«حساسية الفول السوداني» تعوق التنفس

مقالات

تعد حساسية الفول السوداني أحد أكثر أنواع الحساسية انتشاراً، وتظهر أعراضها على المصاب في عامه الأول وتستمر معه، ويمكن أن تكون أعراض الحساسية التي ترتبط بالفول السوداني بسيطة، وربما تتطور الأعراض بمرور الوقت لتصير أكثر حدة وخطراً.
وينبغي اللجوء إلى الطبيب عند المعاناة منها، سواء للطفل أو الشخص البالغ، ومن خلال الاختبارات يتم تأكيد الإصابة بالحساسية من عدمه، مع أخذ الاحتياطات اللازمة لتجنب زيادة الاستجابة التي تزداد سوءاً. و تظهر حساسية الفول السوداني عند تناوله فقط، حيث إن الدراسات لم تثبت تحسس الجلد عند تلامسه مع زبدة الفول السوداني، إلا في بعض الحالات النادرة، بسبب ردود فعل حادة من المخالطة العارضة.
يشير الأطباء والباحثون إلى أنه لا تتوافر حتى الآن طريقة تقي الطفل من الإصابة بحساسية الفول السوداني، كما أن تجنب الحامل أو المرضع للفول السوداني في نظامها الغذائي لا يحمي الطفل من الإصابة بها.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة حساسية الفول السوداني بالتفاصيل، مع كشف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، ونقدم الأعراض المؤلمة لهذه الحساسية، وكذلك طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج التقلدية والحديثة.

من البقوليات

يعتبر الفول السوداني من البقوليات، فهو ينمو تحت الأرض وليس على الشجر مثل المكسرات الأخرى، وبالرغم من ذلك فإن المصابين بحساسية الفول السوداني، يمكن أن يصابوا برد فعل تحسسي مماثل للمكسرات الأخرى، التي تنمو على الشجر مثل اللوز والفستق وعين الجمل والكاجو.
وتستمر حساسية الفول السوداني لدى أغلب الأطفال الذين أصيبوا بها حتى مراحل عمرية أخرى، ويتعافى 20% من الأطفال من هذا النوع بمجرد انتهاء مرحلة الطفولة.
ويستطيع الطبيب من خلال إجراء اختبارات الحساسية كل عام، تحديد مدى استمرار تحسس الفول السوداني من عدمه.

خلل مناعي

يحدد الجهاز المناعي بشكل خاطئ، المكسرات على أنها أجسام مضادة، وذلك عندما يعاني أحدهم من حساسية الفول السوداني أو المكسرات.
وينتج رد الفعل التحسسي نحو الفول السوداني بسبب الأجسام المضادة للبروتينات المكونة له، والتي يكون وراءها خلل في الجهاز المناعي، وبالتالي فإنه يعتبر الفول السوداني جسماً ضاراً للمصاب، وهو يقاومه في كل مرة يتناوله.
ويقوم الجهاز المناعي بإطلاق المواد الكيميائية مثل الهيستامين، وهو ما يؤدي إلى ظهور الأعراض المرضية، وربما كان وراء حساسية الفول السوداني أسباب غير مباشرة، مثل استنشاق الغبار المحتوى على طلع الفول السوداني.

هناك فرق

ينبه الأطباء والباحثون إلى أن هناك فرقاً بين حالتين، الأولى أن يكون الشخص حساساً من الفول السوداني، والثانية أن يكون مصاباً بالحساسية من الفول السوداني.
وليس كل استجابة عكسية للفول السوداني تكون بسبب الحساسية، وربما كان تحديد الفرق بينهما صعباً للغاية، فالشخص الحساس للفول السوداني عندما يتناول كمّاً صغيراً منه، فإنه يعاني من بعض الأعراض الطفيفة مثل عسر الهضم، ولا تظهر عليه أعراض الحساسية بشكل مطلق، فالإصابة التي عنده بعيدة عن الجهاز المناعي.
وتشير حساسية الفول السوداني إلى استجابة الجهاز المناعي، حتى إن الكم الضئيل يؤدي إلى ظهور الأعراض المعروفة للحساسية، وتحدد الاختبارات حالة الشخص وهل هو حساس للفول السوداني، أو أنه يعاني من أعراض حساسية.

