التصلب الجانبي الضموري يسبب شللاً تـاماً

مقالات

يتسبب مرض التصلب الجانبي الضموري في فقد الجسم قدرته على تحريك عضلاته الإرادية، فلا يتمكن الشخص المصاب من التحرك والمشي ولا يمكنه التكلم أو المضغ ويصعب عليه البلع.
ويحدث المرض نتيجة ضمور في الخلايا العصبية والأعصاب الحركية، التي تستقبل الإشارات من المخ وترسلها إلى العضلات لتتحرك وتقوم بوظيفتها، إذ لا تتحرك العضلات من تلقاء نفسها دون أوامر من الدماغ. ويعتبر عالم الفيزياء الراحل ستيفن هوكينج من أشهر المصابين بالتصلب الجانبي الضموري، ومن أطولهم عمراً بعد إصابته بالمرض، إذ يُتوفى الكثير من المصابين به بعد أعوام قليلة، خاصة مع عدم توفر علاج شافٍ له حتى الآن.
تتدهور أو تموت الخلايا العصبية لدى المصابين بالتصلب الجانبي الضموري، ما يعني استحالة وصول الأوامر الحركية للعضلات الإرادية من الدماغ إلى سائر الجسد.
وتضعف العضلات تدريجياً ويتناقص حجمها، حتى تضمر نتيجة تواصل واستمرار توقفها عن العمل، وعدم وصول أوامر حركية لها من الدماغ، وينتمي مرض التصلب الجانبي الضموري لمجموعة أمراض الأعصاب الحركية.
ونتناول في هذا الموضوع مرض التصلب الجانبي الضموري بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذا المرض، ونقدم الأعراض وسبل الوقاية وطرق العلاج التقليدية والحديثة.

الأعصاب الحركية

يتكون الجهاز العصبي الطرفي من شبكة كبيرة، تمتد عبر الجسم وتنقل الأوامر من الدماغ إلى أجهزة الجسم وأطرافه، في مجموعة كبيرة من الحركات الإرادية، التي ينفذها الإنسان بنفسه ويتحكم فيها بشكل تام، كالسير وتحريك الأطراف والأكل والبلع وغيرها، ومجموعة أخرى من الحركات اللاإرادية التي يتحكم فيها الدماغ، وينقل أوامره من تلقاء نفسه لتشغيلها.
ولا يتحكم الإنسان في الحركات اللاإرادية، كالهضم والتنفس وعمل القلب والكبد والكلى وغيرها من أجهزة الجسم، التي يشغلها الدماغ من دون تدخل أو وعي أو حتى إحساس من صاحبها.
وتعتبر الخلية العصبية هي وحدة بناء الجهاز العصبي، وهي خلية قادرة على نقل الإشارات الكهربية، وتنقسم إلى نوعين: الأولى الخلايا العصبية الحسية التي تجمع البيانات من كل أماكن الجسم وترسلها للدماغ، ومن دونها لن يعرف الدماغ أن اليد تتعرض للحرارة الشديدة أو الأذى فيصدر أوامره بإبعادها.
ويرسل النوع الثاني من الخلايا العصبية الإشارات الكهربية من الدماغ إلى العضلات الإرادية الانقباضية، والتي تنقبض مسببة حركة العظام المتصلة بها وتسمى هذه الخلايا بالخلايا العصبية الحركية.

