بالسرطان في الرحم أو المبيض، كما يعتبر الحمل الأول فوق الثلاثين أحد عوامل الإصابة بالمرض. وتوافر بعض المسببات والعوامل السابقة ليس دليلاً على قدوم المرض، فهناك الكثير من السيدات التي تتعرض لعدد من هذه العوامل ولم يصبن بالمرض، كما أن هناك أيضاً بعض النساء اللاتي لا يوجد لديهن أي من المسببات والعوامل السابقة، ومع ذلك أصبن بالمرض، وهذا ما يجعل من الضرورة إجراء الفحص الدوري بصورة منتظمة.

كتل خشنة وصلبة

كشف العلامات والأعراض الأولية لمرض سرطان الثدي يمكن أن يكون طوق النجاة من هذا المرض، ولذلك فإن حملات التوعية والملصقات والإعلانات تركز على تعريف المرأة بهذه العلامات لسرعة الكشف والفحص واتخاذ اللازم.
وتوجد علامات مهمة تدل على نشاط المرض، ومنها ظهور كتل ملموسة في الثدي أو على مستوى الإبطين وتكون غير مؤلمة، وهذه الكتل الخبيثة تتميز بخشونة سطحها وبالقوام الصلب والحواف غير المنتظمة.
يوضح د. ألين: يسهل على المرأة التعرف على هذه الكتل من خلال الفحص بيديها، ويفيد في ذلك الاستعانة بالمختصين أو من خلال طرق الفحص الذاتي المنشورة في ملصقات التوعية بالمرض في أماكن كثيرة وعلى شبكة الإنترنت.

إفرازات شفافة ودموية

ونزول إفرازات شفافة أو مختلطة بالدم أو ذات لون أخضر أو مصفر، دليل على وجود مشكلة، فيمكن أن تكون التهابات انتقائية حميدة، ولكنها تزيد من احتمالات الإصابة بسرطان الثدي، ولذلك يجب في هذه الحالة التوجه للطبيب المختص فوراً، لعمل الفحوصات والتأكد.
أما في حالة الرضاعة والحمل فإن نزول إفرازات من الأمور الطبيعية، والتي لا قلق منها ومعتادة في هذه الفترة، ولكن إذا ظهرت هذه الإفرازات في الأوقات العادية، فلابد من عمل التحليل لهذه الإفرازات غير المنطقية.

بقع حمراء

حدوث بعض التغيرات غير الطبيعية في مظهر جلد الثدي، ومنها الحكة والاحمرار وتقشر الجلد، وكذلك ظهور التجاعيد والحبوب والدمامل، ففي هذه الحالة يجب استشارة طبيب مختص لمعرفة السبب لهذه المشاكل.
ويمثل ظهور بعض البقع الحمراء والتي لا تُشفى بسهولة، علامة على بداية الإصابة بالمرض، وأيضاً حدوث طفح جلدي في الثدي، وفي هذا الوقت لا يستحب الإهمال والتأخر، لأنها أعراض أولية للمرض. وحدوث احمرار في الجلد ثم ما يلبث أن يتحول إلى اللون البرتقالي، وظهور طفح، من علامات المرض والتي يجب أخذها على محمل الجد.

تشوهات ودمامل

تقول الدكتورة نازورة صديق، اختصاصية الأمراض النسائية والتوليد إن وجود كتل في الثديين أو تغير في الحجم يتطلب الذهاب إلى الطبيب وظهور الجلد غير الطبيعي على الثدي قد يكون أيضًا علامة على المرض.
قد يكون ظهور نتوءات صلبة تحت جلد الثدي والإبط أيضًا من أعراض المرض. غالباً ما يُرى الألم في الثدي قبل الحيض وأثناءه، ولكن إذا لم يختف الألم مع نهاية الدورة الشهرية، فيجب فحصه.
تشير الأدلة إلى أن غالبية كتل الثدي التي تظهر، ليست خبيثة. ومع ذلك، ينبغي إجراء الفحص والتحليل اللازمين بمجرد ظهورهما للتأكد من أنها حميدة وليست سرطانية.
هناك علامات أخرى محتملة على أن العديد من النساء لا يعرفن، بما في ذلك ظهور قلة من الجلد تشبه قشرة البرتقال التي لا تجتذب انتباه المرأة أثناء الفحص الذاتي، ولكنها علامة شائعة جداً لسرطان الثدي.

