«التخلي عن الطفل» يضره نفسياً

مقالات

تعد متلازمة التخلي عن الطفل من الحالات النفسية والسلوكية التي تصيب الأطفال عند فقدان أحد الوالدين، ويمكن أن يكون هذا الفقدان اختيارياً من الآباء في بعض الأحوال، أو عندما ينفصل الطفل عن عائلته نتيجة ظروف خارجة عن إرادة الجميع، ولهذه الحالة تأثير بالغ في نفسية الطفل يمتد في بعض الأحيان إلى نهاية العمر.
ويعتبر اليتامى هم النموذج الأقرب لشرح هذه الحالة، والوالدان هما حائط الصد الأول الذي يقي الأبناء ويحميهم من المشاكل المرضية، فعندما يتعرض الطفل لأي عرض أو مرض جسدي أو نفسي يسرع الأبوان إلى المعالجة وتخفيف الآلام، وكلا النوعين من المرض العضوي والنفسي يؤثران في مناعة الطفل، ولكن المرض النفسي لا يقدر أحد عواقبه.
نتناول في هذا الموضوع متلازمة التخلي عن الطفل بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها، بالإضافة إلى كشف الأعراض التي تظهر، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتاحة والحديثة.

ثقافة الشكوى

يسهم المرض النفسي بشكل سلبي في حياة الأشخاص عموماً، إذا تمكن من المريض، وكذلك الأمر عند الأطفال، وتكمن المشكلة في أن الطفل لا يستطيع ولا يملك ثقافة الشكوى من الألم النفسي، ولكن يظهر ذلك على سلوكه.
وتتوقف معرفة المرض النفسي لدى الطفل على درجة انتباه أحد البالغين له، ولذلك فإن متلازمة التخلي عن الأطفال تدفع الصغير إلى الإحساس بأنه غير مرغوب فيه ولا أحد يبالي به، والمجتمع الذي تظهر فيه ارتفاع نسبة الانفصال والطلاق تعاني أجيال كثيرة من الأطفال عندما تكبر متلازمة التخلي، وهي حالة نفسية سيئة.

معاناة غير جسمانية

يعاني الصغار الذين تصيبهم متلازمة التخلي عن الطفل ردوداً سلوكية غير عضوية الأثر، وخاصة في بداية حياتهم حيث لا يمكنهم التعبير عن الحالة التي تجيش في صدورهم وتؤرق حياتهم، وكل ما يعرفونه أنهم يشعرون بألم بطعم لاذع لا يحبون استمرار حياتهم على هذه الوتيرة.
ويعاني الأطفال مشاكل في الأكل والنوم والصحة العامة، لأن اليد التي كانت تقدم لهم ذلك بسهولة، والعين المحبة التي كانت تسهر على راحتهم لم تعد موجودة.
ويجد الأشخاص الذين يتولون رعاية الأطفال المصابين صعوبة في الاندماج، فلا يجد الطفل نفسه قادراً على التواصل بشكل إيجابي مع القائمين على رعايته.

البكاء عرض أساسي

تؤدي متلازمة التخلي عن الطفل إلى تباطؤ في تطور الصغير في عدة نواح، وعلى سبيل المثال التطور الحركي، فتطول مراحله عن المعتاد في مثل سنه، مثل مراحل الزحف والمشي والكلام والأكل وغيره.
ويصبح البكاء عرضاً أساسياً لدى الأطفال المصابين بمتلازمة التخلي، حيث يكثر البكاء والشعور الدائم بعدم الراحة.
ويكون الطفل أكثر تشبثاً بالآخر عند فقد أحد والديه، وبالتالي فلا يفارقه أبداً، ويلتصق به طوال الوقت، وإن كان الفقد أصاب العائلة كلها، فإنه يلتصق بأقربائه التصاقاً تاماً، وخاصة بالأشخاص المعروفين عنده.
يضاف إلى الأعراض السابقة بعض الحالات الفسيولوجية المرضية، مثل التبول اللاإرادي ومص الإصبع والشعور بالذنب.
وتظهر بعض الأعراض في مرحلة متقدمة من عمر الطفل، حيث يصبح بلا شخصية مستقلة قادرة على الفعل وتحمل النتائج، وكذا القدرة على اتخاذ القرارات، ولو كانت بسيطة.

