اضطراب التحول صدمة «تشل»الأعصاب والحواس

مقالات

يظهر مرض اضطراب التحول في صورة ضغط عصبي على الشخص المصاب، متمثلاً في حركات بدنية وأعراض جسدية ناتجة على الحالة النفسية، ولأن المشكلة يمكن أن تبدأ على هيئة أزمة عقلية أو عاطفية فسميت هذه الحالة بهذا الاسم، كأحد أنواع توصيف الحالات من خلال ربطها بالعلامات والأحوال المميزة لها.
تعرف هذه الحالة كذلك باضطراب العرض العصبي الوظيفي، وترتبط بالتعرض لأزمة عقلية أو حادث مليء بالخوف والرعب، ويرتقي إلى درجة الفزع، وهو ما يعرف باضطراب التحول، فعندما تصاب الساق مثلاً بالشلل بعد السقوط من مكان مرتفع، فالظاهر أنه لا توجد إصابة بدنية، ولكن الخلل الذي حدث هو اضطراب تحول.
وتبدو علامات وأعراض الاضطراب التحولي بلا سبب بدني أساسي، وكذلك لا يمكنك التحكم فيه، وهنا يبدو واضحاً على المريض عدم القدرة على التحكم في الحركة أو في الحواس عموماً، وعلى سبيل المثال لا يستطيع المشي أو الابتلاع، بل ويصل الأمر إلى حد عدم القدرة على الرؤية أو السمع.
ونتناول في هذا الموضوع مرض اضطراب التحول بالتفاصيل، مع كشف العوامل والمسببات التي تؤدي إلى هذه الحالة، بالإضافة إلى تقديم الأعراض التي تظهر، وطرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

تظهر وتختفي

تختلف أعراض اضطراب التحول من حيث الشدة، فهي من الممكن أن تظهر وتختفي دون الإحساس بأي مشكلة، أو تلازم المريض بصفة دائمة، أما من حيث عمر المصاب ومدى ارتباط ذلك بمقدار الضرر، فإن تعرض الأطفال لها وحجم الضرر يكون أقل مقارنة بالمراهقين والبالغين، وذلك وفقاً لما قاله بعض الخبراء، ومن المبشرات أن الحالة يمكن السيطرة عليها بشرط الإدارة الفورية والمناسبة للحالة المرضية.
وبرز مفهوم اضطراب التحول في نهاية القرن التاسع عشر، عندما ركز بعض العلماء دراساتهم حول هذا المرض، وتظهر النتائج السريرية تعارضاً بين الأعراض التي يعاني منها المريض من جهة، وبين الحالات العصبية أو الطبية المعروفة من جهة أخرى.

إعاقة حركية

تعوق علامات وأعراض التحول، الحركة لدى المريض، وكذلك التحكم في الحواس بشكل كبير، وتختلف أعراض اضطراب التحول في قوتها ومدى تأثيرها، حيث تظهر وتختفي في بعض الأحيان، وفي أوقات أخرى تكون مؤلمة ودائمة، وهذه العلامات والأعراض الخاصة بمرض اضطراب الحركة التحولي يمكن أن تحدث فجأة، بعد حادثة كبيرة أو التعرض لصدمات جسدية أو نفسية، وهناك علامات تؤثر في الغالب على وظيفة الحركة يمكن حصرها.
ويأتي في مقدمة هذه العلامات والأعراض، الضعف أو الشلل، وحركة غير طبيعية مثل الرعاش أو صعوبة المشي، وكذلك فقدان التوازن وصعوبة البلع، أو غصة في الحلق ونوبات أو تشنجات، وكذلك نوبة من عدم الاستجابة.
ويبرز من علامات وأعراض الاضطراب التحويلي أيضاً التنميل في الجسم لدى المريض، أو فقدان حاسة اللمس، وكذلك مشكلات في التخاطب والتواصل مع الآخرين مثل عدم القدرة على الكلام أو تلعثم في النطق.

