تجرثم دم الرضيع مشكلة طارئة تسبب الوفاة

مقالات

يعد الدم من السوائل المعقمة طبيعياً داخل الجسم، وحدوث أي تلوث أو انتشار لبعض الكائنات الدقيقة الضارة به ينعكس مباشرة على صحة الشخص، وتسمى هذه الحالة بمرض تجرثم الدم، وغالباً ما تصيب الأطفال حديثي الولادة ويتجرثم فيها الدم من خلال الجراثيم التي تحملها الأم وتنقلها إلى جنينها، وتعد هذه الحالة طارئة تحتاج إلى تدخل طبي عاجل، ومن الممكن أن تؤدي للوفاة.
ويصاب حديثو الولادة بتجرثم الدم؛ نتيجة عدوى فيروسية أو بكتيرية تؤثر سلباً في الأعضاء والأنسجة، فتحدث تغيرات في درجة حرارة الجسم، إلى جانب ضغط الدم وكذلك التنفس، وتكون هذه التغيرات سريعة، وتحدث في الغالب في الأسبوع الأول لولادة الطفل.
نتناول في هذا الموضوع مشكلة تجرثم دم الرضيع بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، ونقدم الأعراض التي تظهر، وكذلك نوضح طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج الحديثة.

النقل للرعاية المركزة

يظهر على المولود طفح جلدي أحمر وقيء وضعف شهية ونعاس عند الإصابة بتجرثم الدم، إضافة لذلك ترتفع درجة حرارة الجسم، ويحدث التجرثم نتيجة عدة أسباب، ومنها الولادة المبكرة للطفل أو إصابة الأم بالتهابات، ويمكن أن تحدث الإصابة أيضاً أثناء الولادة.
ويكون علاج الحالات الشديدة بنقل الرضيع للعناية المركزة، وإعطائه مضادات حيوية قوية، في حين من الممكن أن ينتصر جهاز المناعة وحده على الحالات الخفيفة.
ويسمى تجرثم الدم بتسمم الدم؛ ولكنها ليست تسمية علمية أو طبية، رغم أن الجراثيم والفيروسات تنتج مواد كيماوية ضارة على بنية الدم، إلا أن التسمم يقصد به دائماً دخول مواد ضارة، وليست كائنات، إلى الجسم مسببة أذى به.

ضعف المناعة

يعمل جهاز المناعة لدى الأشخاص على مقاومة الجراثيم والبكتيريا الضارة؛ لكن جهاز المناعة عند حديثي الولادة يكون ضعيفاً ولم يكتمل بشكل كلي، خاصة مع المولودين مبكراً، أي قبل تمام 37 أسبوعاً من الحمل؛ لذلك فإن وصول الجراثيم لدم المولود أو الجنين يشكل خطراً عليه.
ويتسبب التمزق المبكر للكيس السلوي الذي يتواجد داخله الجنين أثناء الحمل في تجرثم دم الجنين، وتنتقل الجراثيم قبل الولادة أو أثنائها من جسم الأم إلى دم الجنين؛ نتيجة الكثير من العوامل.
ويؤدي نزيف الأم أو إصابتها بالحمى إلى حدوث هذه المشكلة، وكذلك عند حدوث عدوى في الرحم أو بالمشيمة أو تعسر الولادة؛ لأن احتمالية انتقال الفيروسات والجراثيم إلى دم الجنين كبيرة في هذه الحالات، وكذلك من الممكن أن تنتقل الجراثيم من الأم للجنين أثناء مروره في قناة الولادة.
ويعد حدوث أي طارئ على الدم أمراً خطراً، فهو حلقة الوصل بين مختلف أجهزة الجسم؛ حيث يصل إلى جميع أعضائه، وينقل الأوكسجين اللازم لمختلف الخلايا من الرئة، ويخلص الجسم من ثاني أكسيد الكربون ومن السموم.

