سرطان الرئة.. الورم القاتل

مقالات

يعد سرطان الرئة من أكثر أنواع الأورام الخبيثة انتشاراً، بعد سرطان الجلد وسرطان الثدي لدى النساء، وسرطان البروستاتا عند الرجال، وهو من أكثر الأنواع التي تسبب الوفاة.
ويحتل هذا النوع من السرطان، النسبة الأعلى ضمن الوفيات الناتجة عن هذا المرض، لذلك خصصت منظمة الصحة العالمية شهر نوفمبر من كل عام للتوعية بأخطاره، وكغيره من أنواع السرطان يحدث المرض على مستوى جينات الخلية، فتنقسم وتتكاثر بجنون وسرعة غير طبيعية.
وتكون الخلايا السرطانية غير طبيعية، وهو ما يجعلها لا تؤدي وظيفتها في موقعها، فلا تكوّن نسيج رئة سليماً؛ بل تتكاثر حول بعضها متخذة عدة أشكال، وربما تصيب ما حولها من أنسجة طبيعية فتسرطنها.
ويمكن أن ينتشر بالرئتين، ومن ثم تتناقص قدرة الرئتين على القيام بدورها في تزويد الجسم بالأكسجين، والتخلص من ثاني أكسيد الكربون.
ونتناول في هذا الموضوع سرطان الرئة بالتفصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، والأعراض التي تظهر وطرق الوقاية والعلاج المتبعة والحديثة للشفاء من هذا المرض.

آلية تكون السرطان

تتجدد خلايا جسم الإنسان دائماً، فتموت الخلايا القديمة وتحل محلها خلايا جديدة، وتتم عملية الإحلال والتجديد في جسم الإنسان بشكل دقيق ومتناسق وطبيعي.
وتتسارع وتيرة تكوّن الخلايا الجديدة في بعض الأحيان عن العدد المطلوب، وتتكاثر بصورة جنونية مكونة كتلة تدفع ما حولها من خلايا طبيعية، وحينها يكون الورم الحميد.
وتنتقل الخلايا المتكاثرة بطريقة غير طبيعية إلى أنسجة أخرى قريبة أو بعيدة عن مكان ظهورها الأوّلي، وتبدأ في تدمير الخلايا الطبيعية لتحل محلها، وهو ما يسمى بالسرطان.
ويعتبر السرطان مرضاً على مستوى وحدة بناء الشخص الأولية وهي الخلية، والتي تتكاثر بالانقسام، فيصيب السرطان جيناتها بالجنون، فتتسارع عملية الانقسام بطريقة لا يمكن السيطرة عليها، ولا الحد من انتشارها، أو انتقال جنونها إلى مناطق مجاورة، أو غير مجاورة من جسم الإنسان.
ويصيب السرطان كل الأعمار حتى الأجنة في بطون أمهاتهم، وإن كانت احتمالية الإصابة به تزداد مع التقدم في العمر، واحتمالية النجاة منه تزيد كثيراً مع الأطفال، ويصيب السرطان كل أجزاء الجسم من العظام إلى الأعضاء والأنسجة والدم والجلد.

أنواع عديدة

تختلف أنواع سرطان الرئة، فهناك نوعان رئيسيان، الأول: سرطان الرئة صغير الخلايا المسمى كذلك بسرطان خلايا الشوفان، وذلك لأن الورم فيه يأخذ شكل سنبلة الشوفان.
وتنمو الخلايا السرطانية بشكل أبطأ في هذا النوع، ويوجد في 80% من المصابين بسرطان الرئة، والنوع الآخر الذي تتفرع عنه أنواع كثيرة هو سرطان الرئة غير صغير الخلايا، والذي يوجد لدى 20% من مصابي سرطان الرئة.
وتنمو خلايا هذا النوع بشكل أسرع وتهاجم الخلايا الطبيعية بعدوانية أكبر، ولكل نوع من هذه الأنواع طريقته في الانتشار، وكذلك في التعامل الطبي معه، ويكشف فحص الخلايا تحت المجهر عن نوعية سرطان الرئة بجسم المريض.

