البدانة.. البوابة الرئيسية لمرض السكري

مقالات

اعتبر الأطباء أن البدانة من أهم أسباب الإصابة بمجموعة من الأمراض، يأتي على رأسها مرض السكري الذي خصصت له منظمة الصحة العالمية الرابع عشر من شهر نوفمبر/ تشرين الثاني من كل عام للتوعية بمخاطره، وهنا نتناول البدانة كإحدى أخطر الحالات التي تفضي للإصابة بمرض السكري.
يُقصد بمصطلح البدانة أو السمنة تراكم الشحوم بالجسم بطريقة متجاوزة للحد لا تخطئها العين، وإن أردنا تحديدها بشكل علمي فإن الشخص إن زاد وزنه عن الوزن الطبيعي بنسبة 20% يعتبر بديناً أو سميناً، وإن كان مؤشر كتلة الجسم لديه ما بين 25-29.9 يعتبر زائد الوزن، ولكنه يدخل في نطاق البدانة إن وصل المؤشر إلى 30.
يحصر البعض مضار البدانة في تأثيرها السلبي في المظهر، ولكن الأمر أكبر، فالبدانة لاعب رئيسي في الإصابة بكثير من الأمراض المزمنة والخطرة، كما تقف وراء كثير من المشكلات الصحية بطريقة غير مباشرة؛ وخرجت كثير من الدراسات بأنها مشكلة صحية في حد ذاتها، ويجب التعامل معها كمرض يتطلب العلاج.
تتعدد العوامل المؤدية لتراكم الشحوم بالجسم، فمنها ما هو مكتسب كنمط الحياة والنظام الغذائي والعادات السيئة، ومنها ما هو خارج على الإرادة كاضطرابات الغدد الصماء أو استخدام بعض العلاجات والتي لا يمكن الاستغناء عنها؛ وفي جميع الأحوال يجب الحد من زيادة الوزن ومحاولة ضبطه ضمن المدى الطبيعي، من خلال الطرق المناسبة كتغيير النمط الغذائي والحياتي، والتوقف عن العادات السيئة، وإن تعذر تحقيق الهدف بما ذكر فيكون آخر الدواء الكي، وهو التوجه إلى التدخل الجراحي، والذي تسبقه بالطبع بعض المحاولات الطبية غير الغازية للجسم.

الصحة قبل المظهر

يتجه التفكير عند اتخاذ قرار خسارة الوزن إلى المظهر الخارجي أولاً، وينحصر الاهتمام في جمال الهيئة والقوام، وربما ذلك هو السبب الخفي وراء صعوبة تحقيق خسارة الوزن.
يُنصح كل من يوجهون بضرورة خسارة الوزن بالتركيز على الجانب الصحي، وأن تحقيق ذلك الهدف المراد منه إنقاذ الصحة من آثار الوزن الزائد، وتجنب كثير من المشاكل الصحية والأمراض المزمنة المرتبطة بها، فعندما يكون الهدف من خسارة الوزن الجانب الجمالي يشعر الشخص البدين بأن الأمر اختياري، وربما تدخلت فيه عوامل أخرى كالعناد أو الإهمال؛ لاعتقاد أنه جانب لا يستحق التنازل عن الوجبات الدسمة، وقضاء الساعات الطوال أمام شاشة التلفاز أو الهاتف، ولكن إن كان التركيز على الجانب الصحي فإن الشخص البدين سوف يهتم بتحقيق الهدف؛ لينجو من تبعات الوزن الذي يحمله.

البدانة والاكتئاب

تكون البدانة في الأغلب مصحوبة بالاكتئاب، وتصح فرضيتان في ذلك، الأولى أن حالة الاكتئاب تتسبب في تناول المزيد من الطعام، ما يؤدي إلى اكتساب الوزن ومن ثم البدانة، والثانية أن البدانة تدخل الشخص في حالة من الاكتئاب لعدم رضاه عن مظهره؛ وفي جميع الأحوال فإنهما في الأغلب حالتان متزامنتان، ووجدت إحدى الدراسات أن من يعانون البدانة يكونون أكثر عرضة للاكتئاب بنسبة قد تصل إلى 20%، ما يشكل عبئاً نفسياً وجسدياً في آن واحد؛ وربما يشكل علاج البدانة علاجاً ذا حدين، فيتخلص الشخص من الوزن الزائد، وفي الوقت ذاته تتحسن حالته النفسية.