الأم مصدر الجراثيم

تعد الجراثيم بجسم الأم هي المصدر الأساسي للجراثيم المتواجدة في دم الرضيع، ويساعد على ذلك عدم اكتمال عمل جهاز المناعة وضعفه لدى الصغير.
وتنتقل الجراثيم إلى جسم الطفل من الأم، وتزيد الخطورة في حالة تسربها إلى الدورة الدموية للمولود، والسبب أنها تؤدي إلى إعاقة لعمليات التمثيل الغذائي والعديد من أجهزة الجسم.
وتعد بكتيريا المكورات السحائية والجراثيم العقدية والمكورات العقدية من أكثر الجراثيم شيوعاً في هذه الحالة لدى الرضع، وهي بكتيريا عقدية رئوية قادرة على التسبب بالتهاب في الرئة، وكذلك تحدث عدوى بمجرى الدم في الأطفال الصغار.
وتتسبب بعض الأمراض في احتمالية الإصابة بتجرثم الدم لدى الأطفال، ومنها على سبيل المثال مرض فقر الدم المنجلي وضعف أو نقص المناعة، وفي حالة استئصال الطحال، وكذلك عدم العلاج الجيد لالتهاب السحايا أو التهاب العظم والنقي.

حالة خفية

تختلف أعراض تجرثم الدم لدى الرضع باختلاف أعمارهم، وإن كان العمر يقاس بالأيام في أغلب الأحيان، وتشمل الأعراض إصابة المولود بالحمى وترتفع حرارته، وتظهر على ملامح وجهه علامات أشبه بالحزن والشحوب والاصفرار.
ويميل الطفل المصاب بتجرثم الدم للنوم ولا يقبل على الرضاعة، ومن الممكن أن يظهر عليه طفح جلدي أو ينتفخ البطن ويتورم، ويمكن أن يتعرض كذلك للإسهال والقيء، وعدم الحركة لفترات طويلة أثناء نومه، مع البكاء أثناء اليقظة.
ويكون تجرثم الدم خفياً عند بعض الأطفال، فلا تظهر علامات للمرض حتى مرحلة متأخرة وخطرة، باستثناء ارتفاع حرارة الجسم، والذي يكون رد فعل من الجسم تجاه العدوى؛ لذا فإن المرض من الممكن ألا يكتشف في الوقت المناسب في بعض الحالات.

إنتان الدم

يتحول تجرثم الدم إذا ما تأخر علاج المصاب إلى إنتان الدم، وهي حالة التهابية شديدة وخطرة، بعد فشل جهاز المناعة في تعقيم الدم من الجراثيم، فتنتشر مسببة العدوى، وتتكاثر الجراثيم وتنتج مواد كيميائية مسببة تعفن الدم.
ويعرف إنتان الدم عند الرضع من الزرقة وتسارع التنفس أو فشله، وتوقفه وحدوث انسداد بالأمعاء، وتخثر بالدم «تجلط» يظهر على الجلد في صورة فرفريات ونمشات، ويمكن أن يولد الطفل وهو مصاب بإنتان الدم بعد تجرثم دمه قبل ولادته.
ويؤدي تجرثم الدم لحديثي الولادة إلى الوفاة، خاصة إذا ما تأخر اكتشافه، فالفيروسات تتكاثر وتنتشر وتصل إلى الرئة، وبالتالي تتسبب في ضعف التنفس والانسداد والاختناق التام، وكذلك ينتج عن المرض حدوث انسداد بالأمعاء.
ويؤدي فشل المناعة في السيطرة على تجرثم الدم ويحدث ما يسمى بالصدمة الإنتانية، وهي حالة مهددة للحياة، تضعف فيها وبشدة التروية الدموية بالأكسجين لخلايا وأنسجة الجسم.