مراعاة نفسية الطفل

يقودنا العلم بخطر متلازمة الأطفال إلى الـتأكيد على أهمية مراعاة نفسية الطفل، وخاصة حينما يقبل على مرحلة المراهقة، التي يجد فيها تغيرات كبيرة من الناحية الجسمية والفسيولوجية، وتتملكه عواطف وأحاسيس لم تمر عليه من قبل.
وتكمن المشكلة في الانتظار دون رعاية أو اهتمام، حيث تكون المحصلة شخصاً غير سوي يميل إلى الجنون أو الإصابة بمرض عقلي.
ويرى الطفل المصاب بمتلازمة التخلي أن الناس ينظرون إليه نظرة المنقوص دائماً، أي الذي يعاني نقصاً، فيقوم دائماً بمقاومة المجتمع من حوله كنوع من رد الاعتبار النفسي له، ودائماً ما يحلم الطفل بكوابيس تهاجمه أثناء النوم، مما يؤثر فيه تأثيراً مباشراً، وبخاصة في النواحي التعليمية حيث يقل تحصيله الدراسي.
ويمكن تلخيص الأعراض وتوضيحها في الاغتراب عن البيئة المحيطة به، والانسحاب من الأنشطة الاجتماعية والمقاومة تجاه الآخرين، والشعور بالذنب مع وجود الاكتئاب، والخوف وعدم اليقين، وكذلك نقص الطاقة والإبداع والغضب والحزن الدائم.

نفسي ودوائي

تعتبر معالجة متلازمة التخلي عن الطفل من الحالات التي لابد أن تتسم بالشمولية في العلاج، فحين يبدأ الطبيب في المعالجة بالأدوية لابد من مراعاة الجانب النفسي أيضاً.
ويقسم العلاج إلى نفسي ودوائي، ويعتبر العلاج النفسي الأكثر أهمية لأنه سبب نشوء المشكلة، ويتنوع بشكل كبير مع حالة الطفل المصاب بمتلازمة التخلي، حيث تشخص الحالة وتعطي الأدوية المطلوبة من مهدئات الأعصاب وغير ذلك، ثم تأتي الناحية النفسية لتقوم بالعلاج الباقي.
ويقع على الأهل إن وجدوا أو الأشخاص القائمين على رعاية الطفل المصاب بمتلازمة التخلي، عبء تعويض الطفل عما فقده، وتوصيله إلى عدم الشعور بالفقد، وتبديل مشاعر الخوف بالأمان والرعاية والحنان، حتى يشعر الطفل أن ما فقده موجود ولم يذهب.

أمران صعبان

يجب في حالة استجابة الطفل الإسراع في معالجة الضعف، من خلال تقديم الفيتامينات والأغذية، التي تزيد القوة وكذلك المناعة، فقوة الجسد ونشاطه يمثل مقاومة عالية للمشاكل النفسية، بحيث يصير الطفل قادراً على المواجهة.
وينصح المتخصصون في العلاج النفسي بالتعامل الحذر مع الطفل المصاب بمتلازمة التخلي، ومحاولة مساعدته على التعبير عن مشاعره وعواطفه، فالفرق معلوم بين الكبير والصغير، حينما ينتابه الألم النفسي، وهو التعبير عنه والقدرة على اجتيازه، وهما أمران صعبان على الطفل لضعف قدراته وقلة خبراته.
وتبرز صفتان متلازمتان يكون الطفل في حاجة إلى دعمهما في مرحلة العلاج النفسي، وهما الإحساس بالأمان والشعور بأن هناك من يستطيع حمايته من أي خطر، وهذان العاملان هما محل الاختبار الذي لابد أن ينجح فيه القائمون على معالجة الطفل، ولا يتسنى لهم ذلك إلا بالصبر والتنظيم ما بين العلاج الدوائي والنفسي معاً، دون التهاون بترك أحدهما اعتماداً على الآخر، حيث إن الاهتمام بالذهاب للطبيب وإحضار الدواء، هو جزء من إعادة البناء النفسي للطفل المصاب بمتلازمة التخلي.