الغذاء ونمط الحياة

ما يتبادر إلى الذهن عند ذكر السمنة هو الأكل، سواء نوعيته أو كميته، وهو اعتقاد صحيح إن استبعدت العوامل الصحية الأخرى، ومما توصل إليه الباحثون في مجال حصر عوامل السمنة هو كثرة تناول الطعام في الوقت الحالي، على غير ما كانت عليه الأجيال السابقة، والتي كانت تكتفي بالقليل من الكمية والنوعية؛ لذلك كثرت الحاجة لاتباع نظام غذائي معين، أو ما يعرف بالريجيم.
انتشرت في الوقت الحالي، وكجزء من الحياة العصرية الوجبات السريعة والأطعمة الجاهزة، وهي مأكولات دسمة يضاف إليها ما لذ وطاب؛ لتحسين مذاقها دون اعتبار للضرر الصحي، وعلى رأسه اكتساب الوزن؛ لأن الأمر أولاً وأخيراً نوع من التجارة التنافسية بين المطاعم والمقاهي المختلفة، ويكون الضحية المستهلك، خصوصاً فئة الأطفال واليافعين.
اتسمت الحياة العصرية من ناحية أخرى بالخمول وقلة النشاط البدني؛ بسبب توفر وسائل التوصيل والإيصال، فإن الشخص إن أراد التوجه إلى مكان ما مهما بعد فإنه يصله بجهد بدني قليل؛ بسبب توفر وسائل النقل الخاصة والعامة، وجلّ ما يبذله هو الخطوات التي يخطوها من باب المنزل إلى السيارة ثم إلى جهته، ولا يختلف الأمر كثيراً عند استخدام وسائل النقل العام؛ أما الاحتياجات فأصبحت تقضى بضغطة زر؛ حيث يقوم المحل بإيصالها إلى طالبها، وهو عامل آخر للحد من النشاط البدني، إلى أن يجد الشخص نفسه وقد بات يحمل عبء الشحوم التي تراكمت من دون أن ينتبه لها.

الأمراض والأدوية

يجب عند محاربة البدانة الأخذ في الاعتبار الجانب الصحي للشخص البدين، وقبل إبداء ملاحظة على وزن شخص ما، معرفة ما إذا كان يعاني مرضاً معيناً أو مستخدماً لأدوية معينة، فكثير من حالات البدانة لا تنتج عن تناول الطعام بكميات زائدة، وإنما تنتج عن خطأ باستقلابه داخل الجسم؛ بسبب الإصابة بمرض، أو بسبب استخدام علاج من العلاجات الموصوفة لحالة مرضية يعانيها الشخص؛ وفي بعض الأحيان يلعب العامل الجيني دوراً في ذلك.
تحضر الغدة الدرقية بقوة عند الحديث عن البدانة المرتبطة بالأمراض، فأكثر الأعراض الشائعة والظاهرة لاضطراب الغدة الدرقية هو اضطراب الوزن، فينخفض بدرجة كبيرة، أو على العكس من ذلك، يزيد بدرجة كبيرة بحسب نوع الاضطراب.
تصعب خسارة الوزن إن استمرت البدانة لفترة طويلة، فتكون مثل مرض مزمن عمل داخل الجسم لزمن طويل؛ لذلك يجب محاربتها منذ مرحلة الطفولة، حتى يكون التدخل في وقت مناسب؛ ووجدت إحدى الدراسات أنه كلما زادت كمية الشحوم بالجسم أفرز الجسم موادّ تصعب حرق السعرات الحرارية.

