«أليس في بلاد العجائب»..الحياة بلا إرادة

مقالات

ارتبط اسم «أليس» في مخيلة أغلب الأشخاص برواية الأطفال القديمة، التي تحولت لأفلام كرتونية تعلق بها الأطفال على مر السنين، وأعمال سينمائية بتجهيزات عالية تصل بالمشاهد إلى التعايش الحقيقي مع الشخصيات.
ويجهل الكثيرون أن هناك حالة مرضية تسمى متلازمة «أليس في بلاد العجائب»، ويعاني المصاب بها تشويشاً بصورة عجيبة وخيالية أيضا، مما يؤدي إلى إرباكه.
يرى المصاب بهذه الحالة الأشياء من حوله بأحجام غير حقيقية، كأن يرى الأشياء الضئيلة الحجم عملاقة أو العكس، ويرى أحياناً الأشياء فيشعر أنها صارت أقرب أو أبعد من المعتاد.
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة «أليس في بلاد العجائب» بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه المشكلة، وكشف الأعراض التي تظهر وتقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

لا خلل عضوياً

يشير الأطباء إلى أن الإصابة بمرض متلازمة «أليس في بلاد العجائب» لا يرجع إلى وجود خلل عضوي في العين، أو بسبب أوهام وما شابهها، ولكنها تنتج عن تغيرات في الآلية التي يقوم بها عقل المريض باستيعاب وإدراك البيئة التي تحيط به.
ويتجاوز التأثر الناتج عن هذه الحالة البصر، أو بصورة أكثر دقة على المدركات البصرية، إلى عدد آخر من الحواس التي يتأثر مردود إدراكها، مثل اللمس والسمع، علماً بأن المصاب أحياناً يفقد بمتلازمة أليس في بلاد العجائب القدرة على الشعور بمرور الزمن، بحيث يراه أسرع أو أبطأ من الواقع.
يمكننا القول بوجه عام إنه بالرغم من الإدراكات غير الاعتيادية التي يشعر بها المصاب بمتلازمة أليس، إلا أن هذه الأعراض العابرة لا تشكل تنبؤاً للإصابة العقلية أو لأحد الأمراض الوعائية الدماغية فهي حالة خاصة.

فقدان السيطرة

يؤكد الأطباء أن متلازمة أليس في بلاد العجائب لا تؤدي على الأغلب إلى مشكلات صعبة على الحل أو مضاعفات، ولكن يوجد بعض الأعراض الجانبية التي يمكن أن تحدث، وتكون مصاحبة لها، وفي مقدمتها الإصابة بالصداع النصفي، كما يفقد المصاب بهذه المتلازمة مقدرته في السيطرة على عضلات جسمه وأطرافه.
ويقوده هذا إلى الإحساس بالترابط بين عقله وجسمه، علاوة على الانزعاج والفزع الشديد من الأصوات العادية، حتى وإن كانت منخفضة للغاية، بحيث يشعر المصاب بأنها على خلاف الواقع، فيمكن أن يدركها قوية بدرجة عالية.
يبدو للعيان أن المصاب بمتلازمة أليس يتأثر بمجموعة من التجارب الاضطرابية التي يخوضها، فعندها يشعر بتضخم أو تضاؤل كل شيء حوله، ويصل الأمر إلى أن يرى مثلا تضخماً في حجم يديه أو رجليه.
وتشمل الأعراض أيضا شعور المريض بأنه في حالة المشي متوقف، كأنه لا يسير، فهو يمشي ولكن لا يصل إلى أي مكان، كما يشعر بدوام الشعور بالأشياء، فمثلا يلمس شيئا ويتركه ويظل الإحساس بملمسه موجوداً، ويطلق على هذا العرض هلوسات لمسية.