طرق مبتكرة

تتوافر عدة طرق مبتكرة ومجربة تساعد الطفل على تجاوز الأزمة، منها إخبار الطفل ولو بصورة تدريجية حذرة أن أحد الأبوين قد فارق الحياة، وكذلك القريب أو من كان فقده هو المتسبب في الحالة، وكذلك بإمكاننا أن نستخدم طريقة الرسم، وذلك برسم الوالدين والإخوان مثلاً، ونشرح لهم كيف اختفى أحد الأشخاص بالموت.
يمكن كذلك استخدام القصص في توصيل المعلومة للطفل بصورة تطمئنه على من فقده، بأن نحدثه عن الجنة حتى يحبها، ثم نخبره أن هذه الجنة التي نريدها جميعاً ذهب إليها من فقده، وهم في انتظاره ويريدون منه أن يكون سعيداً ونشيطاً.
ويتم إشباع عاطفة الطفل بالحنان والرعاية، إذا كان الطفل في مرحلة العامين، أما إذا كان ما بعد ذلك إلى السابعة، وهي الفترة التي يتمركز فيها الطفل حول نفسه، فلابد من شغله بالألعاب والحوافز والجوائز، وكذلك التعرف إلى صداقات جديدة وشغل تفكيره دائماً.
وتأتي مرحلة ما بعد السابعة إلى الحادية عشرة، وفيها يكون الطفل وصل إلى درجة ذهنية وعاطفية عالية، تمكنه من تقبل خبر الوفاة وتحفزه بأنه صار رجلاً ويمكنه التحمل، فهذا يجعله يحاول التماسك والتفهم حتى لا ينظر إليه على أنه مازال طفلاً.
وينبغي أن يحذر المتعاملون مع الطفل المصاب بمتلازمة التخلي من أن يزيدوا من الاهتمام به لدرجة الدلع، لأن الأمر ينقلب إلى حالة مرضية أخرى تجعل الطفل غير متزن، فالمعاملة والاهتمام لابد أن يكونا بحساب، يحفظ على الطفل شخصيته فلا تكون منطوية ولا مستهترة غير قادرة على تحمل المسؤولية، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى أنانية مفرطة.

قوانين صارمة

أثبتت دراسة حديثة أن البيئات التي تكثر فيها القوانين الصارمة في معالجة المشاكل الأسرية، من خلال حرمان الآباء من أبنائهم، وكذلك التي يحصل فيها عدم استقرار أمني، تكثر فيها الإصابات بحالات متلازمة التخلي عن الأطفال، فمثلاً في روسيا والصين يرتفع لديهما معدل الأطفال المتخلى عنهم جسدياً.
وصدر تقرير عن منظمة هيومن رايتس عام 1988 وجدت فيه أنه يتم تهجير أكثر من مئة ألف طفل سنوياً من روسيا، بحيث يحدث فصل الأطفال عن آبائهم وأمهاتهم والعكس، وكما سبق التوضيح فالنتيجة نفسها تحصل بسبب بعض القوانين.
وتزيد المشكلة أيضاً في حالة انعدام الأمن المالي، والتحديات العقلية والبدنية للطفل، وسياسات تحديد النسل في بعض الأحيان، وأخيراً فقدان الوالدين غير الطوعي بالطلاق أو الوفاة، فالطفل الذي يصاب بمتلازمة الفقد دائماً ضحية لظروف لا دخل له بها، ولذلك وجب أخذ الأمر على جانب كبير من الأهمية، حينما نريد الوقاية والتي تتحقق عن طريق نشر الوعي لدى المجتمع.