ألم أسفل الظهر.. مشكلات شائعة يمكن علاجها

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يمتد أسفل الظهر من نهاية القفص الصدري، وتُسمى الفقرات القطنية، وتعد الإصابات، التي تتعرض لها هذه المنطقة من المشكلات الشائعة، التي يعانيها الأشخاص حول العالم، ويرجع ذلك لحمل الأوزان الثقيلة، أو بسبب الضغط والإجهاد أو السقوط المفاجئ، إلى جانب اتخاذ وضعيات غير سليمة للجسد لفترات طويلة، وخاصة أثناء ممارسة الرياضة وغيرها، وعلى الرغم من أن أعراضها تبدأ خفيفة على فترات، ولا تسبب أضراراً جسيمة أو آلاماً مزمنة، إلا أن الآلام، التي ترافقها تكون حادة، ولا يمكن احتمالها، كما أنها تتطور بشكل سريع خلال شهرين أو ثلاثة، ويمكن أن تصبح مزمنة إن لم تتم معالجتها بشكل صحيح.
تقول الدكتورة غيتا حارفي، المتخصصة في أمراض الروماتيزم، أن آلام أسفل الظهر تظهر عادة؛ بسبب حمل أشياء ثقيلة أو ممارسة الرياضة العنيفة؛ ما يسبب إجهاداً للعضلات، وفي بعض الأحيان تحدث هذه الآلام؛ نتيجة للانزلاق الغضروفي؛ حيث يقوم الغضروف الممزق أو المنتفخ بالضغط على العصب الوركي، ويبدأ الألم من منطقة أسفل الظهر نزولاً إلى أحد الساقين وهو ما يُعرف ب«عرق النسا»، وفي بعض الحالات النادرة، ترجع آلام الظهر إلى التهاب الفقار الروماتويدي، وهو التهاب مفصلي مزمن، يصيب عادة مفاصل العمود الفقري والمفصلين الحرقفيين العجزيين، وهي التي تربط الجزء السفلي من العمود الفقري بالحوض، ويتم تشخيص وإدارة هذا المرض بواسطة مختص أمراض الروماتيزم.
تستكمل: تختلف نوعية آلام أسفل الظهر، فربما تترافق مع آلام حادة، أو باهتة، أو الإحساس بالاحتراق، وعادة ما يوصف الألم بالشعور بالوخز في المنطقة المصابة، وهناك أعراض أخرى مصاحبه للألم، كتقلصات عضلية خفيفة أو حادة ومحدودية الحركة، وفى حالات أخرى تشمل علامات الألم الشعور الحاد بالوخز أو الخدر؛ نتيجة لتهيج في العصب الوركي؛ حيث يبدأ الألم في أسفل الظهر مروراً بالأرداف والفخذين وحتى أسفل الساقين والقدمين (عرق النسا)، ووفقاً لسبب الألم، تختلف الوضعيات، التي تكون أكثر راحة للمريض، وعلى سبيل المثال، إن ما يحدث في التضيق الشوكي، هو تقليل الألم أو زواله عند الانحناء للأمام أو أثناء الجلوس، كما أكد بعض المرضى الذين يعانون آلام أسفل الظهر، على أن الأعراض تكون أسوأ في الصباح، وتنقص بعد النهوض والحركة، وربما يرتبط الألم في الصباح بالتيبس، وهو ما يُسمى بالتهاب أسفل الظهر، وعندما يحدث في سن الشباب وخاصة عند الرجال، يجب الوضع في الاعتبار احتمالية الإصابة بالتهاب الفقار الروماتويدي.

تشخيص ومضاعفات

ألم أسفل الظهر يمكن أن يستهدف جميع الفئات العمرية، ولا يوجد فرق بين الجنسين ماعدا في حالة الالتهاب الفقاري، الذي ينتشر أكثر بين الرجال، ويعتمد التشخيص على الفحص السريري، الذي تبين نتيجته الفرق في مسببات الإصابة الميكانيكية أو الالتهابية، وعادة ما يفيد التصوير بالأشعة السينية (X-Ray) للعمود الفقري في الكشف عمّا إذا كان هناك آفات العظام أو حدوث انزلاق غضروفي، كما أن هناك بعض الحالات التي تتطلب إجراء أشعة الرنين المغناطيسي(MRI) للعمود الفقري للتشخيص أكثر دقة، ويجب الانتباه إلى أن الإصابة بآلام أسفل الظهر؛ تؤثر في الحالة الجسدية والنفسية، فإذا تأخر العلاج في حالة الألم؛ بسبب الانزلاق الغضروفي، فإنه يمكن أن ينتج عنه تلف في الأعصاب، كما أن آلام الظهر الحادة هي السبب الرئيسي للإعاقة لدى الموظفين، الذين يتغيبون عن العمل لأخذ إجازة مرضية. ويمكن لآلام الظهر المزمنة أن تسبب أيضاً الاكتئاب والأرق، ويمكن أن تؤثر بشكل سلبي في الحياة الاجتماعية للمرضى.