هلوسات سمعية وبصرية

يضاف إلى ذلك استمرار سماع الصوت لمدة بعد توقفه، ورؤية الأشياء الثابتة تتحرك، أي هلوسات سمعية وبصرية، وكذلك فقدان السيطرة على عضو أو أكثر من أعضاء الجسم، والشعور العام بعدم التناسق الجسدي، وذلك نتيجة للإدراك المشوه لموقع الجسد بالنسبة لما يحيط به، هذا إضافة للشعور بالقلق، كما يفقد القدرة على تمييز الألوان، ويتعرض المريض في بعض الأحيان إلى فقدان جزء كبير من ذاكرته.
ويرى المحيطون بالمريض رغبة شديدة في تحويل كل حدث أو شيء حوله إلى عالم من الخيال، فيتحرك فيه الثابت ويتكلم الجماد، بل يتحول في كثير من الأحيان إلى عدو يجب الحذر منه ومواجهته.
وينسج المريض من خياله وسائل للدفاع عن نفسه، وكذلك أخذ التدابير الكافية لتأمين ذاته، وذلك لا يجد معقولية عند الأشخاص الطبيعيين، إلا أنه عند المصاب غاية في الدقة بل المعقولية أيضا، كما يبادلهم الشعور بعدم الإدراك والشفقة عليهم، لأنهم لا يعلمون ما يعلم ولا يرون ما يرى.

الحالة النفسية

توجد عدة أسباب للإصابة بمتلازمة «أليس في بلاد العجائب»، وجميع أسبابها متعلقة بالدماغ أو الحالة النفسية للمريض، لأن الأعضاء تكون في حالة عادية سليمة تماما.
وتشمل هذه الأسباب الإصابة بسرطان الدماغ، وبعض الأمراض المتعلقة بالناحية العصبية كالصرع، وكذلك الممارسات التي تفتك بالجهاز العصبي والإدراكي للمريض مثل تعاطي المخدرات، أو بعض السلوكيات العلاجية غير المنضبطة، مثل تناول المسكنات القوية بصورة مبالغ فيها.
وتتسبب بعض الأمراض في الإصابة بمتلازمة أليس، وعلى سبيل المثال الذين يصابون بصداع الشقيقة أو انفصام الشخصية، ويندرج معهم المصابون ببعض الفيروسات مثل فيروس إبشتاين- بار، المسبب لكثرة الوحيدات العدوانية، وينضم إلى هذه الأسباب إدمان الكحول، لأنه يتسبب في الهذيان الارتعاشي.

تختفي تلقائيا

يكشف العلماء عن عدم وجود علاج محدد لتلك الحالة الصحية، والتي يصاب بها المريض لبعض الوقت، قبل أن تختفي تلقائيا دون أن تتسبب في أضرار كبيرة، غير أنها تعالج عبر السيطرة على السبب المؤدي لها.
يجب على الأفراد المحيطين بالمريض وعلى القائمين على رعاية الأسرة عموما، متابعة الأحوال العامة لأفراد الأسرة، فمثلاً عندما يصل إلى علم الأم أو الأب من زملاء الابن، أنه يطيل النظر إليهم ويوسع حدقته، أو يدس وجهه بين كفيه ثم يصدر نحيبا وبكاء غير مبرر، كما أنه يتحاشى زملاءه، وتتكرر مرات غيابه عنهم، ثم رجوعه مرة أخرى مع تكرار هذا الموقف، فهذا ما يدفع إلى الإسراع في بحث الحالة ومعالجتها، لأن هذه الحالة تعبر عن متلازمة أليس في بلاد العجائب.

السخرية والاستخفاف

يزيد الحالة سوءاً أن كثيراً من الناس يتعاملون مع المريض بالمتلازمات، وخاصة متلازمة أليس في بلاد العجائب بنوع من الاستخفاف وعدم الأهمية.
ويؤدي هذا الأمر إلى جعل العلاقة بين المصاب وبين من حوله علاقة عدم اطمئنان، لأنهم يشعرونه بالإحراج والسخرية والضعف وعدم المسؤولية.
ويجدون رفضاً كبيرًا من المريض عند محاولة المساعدة، وكأنه يحاول التعويض عما لاقاه من ألم بسببهم، ومن نظرات الاستهجان وعدم احترام حالته.
ويعتبر الحذر لذلك واجبا، حيث إن الجميع معرضون لمثل هذا الخطر، وترتبط النجاة من هذه الحالة بحسن إدراك وتعامل الآخرين مع المصاب بمثل هذه الحالة.

