حلول لــ متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج

مقالات

يولد طفل متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج وهو مصاب بهذه المشكلة، فهو مرض يحدث أثناء تكون القلب في الرحم، بدءاً من الأسبوع الثالث للحمل، وحتى بدء خفقانه بالأسبوع السادس، ويكون النصف الأيسر من قلب الطفل المريض غير مكتمل النمو عند الولادة. ويقوم النصف الأيسر من القلب بضخ الدماء المحملة بالأكسجين إلى سائر الجسد، ما يعني أن مريض متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج سوف يعاني ضعف عمل القلب؛ حيث يعمل نصفه الأيمن فقط، الذي يقوم بوظيفتي سحب وضخ الدماء للجسد.
ومفهوم نقص التنسج هو عدم اكتمال نمو أحد أعضاء الجنين أثناء الحمل، ويصيب الكثير من أعضاء الجسم، والمتلازمة هي مجموعة من الأعراض والعلامات المرضية، التي تحدث مع بعضها، وتدل على مرض معين.
يقول الدكتور في. جي. سباستيان، استشاري أمراض القلب: يعد هذا العيب مرضاً معقداً، ويحتاج إلى تدخل طبـــي عاجل، وعدة جراحات حتى يعيش الطفل، ولابد من منع انغلاق القناة الشـــريانية، التي تغــلق طبيعياً بعد الولادة بساعات؛ للحفاظ على حياته.

القناة الشريانية

تعمل القناة الشريانية بجسم الجنين خلال الحمل على نقل الدم للمشيمة؛ ليتخلص من ثاني أكسيد الكربون، ويحصل على الأكسجين؛ إذ لا تعمل رئتا الجنين أثناء الحمل.
ويصل الدم المؤكسد من الرئتين إلى الأذين الأيسر، وينتقل عبر صمام ثنائي إلى البطين الأيسر، الذي يضخه إلــــى جميع أنحاء الجسم لتحــصل الخـــــلايا على طاقتها من الأكسجين وتتخلص من ثاني أكسيد الكربون، وتسمى هذه العمــلية بالدورة الدمــــوية الكبرى.
ويعود الدم محملاً بثاني أكسيد الكربون إلى القلب، الذي يضخه عبر البطين الأيمن إلى الرئتين، ليحدث بهما التخلص من ثاني أكسيد الكربون والحصول على الأكسجين.
ويعد القلب مضخة شديدة القوة تسحب وتضخ الدماء ولا تتوقف عن العمل طوال الحياة، ولا يقتصر دوره على نقل الأكسجين؛ بل إنه يضخ الدماء عبر أجزاء المعدة والجهاز الهضمي، لنقل العناصر الغذائية الممتصة من الطعام، وتحقيق استفادة الجسم منها أوتخزينها.

التكرار محتمل

يضيف الدكتور سباستيان لا يعرف سبب حدوث نقص في نسيج القلب وعدم اكتمال نموه، ويرى بعض العلماء أنه ربما يكون ناتجاً عن عيب وراثـــي أوكروموســـومات غير طبيعية، أوتعرض الأم لسموم بيئية وهي الكيماويات والإشعاعات والأدخنة الخطرة بالجو.
ويعني إنجاب أم لطفل مصاب بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج احتمالية إنجابها لأطفال آخرين قد يصابون بنفس المتلازمة أوبإحدى مشاكل القلب الأخرى.
ويبحث بعض الأطباء في صحة العلاقة والارتباط بين إصابة الجنين بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج، وإصابة الأم بالتهاب الحلق العقدي التي تحدث نتيجة بكتيريا معدية، ويدرس أطباء آخرون علاقة المرض بوجود أي أجسام مضادة في دم الأم تؤثر في الجنين، ولكن من المبكر إعطاء أي نتائج من هذه الدراسات.

