طرق التخلص من مرض القلق المستمر

مقالات

يعاني القلق باستمرار، فهو ينتظر نتيجة التخرج في الجامعة، فيظل متوتر الأعصاب طوال هذه الفترة إلى أن تظهر درجاته النهائية، وخلال هذه الفترة لا يستطيع النوم بعمق، فالقلق سيطر عليه لدرجة أنه يظل يفكر ساعات طويلة في كل الاحتمالات.
وتقل رغبته في الطعام، ويعيش فاصلاً طويلاً من السرَحان، ويتحدث كثيراً حول التوقعات التي تنتابه، والتي غالباً ما تكون سيئة، ويتحول إلى حالة العصبية من أقل المواقف، حيث تتسم ردوده بالعنف وضيق الفهم، وينفعل باستمرار، حتى إن المحيطين به ينصحونه بالتهدئة من أجل صحته.
بعد ظهور النتيجة وحصوله على الشهادة لم تنته لديه حالة القلق التي يعيش فيها، لأنه انتقل بالقلق إلى مرحلة العمل، فبعد تقديم أوراقه إلى مكان العمل وقيامه بالاختبارات اللازمة، فهو ينتظر قبوله في هذه الوظيفة الجديدة.
ويتصل يومياً بكل أصحابه الذين قدموا معه في العمل، ويظل فترة طويلة يتحدث عن الاختبارات، ويطلب من زملائه الرأي هل هو أدى جيداً؟ ويمكن أن تمتد المكالمات الهاتفية إلى عدة ساعات، يدقق فيها في كل صغيرة وكبيرة حول ما حدث أثناء التقدم للوظيفة الجديدة.
يغلق سماعة الهاتف، ثم يعاود الاتصال مرة ثانية بنفس الصديق المقرب، فهو يريد أن يسمع منه كلمات مطمئنة، ويعيد الأحاديث السابقة نفسها، ولكن بتفاصيل أكثر، مثل أن صاحب العمل ابتسم له أثناء سؤاله، وهذا دليل على أنه مقبول في المهنة الجديدة، ثم يتذكر موقف معاكس مثل التقدير الجيد في الشهادة، فيعود لحالة القلق، ويلح على صاحبه في طلب الرأي مرات كثيرة.
وينتهي الأمر، ويتم قبوله في العمل، ولا تستغرق فرحته وقتاً طويلاً، لأنه يدخل في نوع آخر من القلق، ومنها تفاصيل العمل، ورضا المسؤولين عنه، ومدى نجاحه في المهام المكلف بها، إضافة إلى المشاكل المعتادة في العمل التي تصبح لديه كبيرة للغاية، فهو يضخم كل شيء بسبب القلق المستمر.
ويخرج من حالة قلق ثم يدخل في حالة أخرى، فبعد العمل يدخل في قلق الاختيار والرفض والقبول، والحالة العاطفية التي يمكن أن تسبب له مزيداً من القلق، وتفسير المواقف بصورة مختلفة عن الآخرين، ما يزيد لديه القلق والتفكير والعصبية، فهو يفسر الكلمات والأحاديث بحساسية شديدة.
وتعتبر الحالة السابقة حالة مرضية، وتسمى اضطراب القلق المزمن، لأن الشخص لا يكاد يخرج من تخوفات وقلق حتى يدخل إلى حالة من جديدة من عدم الاستقرار، وهذه الحالة تسبب له ضغوطاً عصبية، كما يمكن أن يظهر عليه بعض الأعراض البدنية والنفسية.
ونتناول في السطور القادمة طرق التوقف عن حالة القلق المستمر، والإفلات من المشاكل التي يمكن أن تسببها للجسم والصحة العامة، ونقدم بعض طرق الوقاية الممكنة، إضافة إلى أساليب العلاج التقليدية والمقترحة، والتي قدمتها بعض الدراسات والأبحاث والاختبارات العملية.