طرق تأهيلية

يشير الدكتور وليام ديمايو استشاري الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل، إلى أن آلام أسفل الظهر تعود إلى عدة أسباب، وفي حين يكثر الحديث عن ألم القرص الغضروفي إلا أن أوجاع العضلات والأربطة هي الأكثر شيوعاً، وبغض النظر عن الإصابة الحاسمة، ثمة عدد من العوامل المهيأة المشتركة بين معظم مشاكل الظهر؛ حيث يساهم ضعف عضلات الجذع (عضلات البطن والخاصرة والظهر) وعدم مرونة عضلات الظهر، أوتار الركبة، وعضلات الفخذ القابضة في زيادة خطر الإصابة، كما تندرج الوضعيات والتقنيات الخاطئة ورفع الأثقال أو بذل الجهد ضمن أهم العوامل المسببة، وفي بداية الشعور بهذه الآلام يمكن لبعض تمارين التمدد والتقوية البسيطة أن توفر تحسناً كبيراً لمن يعانون آلام الظهر، وبالتالي، يمكن الحفاظ على نمط حياة حيوي، وتجنب أنشطة محددة تساهم في تحفيز الألم؛ لتفادي تطور آلام مزمنة في الظهر، كما أن الحصول على قسطٍ كافٍ من النوم يمثل عاملاً أساسياً للتعافي غالباً ما يتم تجاهله، وإضافة إلى ذلك، يساعد العلاج الحراري قبل ممارسة التمارين واستخدام الكمادات الباردة بعدها، والاستعانة بمضادات الالتهاب اللاستيرويدية في الحد من تشنج العضلات، الذي يرافق الالتهاب، ويعد العلاج الفيزيائي لألم الظهر المتكرر أو الذي يستمر لأكثر من أسبوعين فعّالاً في تلبية الاحتياجات الفردية للمرضى.

علاج فيزيائي

يؤكد د.وليام أنه من الضروري في بعض الأحيان إجراء جراحة؛ لمعالجة الضغط الذي يسببه القرص الغضروفي على العصب الفقري (الجذري)، لكنه يعد نادراً نسبياً مقارنة مع علاج الظهر غير الجراحي، وعادة ما يشمل «اعتلال الجذور» حدوث ألم في الظهر يتشعب إلى القدم، أما الألم الذي يتشعب إلى الفخذ، فغالباً ما يُعزى إلى سبب مختلف، وتُعد العلاجات غير الجراحية فعالة، وخاصة عند تهيج العصب الجذري؛ لذا ينبغي عدم التسرع في إجراء الجراحة، وفي حال كان القرص يضغط على العديد من الأعصاب مسبباً فقدان قوة الساق أو السيطرة على الأمعاء أو المثانة، عندئذٍ يتم إجراء جراحة فورية، كما يتم اللجوء إلى الحل الجراحي في حالات مستبعدة مثل عدم استقرار العمود الفقري، الذي يتطلب الدمج الجراحي.
يضيف: يعتمد العلاج الفيزيائي مبادئ مماثلة لتمارين التمدد والتقوية والحرارة والكمادات الباردة المذكورة أعلاه؛ لكنه يوفر خطة مخصصة لكل فرد من إعداد معالج محترف، وربما تكون الموجات فوق الصوتية (العلاج بالحرارة العميقة) والتحفيز الكهربائي وغيرها من الأساليب العلاجية المشابهة مفيدة؛ لكن التقويم الفيزيائي الفعّال للاضطرابات الموضعية والعضلية المسببة للألم هي مفتاح القضاء عليها ومنع تكرارها، ورغم أن العلاج الفيزيائي ربما يخفف من الأوجاع، إلا أن التمارين هي عادة ما تشكل العلاج طويل الأمد، ولكن الجلسات الرياضية برفقة مدرب خاص لا تكفي لحل المشكلة، إنما كثيراً ما يكمن العامل الأبرز نحو التعافي في تبني برنامج تمارين مخصص في المنزل.