صمامات القلب

ويقول الدكتور أحمد الجبوري مختص أمراض القلب: يكون البطين الأيسر أصغر من الطبيعي أوغير موجود في بعض حالات متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج، وهو ما يتسبب في عدم تمكن القلب من مد الجسم بالدم المؤكسد، كما لا يعمل الصمامان الأورطي والميترالي الموجودان في يسار القلب بشكل سليم.
ويعد الصمام الميترالي من أهم صمامات القلب؛ إذ يفصل بين الأذين الأيسر والبطين الأيسر للقلب، ويمنع عودة الدم المؤكسد إلى الرئتين عند انقباض القلب، ما يجبر الدم على الاندفاع في الشريان الأورطي إلى بقية أنحاء الجسم.
ويتأثر الشريان الأورطي عند المواليد المصابين بمتلازمة نقص تنسج أيسر القلب، فيكون أصغر حجماً وتقل كفاءة الصمام الأورطي الفاصل بينه وبين بطين القلب الأيسر.

الثقبة البيضوية

تختلف مسارات دم الجنين عنها بعد الولادة؛ إذ توجـــد القناة الشريانية التـــي تصل بين الشريان الرئـــوي والشريان الأورطــي، كما توجد الثقبة البيضــوية، وهـــي ثقـــب طبـــيعي يتكون فـــي نهاية الأسبوع الرابع للحـــمل بين أذيني القلب، ما يسمح بمرور الدم بينهما.
وتنغلق الثقبة البيضوية طبيعياً بعد الولادة وتضمر وتتلاشى القناة الشريانية بعد الولادة، وهو ما لا يصلح مع مولود متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج؛ لأنه دون القناة الشريانية والثقبة البيضوية لن يتمكن جانب القلب الأيمن من مساعدة الجانب الأيسر الضعيف والعاجز عن تأدية وظيفته، ما يحتاج للتدخل الجراحي فور ولادة الطفل وملاحظة الأعراض عليه.

الصدمة والوفاة

يضيف الدكتور الجبوري يولد أطفال متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج وهم بحالة إرهاق وتعب، ويظهر عليهم زرقة بالجلد وميله للون الرمادي، وصعوبة التنفس وسرعته وبرودة في اليدين والقدمين، مع النعاس الزائد وانعدام النشاط، ويكون المولود ضعيف الشهية ونبضه ضعيف رغم ارتفاع معدل ضربات القلب.
يعني انغلاق الثقبة البيضوية والقناة الشريانية لمولود متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج تعرضه للصدمة والوفاة، وتعرف هذه الحالة من برودة جلد الطفل ورطوبته وشحوبه أوتحوله للون الرمادي، وضعف النبض وسرعته وتحول التنفس لسريع أوبطيء، مع اتساع حدقتي العينين وشحوبهما مع كونهما تبدوان وهما تحدقان.

ملاحظات مبكرة

يتمكن الأطباء من ملاحظة الكثير من حالات متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج قبل الولادة، وأثناء الفحوصات المعتادة للجنين بالموجات فوق الصوتية، فيظهر أن القلب غير طبيعي؛ وذلك بدءاً من الشهر الرابع للحمل، وفي هذه الحالة يوصي الطبيب بأن تكون الولادة بمستشفى به قسم لجراحات القلب.
ويلاحظ الطبيب المشرف على الولادة زرقة بشرة الوليد وصعوبة تنفسه، أويسمع صوت لغط القلب الذي يدل على وجود مشاكل في تدفق الدماء من القلب وإليه، ما يعني احتمال إصابته بعيب.
ويكشف التصوير بالموجات فوق الصوتية صغر حجرتي القلب على جانب القلب الأيسر، وخاصة البطين الأيسر، والشريان الأورطي، ما يعني إصابته بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج.
ويظل الطفل الذي عولج بالجراحة في صغره سهل التعرض للتعب والإرهاق من أي رياضة، ومهدداً بالكثير من المضاعفات المتعلقة بالقلب من اضطرابات نبضات القلب، واحتمالية تكون الجلطات التي تؤدي للانصمام الرئوي أوالسكتة الدماغية.
ويكون معرضاً للإصابة بالاستسقاء وهو تراكم السوائل في عدد من أعضاء الجسم خاصة في البطن والقدمين، وربما يحتاج إلى عمليات جراحية إضافية للجراحات التي قام بها في صغره.