مشاكل السمع والإبصار

تمتد الأعراض حتى تسبب مشكلات تؤثر على قدرة المريض في الإبصار، مثل الرؤية المزدوجة أو العمى، وكذا الحال بالنسبة للسمع الذي يصل إلى حد الصمم، فالاضطراب التحولي هو حالة يظهر فيها الضيق النفسي لدى المريض على شكل أعراض جسدية.
ويجب التحذير من عدم أخذ كلام المصاب على محمل الجد، لمجرد أننا نراه سليماً بلا آثار جسدية بارزة، بل يجب الإنصات إليه جيداً، لأن هناك مشكلة على وشك البروز، ويتحدد حلها بالإدارة الفورية والمناسبة لها كذلك.
وتتواصل علامات وأعراض الاضطراب التحولي لتشمل سلس البول ومشاكل في التوازن، وتعزى كل هذه الأعراض للاضطراب التحولي، وذلك عندما لا يتوفر لدينا أي تفسير علمي للحالة التي يكون عليها المصاب.

النظريتان النفسية والبيولوجية

يمكن تفسير الاضطرابات التحولية بعدة اتجاهات من أهمها النظرية النفسية، حيث ترى هذه النظرية أن الاضطرابات التحولية ما هي إلا تعبير رمزي لصراع نفسي مميز، فالصراع اللاشعوري تحول إلى أعراض جسدية من أجل حفظ الصراع وتقليل القلق.
وتأتي بعد ذلك النظرية البيولوجية، حيث هناك أدلة على أن الأعراض والعلامات التحولية تترسب بواسطة الإثارة الزائدة على الحد في قشرة الدماغ، والتي تدفع بدورها إلى تحرك إشارات إعاقة تفاعلية، وهذه الإشارات المعوقة تنتج عن معلومات سلبية بين فصوص المخ.
وتقدم لنا النظرية التالية تفسيراً لمرض اضطراب التحول، وهي نظرية التعلم، فالطفل عندما يرى ارتباطاً بين المرض وحسن المعاملة، بل وزيادة الاهتمام نتيجة الشفقة عليه، فإنه يجعل ذلك سلاحاً ووسيلة داعمة للوصول إلى دوام هذا الاعتناء به.

للثقافة دور

تلعب الثقافة أيضاً دوراً فاعلاً في حدوث الاضطرابات التحولية، بسبب التعامل الخاطئ مع الأمراض النفسية، حيث إن كل علة نفسية أو إعاقة تحدث لشخص سليم بدنياً، ما هي إلا سحر أو إصابة عين حاسد، هذا فضلاً عن تقبل المجتمع في بعض الفئات للخضوع للمشعوذين، الذين يغذون ببراعة الإحساس بالإصابة بالسحر والأعمال، التي يراد منها تقييد الشخص وإعاقته عن ممارسة حياته.
ويشير الباحثون إلى أنه حتى الآن لا يعرف السبب الدقيق وراء الإصابة باضطراب التحول، إلا أن منطقة الدماغ التي تتحكم في العضلات والحواس لها نصيب كبير في إحداث هذا الخلل، ولا يستبعد أن يكون للطريقة التي يتفاعل بها الدماغ بشكل فوري مع أي شيء يحدث، ويبدو له كأنه تهديد يجب اتخاذ اللازم حياله.

النساء أكثر إصابة

تتصدر النساء مقدمة الأشخاص الذين يمكن أن يصابوا باضطراب التحول، وخاصة من يتعرضن لاضطرابات القلق أو تغيرات في الحالة المزاجية، أو اضطراب فصامي، ويأتي في المقدمة أيضاً هؤلاء الذين يعانون من مرض عصبي، من شأنه أن يسبب أعراضاً مشابهة مثل الصرع.
لا يمكن كذلك إهمال التاريخ المرضي لعائلة المريض بالاضطراب التحولي، بل للمريض ذاته مثل تعرضه لاعتداء جسدي أو نفسي، وكذلك الإهمال في فترة الطفولة وسن المراهقة، أو بداية البلوغ، فعلى الرغم من أن هذا الاضطراب من المحتمل حدوثه لأي شخص في أي مرحلة عمرية، إلاّ أن هذه الأعمار أكثر عرضة للإصابة به.
ويأتي في نهاية الأسباب الصعوبات التي يتعرض لها الشخص مثل الصعوبات المادية، وكذلك التأخر في طلب العلاج والإهمال حتى تتفاقم الحالة، ويتحول العلاج في هذه الحالة من ممكن إلى مستحيل.