طرق مختلفة

يقوم جهاز المناعة لدى الشخص المصاب بحساسية الفول بإفراز أجسام مضادة لبروتينات الفول السوداني، لأنه يتعامل معها على أنها مواد ضارة.
وتتعرف بذلك الأجسام المضادة على بروتينات الفول السوداني، بحيث ترسل إشارة إلى الجهاز المناعي حتى يفرز مواد كيميائية في مجرى الدم، عندما يأكل المصاب الفول السوداني مرة أخرى، وبالتالي تظهر عليه أعراض الحساسية، ولا يزال العلماء يجهلون أسباب إصابة بعض الأشخاص بالحساسية دون غيرهم.
ويحدث التعرض للفول السوداني بطرق مختلفة، ومنها الاتصال المباشر، فتناول الفول السوداني أو الأطعمة المحتوية عليه، تعتبر من أكثر أسباب الإصابة بحساسية الفول السوداني.
ويمكن إثارة الفعل التحسسي أحياناً عن طريق التلامس الجلدي المباشر معه، وربما كان التعرض من خلال الاتصال غير المباشر، وهو ما يعني إدخال الفول السوداني بشكل غير متعمد في أحد المنتجات، ويحدث هذا الأمر بسبب تعريض الطعام للفول السوداني خلال معالجته.
ويمكن أن يحدث الفعل التحسسي عند استنشاق المصاب بهذه الحساسية غباراً أو رذاذاً يحتوي على فول سوداني، مثل دقيق الفول السوداني أو بخاخ زيت الفول الذي يستخدم في الطهي.

بسيطة وحادة

يحدث رد فعل حساسية الفول السوداني عادة خلال دقائق بعد التعرض له، وتتراوح الأعراض بين البسيطة التي تؤثر على الأمعاء والجلد، والحادة التي تتمثل في حساسية الإعوار وهي تشكل تهديداً للمصاب، لأن ممرات الهواء تتشنج، وتعوق التنفس عند المصاب.
ويتأثر بأعراض الحساسية عدد من أجهزة الجسم، وتشمل أعراض الجلد ظهور طفح جلدي، وتورم الأطراف واحمرار، وقشعريرة.
وتؤثر الحساسية غالباً على الجهاز التنفسي العلوي، فتصيب الأنف بالانسداد أو السيلان، ويصاب المريض بالعطس والتهاب الحلق والحكة. ويحتاج رد فعل المعدة على الفول السوداني لبضع ساعات حتى يحدث، ويكثر بسببه حدوث غثيان وتقلصات المعدة، وفي حالة كان رد الفعل التحسسي شديداً، ربما يعاني المصاب من قيء أو إسهال.
ويعد أخطر ما يتعرض له مصاب حساسية الفول السوداني هو الإعوار، وتبدأ أعراضه فور تناوله الفول السوداني، ويعاني من تضخم الحلق وإعاقة ممرات الهواء، ويصبح التنفس صعباً، ويصاب بسبب هذه الحالة بالصدمة، حيث يحدث انخفاض حاد بالدورة الدموية.
ويكون نبضه سريعاً، ويصاب بالدوار أو يفقد الوعي، ويعتبر الإعوار حالة طبية طارئة تتطلب دخول المستشفى والعلاج بحقن الإبينفرين.

اختبار الجلد والدم

يجري الطبيب المعالج عدداً من الاختبارات حتى يستطيع تشخيص حالة المصاب، ومن هذه الاختبارات: اختبار الجلد، وفيه يقوم بوخز الجلد، ويتم تعريضه لكمية بسيطة من بروتينات الفول السوداني، وذلك حتى يرى استجابة الجلد لها من عدمه. ويلاحظ في حالة وجود حساسية تورم مكان اختبار الجلد، ويمكن أن يحقن بروتين الفول السوداني تحت الجلد، ثم يلاحظ ردود فعل الجسم التحسسية تجاه العينة التي تم حقنها.
ويتم قياس استجابة الجهاز المناعي للفول السوداني من خلال اختبار الدم، حيث يقيس هذا الاختبار كمية الأجسام المضادة التي توجد في الدم.