الغمازات والنمش

ظهور النمش على الجلد يدل على مشاكل الجلد، والتي ينبغي تقديمها إلى طبيب الأمراض الجلدية على الفور، وذلك لأن بعض النمش أو الجلد غير الطبيعي قد يكون من أعراض سرطان الثدي الالتهابي، وهو نوع أكثر شراسة.
وتضيف د. صديق: تضخم الثديين أو زيادة حجم أحدهما خلال فترات معينة من الدورة الشهرية وكذلك الحمل، يؤدي إلى تجاهل العلامة عند ظهور سرطان الثدي، خاصة في حالة تورم الثدي من جهة أخرى، يجب أن تكون هذه الأعراض محل التعامل بجدية في الأوقات العادية.
حدوث تغيير مفاجئ في حجم وشكل الثدي دون مبرر أو سبب، يصبح ذلك علامة على سرطان الثدي، يترتب معها الفحص والتشخيص السريع.

الغذاء الصحي والرياضة

توضح د.نازورة: يمكن الوقاية من مرض سرطان الثدي ببعض الإجراءات البسيطة، مثل الحفاظ على تناول نظام غذائي صحي، والتخلص من الوزن الزائد، وممارسة الرياضة المنتظمة، والابتعاد عن أدوية الهرمونات، وتناول الأدوية المثبطة لهرمون الاستروجين بعد بلوغ عمر 50 عاماً، وخاصة السيدات اللاتي لديهن عوامل الإصابة بالمرض، والالتزام بالرضاعة الطبيعية أطول فترة والإقلاع عن التدخين نهائياً.

الجراحة والكيماوي

يحتاج علاج سرطان الثدي إلى المزيج من الأساليب للتخلص من الورم السرطاني، حيث يبدأ بعمل جراحة سريعة يتم فيها استئصال الورم تماماً، وكذلك الجزء المحيط بالورم للتأكد من إزالة كل الخلايا المصابة، مع التخلص من الغدد اللمفاوية القريبة.
والمرحلة الثانية تتمثل في العلاج بالإشعاع لتدمير ما تبقى من الخلايا المصابة، وتتم بعد حوالي 4 أسابيع من الجراحة، بجانب جرعات العلاج الكيميائي، حتى يتم قتل أي خلايا سرطانية غير ظاهرة.
ويستخدم العلاج الكيميائي للتخلص من الخلايا السرطانية التي يمكن أن تكون قد انتشرت في أجزاء أخرى من الجسم.

زيادة مستمرة

تشير أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية، إلى أن حوالي 1.5 مليون إصابة جديدة تحدث سنوياً، ويموت من بينها حوالي 540 ألف سيدة، وتصيب السيدات في العالم المتقدم والنامي دون تفرقة. وكشفت التقارير عن وجود زيادة مستمرة في معدلات الإصابة سنوياً في الدول الفقيرة.
وتقدر نسبة إصابات السيدات بسرطان الثدي، بحوالي 17% من إجمالي أمراض السرطانات الأخرى، وكانت حوالي 71% من إجمالي الوفيات داخل الدول النامية.
ويظهر سرطان الثدي بمعدلات كبيرة في أمريكا الشمالية، وبمعدل متوسط بين سكان أمريكا الجنوبية وغربي آسيا، وأوربا الشرقية، بيمنا جاءت دول إفريقية في مستوى أقل، ولكنها بدأت في الزيادة بصورة ملحوظة.
كما أن هناك اختلافات في معدل البقاء على قيد الحياة بين هؤلاء المصابين، فتصل الإصابة إلى حوالي 83%، في دول اليابان والسويد وبريطانيا وأمريكا الشمالية، وتنخفض النسبة إلى 58% في الدول متوسطة الدخل، وتصل إلى 38% في الدول الفقيرة.
وتعود زيادة الوفيات في الدول، إلى عدد من العوامل، أهمها افتقاد الوعي مع عدم وجود برامج الفحص المبكرة، إضافة إلى انخفاض مستوى الرعاية الصحية في هذه الدول، وتدني طرق العلاج بصفة عامة.