ضرورة النوم الجيد

يضاعف عدم التمتع بالنوم الجيد ليلاً خطر الإصابة بالبدانة، ويمكن القول إن البدانة وقلة النوم تسيران جنباً إلى جنب؛ حيث وجدت الدراسات الحديثة أن قلة ساعات النوم ليلاً تؤدي إلى اكتساب الكبار والأطفال للوزن، وربما تبدو العلاقة غريبة، ولكن يعود تفسيرها إلى أن اليقظة أثناء الليل تغير نمط إفراز الهرمونات بالجسم، فيزيد إفراز الهرمون «جيرلين» المحفز للشهية، ويقل إفراز الهرمون «لبتين» المثبط لها.
يعد اضطراب الوجبات عاملاً من عوامل اضطراب وزن الجسم، ويشكل وقت النوم راحة بدنية مهمة تعيد ضبط الجسم، بحيث يقوم بوظائفه الحيوية على أفضل وجه خلال الليل، وخلال اليوم التالي، كما ينظم وقت تناول الوجبات؛ لذلك فإن حدوث خلل بتوقيت النوم يجر إلى خلل بتوقيت تناول الطعام فيزيد منها. تتطلب محاربة البدانة محاربة السهر كخطوة أولى، وإن كان الشخص يعاني الأرق فهنالك بعض الاستراتيجيات التي تساعده على الشعور بالنعاس والاستغراق في النوم بسهولة، كتهيئة الجو المناسب للنوم، والتوقف عن استخدام الهاتف قبل وقت كافٍ، وأخذ حمام دافئ، وغير ذلك من العوامل التي تساعد على الاسترخاء، وتهيّئ الجسم للنوم.

رصيد الطاقة السالب

يشيع السؤال عن كيفية خسارة الوزن، والشيء المتفق عليه هو أن يتناول الشخص البدين سعرات حرارية أقل من التي يحرقها، أما الطريقة التي يتم بها ذلك، فهي تختلف باختلاف العوامل المسببة للبدانة. يشدد الخبراء على أهمية رفع مستوى النشاط البدني، بجانب تغيير النظام الغذائي.
يجد الجسم أنه محاصر بنقص في الموارد (السعرات الحرارية المتناولة)، مقابل زيادة في الاستهلاك (السعرات الحرارية المحروقة)، وكلما زاد النشاط الحركي من خلال الرياضة وغيرها مع التقليل من الطعام، كان رصيد الطاقة بالسالب، فيضطر الجسم إلى سحب طاقة من الشحوم المختزنة به؛ ليوازن الخلل، وبمرور الوقت يسحب الكثير من الشحوم المختزنة المسببة للوزن الزائد، فيتراجع الوزن بدوره، ويعود إلى النطاق الطبيعي.

جراحة البدانة

تفشل في بعض الأحيان محاولات خسارة الوزن بالطرق الاعتيادية فيلجأ الشخص إلى استخدام العقاقير الموصوفة بأنها تساعد على تحقيق ذلك الهدف ولكن كثيرة هي المحاذير المتعلقة بها، فإن لم تكن تسبب ضررا صحيا آخر فهي عديمة الفائدة، وربما تجعل الشخص يعتمد عليها ولا يقوم بما هو مطلوب منه من توازن غذائي وحركي فيجد نفسه وقد اكتسب الوزن بدل أن يخسره.
يبقى الحل الأخير وهو التدخل الجراحي لعلاج السمنة والذي وجد أنه فعال في حالة البدانة المزمنة ونتج عنه تراجع كبير في خطر الإصابة بأمراض القلب وبعض الأمراض الأخرى التي كان المرضى على درجة كبيرة من القابلية للإصابة بها. تعد جراحة علاج البدانة المعروفة بتكميم المعدة من أكثر الأنواع شيوعاً، ويتم فيها إدخال أداة من السيليكون قابلة للنفخ بحيث توضع حول أعلى المعدة لجعلها أصغر حجماً، وأحياناً يتم تصغير المعدة بواسطة قطع جزء منها. توجد طرق جراحية أخرى لإحداث تغيير بالقناة الهضمية فيقوم الأطباء في بعض الأحيان بإجراء ما يعرف بتحويل المسار الذي يقلل شهية البدين بدرجة كبيرة كما أن الجسم لا يتمكن بعد ذلك من امتصاص جميع المغذيات وهو إجراء ينصح به في كثير من الحالات.