أسباب الضمور

لا يعرف السبب الأساسي في ضمور الخلايا العصبية الحركية والإصابة بالتصلب الجانبي الضموري، لكن بداية المرض غالباً ما ترتبط بدخول معادن ثقيلة أو سم عصبي للجسم مثل الآفات الكيميائية الزراعية.
وارتبطت الإصابة بالمرض لدى البعض بعدم توازن مواد كيماوية طبيعية بالجسم، حيث لوحظ ارتفاع نسبة الجلوتامات، وهي مادة كيماوية توجد بالدماغ و سائل النخاع.
وتصل إلى الجسم من الأغذية المحتوية عليها كذلك، كالدواجن واللحوم والألبان، ومن المعروف أن لارتفاع نسبة هذه المادة بالجسم، تأثيرات ضارة على الخلايا العصبية بالجسم.
وينتج المرض عن مشاكل في الحامض النووي، أو وجود خلل وراثي في الجينات من الممكن أن يؤدي إلى تراكم جزيئات معادن ناتجة عن عمليات الأيض والتمثيل الغذائي بالجسم، فتعمل الطفرة الوراثية على تراكم هذه الجزيئات بالخلايا العصبية مسببة ضرراً للبروتينات والحامض النووي بالخلايا العصبية ومن ثم ضمورها.
ويؤدي تضرر الجهاز المناعي للإصابة بعدة أمراض، حيث تبدأ المناعة في اعتبار خلايا طبيعية بالجسم على أنها أجسام غريبة، فيبدأ في مهاجمتها وإماتتها، وهو ما يحدث مع الخلايا العصبية الحركية في حالات نادرة.

مرض المحاربين القدامى

تشير بعض الدراسات إلى أن مرض التصلب الجانبي الضموري ينقسم إلى نوعين، الأول عائلي وهو ما يوجد في عائلات بعينها، ويحتمل أن يصاب أفرادها بالمرض أكثر من غيرهم لكنه نادر، والنوع الثاني فردي وهو ما يصيب فرداً واحداً من العائلة، ولا يعني احتمالية إصابة آخرين من نفس العائلة بالمرض.
ولاحظ علماء ومهتمون بالمرض أن قدامى المحاربين والذين شاركوا في الحروب، هم المعرضون أكثر من غيرهم للإصابة لهذه المشكلة بنسبة تصل إلى 60%، وكذلك الرياضيون الذين يتعاملون بعنف مع أجسادهم.
ولا يمكن أن ينجو التدخين من مرض كهذا، فهو من ضمن عوامل الإصابة بالتصلب الجانبي الضموري، ويصيب المدخنات الإناث بعد انقطاع الطمث أكثر من الرجال.
ولم يتم الربط بين المرض وبين عنصر كيميائي معين، لكن الإصابة بالمرض مرتبطة عند بعض الحالات بالمركبات الكيماوية، كمركبات الرصاص وغيرها سواء في العمل أو المنزل.

بداية تدريجية

تتدرج أعراض التصلب الجانبي الضموري في الظهور، إذ يبدأ بضعف في الأطراف وارتعاش بالعضلات وتداخل الكلمات الخارجة من فم المريض، ورويداً رويداً تتضرر القدرة على الحركة والأكل.
ويلاحظ المريض مع بداية مرضه، صعوبة في تأدية الأنشطة اليومية المعتادة، وكثرة التعثر وصعوبة المشي والسقوط، وصعوبات في تحريك القدمين واليدين وصعوبة البلع والكلام.
ويظهر المرض غالباً في الأطراف أولاً كالقدم أو اليد أو القدمين معاً، ثم ينتشر لباقي أجزاء الجسم، وربما لا يلتفت له المريض في البداية ويظنه تعباً أو إرهاقاً عادياً لعضلاته، لكن مع ازدياد الدمار بالخلايا العصبية، تضعف العضلات ويصل المرض للمضغ والبلع والكلام.

تقلصات وتشنجات

يعاني المريض كذلك من تقلصات وتشنجات عضلية ومن الإرهاق وكثرة البلغم واللعاب، ويعاني من مشكلات في النوم ومن الممكن أن تكون ردود فعله أقوى من الطبيعي نظراً لضعف الأعصاب، فيبتسم ابتسامة واسعة لا محل لها، ومن الطبيعي كذلك أن يصاب المريض بالاكتئاب، وكذلك بنوبات ضحك أو بكاء يفقد فيها السيطرة على نفسه.
ويعرف عن المرض أنه يؤثر فقط في العضلات الإرادية، ولا تتأثر به العضلات اللاإرادية، فلا تحدث في أغلب الحالات مشاكل بالجهاز الهضمي أو البولي أو الحواس، أو تشغيل العقل والتفكير سواء البسيط أوالمعقد.