جراحات بعد الولادة

أما الدكتور مورلي كرشنا مختص أمراض القلب التداخلية فيقول: يحتاج طفل متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج إلى إجراءات عاجلة جراحية ودوائية، ويحتاج إلى مجموعة جراحات تتم في أعمار مختلفة ومحددة من حياة الطفل.
ويعطى المولود المريض أدوية تساعد على تمدد الأوعــــية الدموية، وعـــدم انغلاق القناة الشريانية، ويتم توصيله بأنبوب لنقل السوائل الوريدية، ووضعه على جهاز تنفس، ما يضمن وصول ما يكفيه من الأكسجين، ومن الممكن أن يحتاج إلى أنبوب تغذية.
ويمر طفل متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج بثلاث جراحات، تكون الأولى في أول أسبوعين من حياته، ويتم فيها ترميم القلب وتركيب دعامة والقيام بتحويلات لمسار الدم حسب الحالة، ويعيدون فتح الثقبة البيضوية إذا كانت مغلقة، ويضيقون الشريان الرئوي للتقليل من تدفق الدم إلى الرئتين.

أزرق مع النجاح

يضيف الدكتور كرشنا: يخرج الطفل من العملية الأولى وهو مازال أزرق اللون، نتيجة اختلاط الدم المؤكسد مع المحمل بثاني أكسيد الكربون، وتزداد فرص بقاء الطفل على قيد الحياة، رغم أنه مازال معرضاً للوفاة نتيجة أي مضاعفات مفاجئة.
ويزيل الأطباء في الجراحة الثانية التحويلات السابقة في العملية الأولى، مع عمل أخرى جديدة تناسب عمر الطفل وحالته، حتى تتم الجراحة الثالثة والأخيرة، ويتم فيها عمل إعادة توجيه لمسارات الدم داخل القلب، لتكون أقرب ما يمكن إلى الطبيعي، فيصبح هناك مسار خاص بالدم غير المؤكسد ويصبح لون الطفل طبيعياً.

متابعة طول العمر

تحتاج الحالات الأكثر تعقيداً من متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج إلى زراعة قلب من متبرع، ويتم اللجوء إلى الأدوية والأجهزة حتى يتم توفيره.
يتابع مريض متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج مع طبيب قلب متخصص في العيوب طوال عمره، ويحتاج إلى أدوية من الممكن أن تزداد أوتتغير تبعاً للحالة، وربما يطلب الطبيب الابتعاد عن أنشطة بدنية معينة.
ويجب على أهل المريض أن يدعموا طفلهم ويتحدثوا مع الطبيب عن كل ما يخشونه، وعليهم تسجيل التاريخ المرضي لطفلهم، مع أي معلومات أخرى من الممكن أن تكون ذات أهمية كبيرة في يوم من الأيام.

إنقاذ حياة الصغير

تشير دراسة حديثة إلى أنه يصاب طفل من كل 3440 طفلاً بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج، وذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، ويحتاج الطفل الوليد إما لزراعة قلب من متبرع أو لسلسة الجراحات التصحيحية.
وتبين الدراسة أن طفل متلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج يمر بـ 3 جراحات لكي يتم إنقاذ حياته، تتم الأولى قبل إتمامه أسبوعين، والثانية من عمر 3 وحتى 6 أشهر، أما الثالثة فمن عمر 18 شهراً وقبل عمر 4 أعوام، حتى يتم التغلب على نسبة كبيرة من هذه العيوب.
وتختفي القناة الشريانية طبيعياً بعد نحو 72 ساعة أو أقل من ولادة الطفل، وهي تعمل على تغيير مسار الدم أثناء المرحلة الجنينية لعدم الحاجة لمروره بالرئتين قبل الولادة، ومن الضروري عدم انغلاق هذه القناة عند الوليد المصاب بمتلازمة القلب الأيسر ناقص التنسج.