ورم بانكوست

ينشأ أعلى الرئة من ناحية الكتف، نوع كبير نسبياً من أنواع سرطان الرئة غير صغير الخلايا، ويسمى بورم بانكوست أو متلازمة بانكوست، وسمي بذلك نسبة إلى طبيب الأشعة الأمريكي هنري بانكوست الذي لاحظه على أربعة من مرضاه في عام 1924م.
ويتميز هذا السرطان بالانتقال إلى خلايا العظام المحيطة بالرئة من الضلوع، وفقرات القفص الصدري، وينتشر الورم ويكبر، فيضغط على الضفيرة العضدية العصبية المكونة من شبكة أعصاب تنقل الإشارات القادمة من العمود الفقري إلى الكتف والذراع واليد، ولذلك فإن من أعراضه الآلام في منطقة الكتف التي ربما تمتد إلى اليد.
وتصيب عضلات اليد بالضمور مع آلام في الظهر والرقبة والصدر، وصدور صوت يشبه الصفير من الرئة نتيجة الضيق الحادث في الشعب الهوائية.

ليس النوع الوحيد

يظل نحو 35% من مصابي ورم بانكوست على قيد الحياة لخمس سنين، إذا ما مزجوا ما بين العلاج الكيميائي والجراحي، وترتفع النسبة إلى 44% إذا اكتشف المرض قبل أن يصل إلى العقد اللمفاوية بالنصف، وهي منطقة منتصف جوف الصدر.
ويؤدي ورم بانكوست إلى الإصابة بمتلازمة هورنر التي تحدث نتيجة تلف مجموعة من الأعصاب، مما ينتج عنه تدل جزئي في جفني العينين وبطء اتساع حدقة العين، ويتوقف كذلك خروج العرق من الوجه والجذع والذراعين.
وليس ورم بانكوست النوع الوحيد لسرطان الرئة غير صغير الخلايا، فمن أنواعه أيضاً سرطان الرئة حرشفي الخلايا، وسرطان الرئة الغدّي، وسرطان الرئة كبير الخلايا.

المرحلة صفر

يمر سرطان الرئة غير صغير الخلايا، بعدة مراحل تبدأ بالمرحلة صفر، حين يكون الورم صغيراً لا يظهر في الأشعة، ولكن تظهر الخلايا السرطانية في التحاليل كعينة البصاق إذا ما تم تحليلها في أحد المعامل الطبية.
تمتد الخلايا السرطانية في بطانة الرئة الداخلية يليها الوصول إلى خلايا الرئة العميقة، وتسمى بالمرحلة الأولى للورم، ثم في المرحلة الثانية يمتد الورم الخبيث إلى العقد الليمفاوية المناعية المجاورة.
وتبدأ بعدها الخلايا السرطانية الخبيثة في الانتشار بالأعضاء الملاصقة والقريبة، كالأوعية الدموية الكبيرة، والحجاب الحاجز، أو جدار الصدر، وهي المرحلة الثالثة من المرض.
وتوجد الأورام وتجمعات الخلايا الخبيثة في المرحلة السرطانية الرابعة في أماكن أخرى بالجسم، كالرئة الثانية أو المخ أو العظام أو الكبد أو الغدة الكظرية.
وينقسم سرطان الرئة صغير الخلايا إلى مرحلتين، لا يتجاوز في المرحلة المحدودة الرئة المصابة، والخلايا الملاصقة لها، أمّا في مرحلته الثانية الممتدة فينتشر خارج الرئة المصابة، ويتجه نحو أنسجة الصدر وأعضاء الجسم البعيدة.