الانزلاق الغضروفي

يفيد الدكتور رامي سلامة مختص جراحة العظام والمفاصل، أن الانزلاق الغضروفي هو خروج المادة الهلامية الموجودة داخل النواة اللبية في الغضروف، نتيجة تمزق الألياف الحلقية الخارجية المحيطة بها، ويسبب هذا الانزلاق ضغطاً على الجذور العصبية أو على النخاع الشوكي، ينتج عنه الشعور بالألم، وفي حالات كثيرة تكون الأعراض طفيفة ولا يشعر بها المريض، بينما تتراوح الإصابة عند آخرين في شدتها وفترة استمرارها، وتظهر العلامات عادة على شكل:
– الشعور بآلام شديدة في منطقة أسفل الظهر والمؤخرة وأسفل الساق.
– عدم المقدرة على المشي بشكل طبيعي؛ بسبب ازدياد الألم أثناء المشي، والشعور بتقلصات الظهر والساقين.
– مواجهة صعوبة في الوقوف لفترة طويلة.
– خدر ونمنمة الأطراف السفلية.
– حدوث بعض المضاعفات، كضمور عضلات الساق، وحدوث مشاكل في البول، كاحتباسه، أو عدم المقدرة على التحكم به.

أسباب الإصابة

يذكر د.رامي أن مسببات الإصابة بالانزلاق الغضروفي متعددة، وتعود إلى وجود مشاكل بنائية في الغضروف نفسه، أو في الأربطة التي تدعم الغضروف، وأيضاً حدوث ضعف عام في عضلات الظهر والأوتار والأربطة المدعمة؛ نتيجة لعوامل وراثية، أو عدم ممارسة الرياضات المقوية لعضلات تلك المنطقة، وكذلك تعرض الفقرات إلى ضغط زائد؛ نتيجة حمل الأثقال وتركيزها على منطقة الظهر والوزن الزائد، أو حدوث تصادم قوي في هذه المنطقة، جفاف الأقراص الغضروفية المتواجدة بين الفقرات؛ نتيجةً للتقدم بالعمر، الجلوس بطريقة خاطئة بشكل متكرر ولمدة طويلة دون إعطاء فترات استراحة أو تمارين إطالة.
يضيف: يبدأ التشخيص بزيارة الطبيب المختص، وسماع التاريخ المرضي للمريض بالتفصيل، ويتبعه الفحص السريري الدقيق للجهاز العصبي، وإذا كان هناك اشتباه بوجود انزلاق غضروفي يتم عمل صور شعاعية؛ لتأكيد التشخيص مثل: الأشعة السينية، الرنين المغناطيسي، الصورة الطبقية، وأحياناً يتم استخدام حقن المادة الملونة في حالات معينة.

وسائل علاج

يوصي د.رامي جميع الأشخاص ممن يشعرون بأعراض الانزلاق الغضروفي التي تم ذكرها، إلى ضرورة التزام الراحة والتوجه إلى الطبيب المختص بأقرب فرصة؛ لكي يقوم بتشخيص حالته، وأخذ العلاج المناسب لوضعه قبل أن تزداد حالته سوءاً، فالعلاج المبكر يساعد بشكل كبير على أن يكون أسهل وأسرع، ولا تحتاج هذه المشكلة في أغلب الأحيان إلى العلاج بواسطة العمليات الجراحية، وهناك أكثر من طريقة للعلاج ومنها:-
– العلاج التحفظي، وذلك باستخدام العلاج الدوائي؛ لتخفيف الالتهابات والتورمات الناجمة عن الانزلاق الغضروفي، والمسكنات القوية التي تخفف الألم وتساعد على الاسترخاء، إضافة إلى الراحة، وممارسة التمارين الخفيفة والعلاج الطبيعي بأنواعه.
– الحقن بالإبر الموضعية، ويتم اللجوء لهذا النوع من العلاج في حالة عدم استجابة المريض للأدوية؛ حيث يتم إعطاء المريض مادة مسكنة للألم ومضادة للالتهاب حول الأعصاب المتضررة من الانزلاق الغضروفي، عن طريق الحقن المباشر في الظهر تحت التخدير الموضعي.
– العلاج الجراحي، وهو ما يتم الاستعانة به في حال عدم تحسن المريض بالعلاج الدوائي يلجأ الطبيب إلى العلاج الجراحي، وتتم هذه العملية الجراحية تحت التخدير الكلي؛ حيث يقوم الطبيب بالتخلص من الجزء الزائد الخارج؛ نتيجة الإصابة بالانزلاق الغضروفي في الظهر، ومسبباً ضغطاً على الأعصاب.

70 % من السيدات

أثبتت العديد من الدراسات أن آلام الظهر، تستهدف عدداً كبيراً من الأشخاص خلال المراحل العمرية، معظمهم من البالغين، كما أن نسبة كبيرة من النساء تعاني هذه الآلام بشكل مستمر، وخاصة خلال الشهور الأخيرة من الحمل بسبب زيادة وزن الجنين، بنسبة 50-70% من السيدات، كما يرجع السبب إلى فى بعض الحالات إلى ارتفاع الهرمونات، الذي يؤدي إلى ارتخاء المفاصل، وارتقاق الأربطة في منطقة الحوض، وربما تمتد إلى ما بعد الولادة لمدة 6 أشهر.