خطر الالتهاب الرئوي

يتعرض المصاب بالتصلب الجانبي الضموري للكثير من المضاعفات مع مرور الوقت، وزيادة الدمار في الخلايا العصبية الحركية، إذ يصل المرض إلى عضلات التنفس، فيصعب على المريض التنفس من دون أجهزة مساعدة، خاصة عند النوم كالمستخدمة مع مرضى انقطاع النفس النومي.
ويتوقف المصابين عن الكلام تماماً، إذ يتحول الأمر بعد صعوبات الكلام إلى عدم الفهم، حتى يتحول إلى همهمات غير مفهومة، لعدم القدرة على تحريك عضلات الفك والوجه المستخدمة في الكلام.
وتعني صعوبات البلع أثناء الأكل خطورة التعرض للجفاف وسوء التغذية، فضلاً عن دخول السوائل والطعام أو حتى اللعاب إلى المجرى التنفسي، بدلاً من المريء مسببة التهاباً رئوياً.
ويقوم اللسان واللهاة بمنع وصول الطعام والشراب إلى القصبة الهوائية أثناء البلع، ولا يحدث ذلك مع مرضى التصلب الجانبي الضموري، وخاصة مع ضعف العضلات الضرورية لقذف جسم غريب من القصبة الهوائية.
ويتعرض بعض المصابين لمضاعفات خاصة بالذاكرة، ولمرض يسمى الخرف الجبهي الصدغي، الذي يصعب فيه على المريض اتخاذ القرارات، وذلك رغم أن المرض الأساسي لا يكون له تأثير على الدماغ.

الكثير من التحاليل

يتشابه التصلب الجانبي الضموري مع الكثير من الأمراض الأخرى في بداية ظهوره، لذا فمن المحتمل أن يتطلب تشخيص المرض، المرور بالكثير من الأشعات والتحاليل.
ويحتاج المريض إلى عمل مخطط كهربي على العضل، والتصوير بالرنين المغناطيسي وفحص دراسة توصيل الأعصاب، وفحص الدم والبول وأخذ عينة من السائل الشوكي ومن العضلات لتحليلها، وتساعد هذه الإجراءات في استبعاد أمراض أخرى تتشابه في الأعراض.
لم يتوصل العلم بعد، لعلاج مرض التصلب الجانبي الضموري، غير أنه توجد علاجات تعمل على إبطاء ظهور الأعراض، وتجنب حدوث المضاعفات قدر المستطاع، كما توجد الكثير من الأجهزة الحديثة التي تساعد المريض على التنفس والتحرك والتواصل مع الآخرين.
وتحتاج الأجهزة التعويضية إلى الكثير من التدريب من قبل المعالج المهني، ويلجأ المريض للعلاج الطبيعي وعلاجات التخاطب، ومن الممكن أن يحتاج المريض إلى أنبوب غذائي لإدخال الطعام إلى جوفه في صورة سائلة.

مبالغة في المشاعر

تشير دراسة حديثة إلى أن مرض التصلب الجانبي الضموري غالباً يؤدي إلى الوفاة، وذلك بعد مرور من 3 إلى 5 سنوات، وكثيراً ما تكون الوفاة ناتجة عن فشل تنفسي يتسبب في عدم أكسدة الدماء وسائر الجسم، ويعيش نحو 20% من المرضى 10 سنوات أو أكثر.
ويعتبر مرض التصلب الجانبي الضموري من أكثر أمراض الأعصاب والعضلات شيوعاً، ويصيب جميع الأعراق والأجناس، ويصاب به شخصان من كل 100000 فرد، والرجال الأكثر عرضة له من النساء، ويصيب السيدات بعد عمر 40 سنة.
ويتوقف المرض عن التقدم ولا تزداد حالة المريض سوءاً لدى بعض المرضى خاصة من الشباب الذكور، فلا يتجاوز المرض طرفاً أو اثنين من الأطراف الأربعة، ولا يكون ذلك إلا مع العلاجات والمتابعة الدقيقة والمستمرة للمريض من قبل فريق طبي متخصص. ويصيب عدم الاستقرار العاطفي نحو 45% من مرضى التصلب الجانبي الضموري، وهو ناتج عن تدهور الأعصاب الحركية، ما يجعل المريض يبدو مبالغاً في التعبير عن مشاعره من ابتسام وضحك وبكاء.