ابتعد عن الفول

يعتبر العلاج الوحيد للحساسية من الفول السوداني هو الابتعاد وتجنب تناول الفول السوداني أو أي من بروتيناته، ولذلك على المصاب بهذا النوع من الحساسية قراءة ملصقات الطعام، حتى يتأكد من وجود أو عدم وجود الفول السوداني في منتجات الأغذية المحفوظة والمصنعة، وبالذات حلوى وأطعمة الأطفال.
وينسحب نفس الأمر على أي نوعية أكل يتم تناولها خارج المنزل، وبالرغم من أن أغلب استجابات هذا النوع من الحساسية لا تشكل تهديداً على حياة المصاب، إلا أن الاستعداد الدائم مهم، وبخاصة في حالة رد الفعل الحاد، أي الإعوار، وذلك عن طريق حقن الإبينفرين والدخول إلى المستشفى.
وينبغي على المريض بهذا النوع من الحساسية حمل حقن الإبينفرين في حالة خطورة تعرضه للإصابة بالإعوار، حيث يصبح مطالباً بحملها معه دائماً.
وتقلل بعض العقاقير مثل مضادات الهيستامين من شدة الأعراض، ويأخذها المصاب بعد التعرض للفول السوداني، فهي تخفف من شدة الطفح الجلدي، وبقية الأعراض الأخرى، إلا أنها ليست علاجاً كافياً للأعراض الحادة والخطيرة.

رعاية خاصة

ينبغي توفير رعاية خاصة للمصاب بحساسية الفول السوداني وبالأخص إن كان طفلاً، ومن ذلك أن يكون المتعاملون مع الطفل عن قرب مثل الإخوة والمدرسين والأصدقاء يعرفون أنه يعاني من هذا النوع من الحساسية، مع ضرورة التأكد أن الطفل يستطيع التعبير عن نفسه، وطلب المساعدة عند إصابته بأي اضطراب.
وينبغي أن يحمل الطفل حقن الإبينفرين في حالة معاناته من الأعراض الحادة للحساسية، ويجب التأكد من تاريخ صلاحية الحقن لاستبدالها بأخرى، مع العلم أن الحقن للأطفال يبدأ بعمر 18 شهراً.
ويتم تعليم الطفل أعراض الحساسية، وذلك حتى يكون على وعي بما يتعرض له، ويستطيع إخبار المحيطين حال تعرضه لأي متاعب، ويقوم الطفل بارتداء قلادة توضح فيها حالته، مع كتابة اسمه ونوع الحساسية المصاب بها، ونبذة عن العلاج الذي يحتاج إليه، مع كتابة نفس هذه البيانات وتركها في المدرسة أو المكان الذي يوجد فيه الطفل فترة زمنية كبيرة.
ويجب تعليم الطفل المصاب بحساسية الفول السوداني، عدم مشاركة الآخرين طعامهم، لأنه ربما نسي أمر مرضه، ولذلك فمن الوقاية ابتعاده عن مشاركة الطعام.

علاج حديث

حققت إحدى التجارب الحديثة في تطوير علاج لحساسية الفول السوداني نجاحاً ملموساً، ويهدف العلاج الجديد إلى التعود على تناول الفول السوداني وليس الامتناع عنه، وذلك عن طريق تناول كميات قليلة من الفول السوداني تبلغ مليجرامين في حلوى بودينح الشيكولاتة تحت متابعة ورقابة طبية مشددة، والهدف هو رفع مناعة الجسم وقدرته على تحمّل الفول إلى أعلى ما يمكن قبل أن تظهر أعراض الحساسية.
وبلغت مجموعة التجارب 60 طفلاً، تم رفع كمية الفول السوداني لهم كل 15 يوماً حتى وصلت الكمية إلى 500 مليجرام، وهو ما يعادل حبة فول سوداني كاملة.
وأظهرت الدراسة نتائج مبهرة، حيث لم تظهر أي ردود فعل خطيرة على الأطفال، وكان التفسير وراء هذه النتيجة أن الزيادة التدريجية نجحت في أن تجعل خلايا «تي» لدى الأطفال تكون خاملة.
وكذلك تراجعت كمية المادة الزلالية المؤدية لاضطراب نظام المناعة، وحذر القائمون على التجارب من أن هذا العلاج لا يزال في طور الدراسة، ويحتاج المزيد من الدراسة والتأكيدات.