تعوق عن التأقلم

يمر الجميع بحالة من القلق فهو من الحالات الطبيعية المعتادة، فهو اختبار يحدث للجميع خلال مراحل العمر المختلفة، بداية من مراحل الطفولة، وتظل هذه الحالة طبيعية ومحفزة للشخص على الوصول إلى أهدافه، ولكنها تتحول إلى مشكلة صحية مزعجة إذا أصبحت شائعة ومتكررة لدى الشخص بصورة تعوقه عن التأقلم مع الحياة.
وتشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن ما يقرب من 45 مليون مواطن أمريكي يعيشون في حالة اضطراب القلق، والتي تختلط ما بين القلق الشديد والخوف من حين لآخر.
ويمكن أن تتراوح هذه الحالة بين اضطراب القلق العام إلى اضطراب الهلع، ويصاب الأشخاص بين هذين النوعين من القلق، ويذهبون للطبيب المختص من أجل وصف الأدوية التي ربما تكون نتائجها غير مضمونة، أو ضعيفة، أو تمثل حالة تسكين وتأجيل للمشكلة، والمؤكد أنه لا يوجد شيء ناجح من أساليب العلاج بصفة تامة، ولذلك ينصح الأطباء بأنه لا داعي للقلق.

حالة ذهنية صحية

ويشير المختصون إلى أن الأمر يتطلب الكثير من الجهد الواعي للوصول إلى حالة ذهنية صحية، وهذه الحالة هي التي تساعد على التخلص من مشكلة القلق المزمن، وفي النهاية سوف ينجح الشخص في التخلص من هذه المشكلة، بمزيد من الوعي والمعرفة والخبرات.
يوجد بعض التمارين التي يمكن القيام بها لتدريب الدماغ على التوقف عن القلق، بشأن الأشياء التي لا يمكن التحكم فيها ببساطة، وهناك العديد من الاستراتيجيات التي ربما تساعد في تقليل حالة القلق ككل، إضافة إلى إدارة حياة الشخص بصورة أفضل.
ويجب أولاً فهم مشكلة القلق جيداً، فهناك الكثير من الآراء المهنية والطبية التي تدور حول ما إذا كان القلق ناتجاً عن عدم توازن كيميائي، أم لا، وعلى الرغم من أن ذلك قد يكون جزءاً من المشكلة، ولكن هناك احتمالات كبيرة بأن البيئة المحيطة بالشخص تلعب أيضًا دورًا رئيسيًا في حالة القلق والتأثير في ما يشعر به الشخص عموماً. ويوضح أحد الباحثين أن الشخص عندما يشعر بالقلق من بعض الأشياء، فهذا الإحساس ربما يكون منطقياً أو مقبولاً، وأيضاً ربما تكون العاطفة هي السبب، أو تكون الطريقة التي يستجيب بها العقل للعمليات الكيميائية الطبيعية أحد العوامل.

عدم التوازن الكيميائي

يوصي الباحثون بأن يلاحظ الشخص ما هو رد فعل جسمه وعقله، ويجب أن يتناغم مع نفسه وتفكيره، ويتعرف إلى سبب استجابة الجسم للتهديدات بالطريقة التي يتصرف بها، فذلك سوف يساعده في تطوير طريقة لمنع القلق من التصاعد، لأنه سوف يصبح أكثر وعياً بنفسه ومحيطه.
أما في حالة الافتراض بأن عدم التوازن الكيميائي هو ما يسبب مشكلة القلق، بغض النظر عن العلاج الذي يتناوله الشخص، فإنه لا يزال في حاجة إلى تعلم أدوات وطرق المواجهة التي توفر له المساعدة في التغلب على القلق، ففي حالة تعلم كيفية التحكم في مدى تأثير القلق على الشخص، فسيحدث تغييراً إيجابياً في مشكلة عدم التوازن الكيميائي.
ويساعد تحدي الأفكار الصعبة في التغلب على مشكلة القلق، حيث يشير المركز الأمريكي للبحوث التطبيقية للصحة العقلية والإدمان إلى أن الخطوة الثانية التي يمكن القيام بها لتدريب الدماغ على التوقف عن القلق، بشأن الأشياء التي لا يمكنك التحكم فيها، هو تحدي الأفكار التي تشعر بالقلق. ويساعد سؤال صديق مقرب، أو سماع رأي أحد أفراد الأسرة حول الموقف في بعض الأحيان، فعلى سبيل المثال إذا كان لديك قلق حول شخص ما يتكلم عنك بشكل سلبي، فينبغي السؤال عن هذا الشخص أولاً قبل أن تبدأ بالذعر والقلق بشأنه.