التدخين يتلف الشعب

يسبب تدخين السجائر 90% من إصابات سرطان الرئة، وهذا يعطينا فكرة عن السبب وراء تحور الخلايا، فمن المعروف أن رئة المدخن تفقد تدريجياً لونها الوردي، وتتشح بالسواد الذي هو لون التبغ المحروق.
ويعني هذا اللون تلف أنسجة الشعب الهوائية داخل الرئة، وتسرطن الخلايا الوليدة في نهاية الأمر، ويحتوي دخان السجائر على عنصر الرادون، وهو من النظائر المشعة المسرطنة للخلايا بطبيعتها، كما لوحظ أن نيكوتين السجائر يثبط من استجابة الجهاز المناعي لدى الشخص للتحول الخبيث في الخلايا.
تتجاوز احتمالية الإصابة بسرطان الرئة المدخنين إلى هؤلاء الذي يجلسون معهم، ويستنشقون دخان سجائرهم، وهو ما يعرف بالتدخين السلبي.
ويزيد العمل في أماكن يوجد بها مواد كالزرنيخ والنيكل والكروم والقطران والاسبستوس وغاز الرادون من خطر الإصابة بسرطان الرئة.
ويرفع ضعف المناعة سواء كان نتيجة مرض نقص المناعة المكتسبة، أو بسبب مثبطات جهاز المناعة عند زرع أعضاء مثلاً من فرص الإصابة بسرطان الرئة.
وأشارت دراسات حديثة إلى أن إصابة قريب من الدرجة الأولى أو أخ أو أخت بسرطان الرئة يرفع من احتمالية الإصابة به.

المرحلة الرابعة

تظهر على المريض مجموعة من الأعراض، إلا أنها للأسف لا تصبح ملحوظة وواضحة إلا بعد سنوات من ظهور الورم الأوّلي، بل يمكن ألا تظهر بشكل واضح إلا في المرحلة الرابعة مع انتشار المرض خارج الرئتين.
وتتشابه بعض أعراض سرطان الرئة مع كثير من أمراض الجهاز التنفسي، غير أنها أكثر حدة في صورة سعال شديد، وربما يصاحبه خروج دم وضيق في التنفس وألم في الصدر أو الكتف أو الظهر غير مرتبط بالسعال وتغير في لون البلغم.
ويصبح صوت المريض أجش، مع صوت صرير مصاحب للتنفس، وتتكرر إصابته بالالتهاب الرئوي والتهاب القصبات الهوائية.
ويشخص الطبيب المرض بعمل الأشعة السينية للمريض؛ حيث تظهر الأورام بها، ثم بعمل الأشعة المقطعية على الرئة يليها أخذ عينة من الرئة عن طريق حقنة مخصصة، يتم إدخالها عمودياً على الصدر للحصول على عينة من خلايا الرئة الخبيثة، ويتم إرسالها للمعمل لتحديد نوع الورم بدقة.

الكشف الدوري

يزداد الأمل في النجاة من سرطان الرئة إذا ما اكتشف المرض مبكراً، ولكن يبقى الأمر صعباً مع عدم ظهور الأعراض إلا في المراحل المتأخرة، لذا فعلى المدخنين الحاليين أو المدخنين السابقين ملاحظة أي أعراض لها علاقة بالصدر والجهاز التنفسي.
ويقوم بإخبار الطبيب بالأمر، حيث إن التشخيص المبكر يزيد من فرص النجاة، ويسهم الكشف الدوري على الرئة في كشف المرض بشكل مبكر.
وتتغير طريقة العلاج مع نوع السرطان وانتشاره إلا أنها تشمل العلاج الكيميائي والجراحي والإشعاعي والضوئي مع مسكنات الآلام والرعاية الطبية والدعم الاجتماعي والنفسي.

المرتبة الأولى

تشير الإحصائيات إلى أن الإصابة بسرطان الرئة لا تكون قبل سن ال 45 عاماً، وتندر الإصابة به قبل الوصول إلى هذه السن، وتوضح كذلك أن سرطان الرئة يحتل المرتبة الأولى في الوفاة الناتجة عن السرطان، وكان أكثر السرطانات انتشاراً لعقود طويلة.
يتسبب سرطان الرئة في وفاة حوالي 1,7 مليون نسمة سنوياً، وتبلغ نسبة المدخنين من هؤلاء المصابين نحو 90%، في حين يصاب به 87% من جملة المدخنين، و3% منهم على الأقل مدخنون سلبيون، أي يتنفسون دخان سجائر الآخرين.
ومن الأمور المفيدة، والتي يمكن أن تقلل من خطر الإصابة بسرطان الرئة، ممارسة الرياضة، والحفاظ على جسد سليم، وتفيد مثل هذه الإجراءات في تقليل نسبة الإصابة بما يبلغ حوالي 20%.