صراع مع الوقت

يمكن لأعراض اضطراب التحول أن تؤدي إلى إعاقة كبيرة، وذلك في حالة إذا لم تعالج بسرعة كافية، وعند الوقوع في هذه المشكلة فإن مضاعفات المرض تتبلور في إصابة بالشلل أو الصمم والعمى.
ويجب السعي للحصول على رعاية طبية فور ظهور علامات وأعراض اضطراب التحول، فإذا اتضح أن السبب الرئيسي يكمن في مشكلة بدنية، فعندها يكون التشخيص والعلاج السريع أمراً في غاية الأهمية، وإذا تأكدت الإصابة باضطراب التحول فمن الممكن أن تساعد المساعدة النفسية في القضاء أو التقليل من الأعراض ومنع النوبات المستقبلية.

الإرشاد النفسي الأساس

يشير الأطباء والأخصائيون إلى أنه لا توجد فحوصات خاصة ومحددة لتحديد إصابة الشخص بهذا الاضطراب من عدمها، حيث إن الطبيب يقوم بإجراء الفحوصات بناء على الأعراض التي يشعر بها المصاب، فهذا المرض ليس سهلاً، لأن أعراضه تتشابه مع الكثير من الأعراض العضوية.
ويعد عامل الوقت هو المؤشر الإيجابي لتحسين أعراض اضطراب التحول في حالة البدء فورا في المعالجة، والإدارة الجيدة والمناسبة للأزمة، فالطبيب المعالج للحالة حين يحرص على طمأنة المريض يحدث تحسن إيجابي ملحوظ، فالمعالجة والإرشاد النفسي من عوامل العلاج المهمة، ويتم ذلك بالاستعانة بطبيب نفسي ماهر في التعامل مع الحالات المرضية من هذا النوع.
ويعتني الطبيب المعالج بعد ذلك باستخدام المواد المهدئة ومضادات القلق والاكتئاب، ثم يأتي دور العلاج الطبيعي حيث يساعد على الوقاية من هذا الاضطراب.
وتتحسن معظم حالات الاضطراب بدون الحاجة للعلاجات الدوائية، لأنه كما سلف يعتبر عامل الإصابة نفسي بالدرجة الأولى، أما الأدوية والعقاقير فيتوقف العلاج بها على نوع الحالة والتاريخ المرضي لها.

الجميع في خطر

أكدت دراسة حديثة أنه نظراً لاختلاف الثقافات والأدلة التشخيصية، فإن نسبة الإصابة باضطراب التحول تتراوح ما بين 5% إلى10%، وهي منتشرة بين المراهقين بمعدل 3 مرات، مقارنة بالمرحلة السابقة؛ أي مرحلة الطفولة.
ويأتي التنبيه أيضاً على أنها تكثر في عيادات الأمراض العصبية، من خلال سلسلة من الأعراض المجهولة بين 30 إلى 60% من المرضى، كما أن اضطراب التحويل يتطلب تقييماً طبياً دقيقاً، ومعظم المرضى لا يتقبلون فكرة زيارة المريض للطبيب النفسي بصدر رحب. وتقدر بعض الدراسات أن اضطراب التحويل يشكّل 11 إلى 22 حالة، من بين كل 100حالة نفسية جديدة.
وتشبه أعراض اضطراب التحول، كثيراً من الاضطرابات العضوية، كالجلطة الدماغية والتصلب اللويحي، والصرع ونقصان البوتاسيوم، ولذلك ينبغي دائماً استبعاد وجود مرض عضوي، من خلال الكشف والتحاليل المخبرية والتصويرية، أو التخطيط الدماغي. كما ينبغي من الناحية النفسية، استبعاد التمارض المتعمد وبقية مجموعة الاضطرابات النفسية الجسمية.