الخوف من أوهام

ويبين الباحثون أنه في الواقع ليس هناك ضرورة للذعر من شيء قد لا يكون موجوداً في الأساس، أي أن بعض الأشخاص تنتابهم حالة من الذعر نتيجة افتراضات وتصورات داخل عقولهم فقط، وليست موجودة في الحقيق، فهم يخافون من أوهام تشغل تفكيرهم، كما أن تخيل كيف سيكون رد فعل الآخرين تجاه الشخص القلق، أو التفكير الذي يتسم بالقلق، سوف يساعد على التوصل إلى طريقة أكثر واقعية في التفكير.
ويمكن تدريب الدماغ على التفكير الهادئ عندما يجد الشخص نفسه في موقف مرهق ومزعج، ومن الطبيعي إلا تحدث عملية التفكير بهدوء من دون أن يذكر الشخص نفسه، تماماً مثل إعطاء نصائح للآخرين عندما يكونون قلقين بشأن بعض الموضوعات، فيجب على الشخص أن ينظر إلى الوضع بطريقة إيجابية، ويحدث نفسه بالتفاؤل والأمل، وفي حالة الشعور بمزيد من القلق، يكرر الشخص حديثه لنفسه مرة أخرى.
ويقول الخبراء أن الشخص يمكن أن يتناول أدوية كثيرة من أجل التخلص من مشكلة القلق ولكن من دون جدوى أو فاعلية، لأن الأمر يتعلق بقدرة الشخص نفسه على طرد الأفكار المقلقة، وتعلم تجربة اكتساب بعض مهارات التأقلم مع ظروف ومشاكل الحياة، فهذه الطريقة سوف تساعد على التخلص من القلق على المدى الطويل.

تشويه العقل

توضح دراسة حديثة أن هناك العديد من المرات التي تم فيها تشويه عقل الشخص، من خلال بعض التصورات المبالغ فيها والتوقعات السيئة وتضخيم المواقف والأفعال بصورة مفتعلة وغير طبيعية، وفي هذه الحالة يصعب على الشخص رؤية الحقيقة.
وتكشف الدراسة أنه رغم ذلك، فإنه لا يمكن تغذية الأفكار المثيرة للقلق باستمرار، لأن هذا من شأنه أن يجعل الأمر أسوأ، فعلى سبيل المثال إذا سأل الشخص نفسه، ماذا لو ساءت حالتي بدرجة أكبر نتيجة هذه الأفكار المقلقة؟ لماذا أتقبل الأفكار والآراء التي تغذي وتزيد من مشكلة القلق؟! ومن الواجب أن يحاول الشخص الابتعاد عن هذه التصورات، وبدلاً من ذلك يعمل على تغذية عقله بأفكار أكثر واقعية وانسجاماً مع النفس.
وتبين الدراسة أن طرق التخلص من القلق والتمرينات المفيدة في هذه الحالة يمكن أن تكون سهلة من الناحية النظرية، ولكن فعلها أو تطبيقها يواجه بعض الصعوبات لدى كثير من الناس، بمعنى أن الكلام سهل والفعل صعب في التنفيذ، لأن حالة القلق التي يمر بها الشخص لا يفهمها من حوله، إلا إذا مروا بنفس الحالة ونفس الظروف والشعور.