التشخيص السريع

يرجح الطبيب احتمالية حدوث تجرثم الدم عند الطفل حديث الولادة، إذا لاحظ بعض أعراضه، مع مصاحبتها لحدوث تمزق مبكر للكيس السلوي للجنين، أو وجود التهاب به أو بالمشيمة.
وتساعد بعض الفحوصات السريعة في اكتشاف المرض، كملاحظة ارتفاع نسبة الهابتوجلوبين بالدم، أو ارتفاع نسبة بعض أنواع الخلايا الأخرى، أو كثرة عدد الخلايا المحببة في الدم.
يحتاج تجرثم الدم لحديثي الولادة إلى تدخل طبي عاجل، وإلى بقاء الطفل المصاب في العناية المركزة، وإعطائه مضادات حيوية قوية وبجرعات كبيرة، وتكون في بعض الحالات تجريبية بعد استنتاج مصدر العدوى الأكثر تطابقاً مع الحالة.
ولا تتحمل الحالات الطارئة انتظار نتائج التحاليل والتعرف الدقيق إلى نوع الجراثيم بالدم، وربما لا تكون الأعراض ظاهرة بالصورة الكافية، لتحديد نوع المضاد الحيوي المناسب، وانتظار نتائج التحاليل يعني تدهور الحالة الصحية للطفل بشدة واحتمالية الوفاة، ويتم تغيير المضادات الحيوية بأخرى إذا لم تتحسن حالة المصاب، ويعطى الطفل كذلك دواء خافضاً للحرارة.

المحاليل بدل الرضاعة

تتميز غرف الرعاية المركزة بإمكانات عالية من الفحوصات والتحليلات الدورية والمتابعة المستمرة للمريض، وتوصيل الأكسجين مع متابعة وظائف القلب، وإعطاء المحاليل عن طريق الوريد؛ لذلك فهي مناسبة لحالات تجرثم الدم.
ويتم مع العلاج والمتابعة، عمل تحليل صورة الدم الكاملة إلى جانب تحليل للبول، وربما يقوم الأطباء بعمل فحص لسائل النخاع الشوكي، ويعطى الطفل المحاليل الوريدية التي تغني مؤقتاً عن الرضاعة، وإذا تحسنت حالته يعود للرضاعة الطبيعية.
ويتم تكرار عمل التحاليل والفحوص لقياس نسبة التسمم بالدم، ويعد توصيل الأكسجين مهماً للطفل؛ لأن المرض يعيق مهمة الدم الأساسية بنقل الأكسجين إلى سائر خلايا الجسم.
تنتج الجراثيم المنتشرة في الدم مواد تغير في الكثير من طبيعة عمل الجسم، ومن ضمنها لزوجة الدم؛ لذا فإن المحاليل ضرورية لإعادة سيولة الدم إلى مستواها الطبيعي، كما يضعف عمل القلب في بعض الحالات، ما يعني حاجته لأدوية داعمة.
ويحتاج الطفل للتدخل الجراحي في حالات وجود عدوى في البطن، أو خراج أو كتلة من الجراثيم، أو أي مضاعفات أخرى لا يصلح معها العلاج الدوائي.

سبب الوفاة الأول

تشير دراسة حديثة إلى أن مشكلة تجرثم وإنتان الدم غالباً ما تصيب الأطفال الرضع أثناء ولادتهم، ويُسمى تجرثم الدم المبكر، وفي حالة ظهور الأعراض بعد مرور من 3 أيام إلى 28 يوماً يسمى تجرثم الدم المتأخر.
ويتسبب إنتان الدم لدى الأطفال الرضع في الكثير من حالات الوفاة بالدول النامية؛ ولذلك فهو يعد السبب الأول لوفاة حديثي الولادة بهذه الدول، وربما تكون الوفاة خارج المستشفى قبل وصول الطفل إليها، ويعد تسارع القلب بأكثر من 160 نبضة في الدقيقة من العلامات المبكرة لحدوث إنتان الدم لدى الرضع.
وتزيد فرص إصابة الأطفال حديثي الولادة بتجرثم الدم في حالات ولادة أطفال تقل أوزانهم عن 1.5 كيلو جرام، خاصة مع حالات الولادة المبكرة في الأسبوع الـ 37 للحمل أو قبل ذلك.
ويذهب الأهل بالأطفال إلى المستشفيات؛ بسبب الحمى بنسبة تصل لـ 25% من زيارات الأطفال للمستشفى؛ إذ إن من المعتاد إصابة الأطفال بالحمى بعدد من المرات يصل ما بين 4 و6 قبل بلوغهم سن 3 سنوات، وبالتالي يصبح من الصعب تشخيص مشكلة تجرثم الدم، ما لم تصاحب الحمى بأعراض سريرية أخرى للمرض.