تخطي الأزمة

لا يوجد علاج محدد للمتلازمة إلا أنها عادة ما تعالج عبر السيطرة على السبب المؤدي لها، فمثلا أدوية الشقيقة تمنع حدوث الشقيقة، ولكن لا تؤثر في منع حدوث الهلوسات البصرية، ومن الأدوية المستخدمة في العلاج مضادات الاختلاج ومضادات الاكتئاب، وكذلك حاصرات بيتا وحاصرات قنوات الكالسيوم مع برنامج غذائي معين.
يضاف إلى الخطوات السابقة أخذ قسط وافر وكاف من الراحة، مع الملاحظة الشديدة للمريض ومحاولة كسب ثقته وإقناعه بأهمية الحياة، لأن فقدان الثقة في الحياة، وكذلك رؤية عدم الجدوى في كل ما نقوم به، مسببات لابد من التخلص منها، فالحوار والاجتماعيات التي فقدها غالبا المريض بمتلازمة أليس في بلاد العجائب، يجب السعي إلى استعادتها وتمكين المصاب من التعايش معها مرة أخرى.

خطوة إيجابية أولى

تأتي فكرة الذهاب للطبيب كخطوة إيجابية أولى في معالجة متلازمة أليس في بلاد العجائب، وهنا يتوقف العلاج على دور الطبيب ومدى دقته في تشخيص الحالة، ومعرفة ما إذا كانت الحالة متدهورة بسبب تشابك وكثرة العناصر المؤدية لها أم لا.
ويوجد بعض الأشياء التي تؤدي إلى تعقيد الحالة وتشعب مضاعفاتها، على سبيل المثال معاناة المريض من الشقيقة، وكذلك الاضطرابات والتجارب المؤلمة الحياتية، أو الجمع بين ذلك مع كثرة استخدام المسكنات بشكل مفرط.
ويسهل على الطبيب المعالج الوصول بالحالات التي يمكن وصفها بالبسيطة، والتي تنشأ لعلة واحدة بها إلى بر الأمان، وذلك من خلال بعض الإرشادات البسيطة ثم الراحة.
ويتم في مرحلة التشخيص مراعاة التاريخ المرضي للمصاب، فتكرار الإصابة بالمرض أمر وارد ولكن بدرجات متفاوتة.
ويجب عدم إشعار المريض بالقلق حيال مرضه، بل تبسيط الحالة وتهوينها، وذلك حتى يكون العلاج مؤثراً وغاية في الإيجابية.

خيال بطعم الواقع

تم اكتشاف المرض لأول مرة في خمسينات القرن الماضي، بواسطة الطبيب النفسي البريطاني جون تود.
وأطلق الطبيب النفسي جون تود على هذه المتلازمة هذا الاسم عام 1955، احتفالاً بمرور 150عاماً على تأليف لويس كارول رائعته «أليس في بلاد العجائب».
وكان مؤلف الرواية الأشهر في أدب الطفل لويس كارول، ذكر في مذكراته أنه كان مريضاً بالشقيقة، وعانى هلاوس بصرية لازمته في نوبات الصداع، وهذه النوبات هي التي أحالها إلى فكرة روايته الشهيرة.
وتعتبر متلازمة أليس في بلاد العجائب إحدى أكثر المتلازمات العصبية سحراً، والمذكورة في الأدب الطبي التي من المحتمل ظهورها لدى 10% إلى 20% من السكان، وهي حادثة يعتقد أنها غير متكررة، وأنها تحدث مرات قليلة للأشخاص الأكثر تأثراً بها.