إصابات الحبل الشوكي.. مضاعفات جسدية ونفسية

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعد إصابات الحبل الشوكي من المشكلات المزمنة، التي تتسبب في معوقات جسدية ونفسية شديدة، حيث إنها ارتبطت بالإعاقة مدى الحياة، وهي تنتج عن الحوادث المرورية، السقوط، العنف الجسدي، الإصابات الرياضية، الإصابات بالطلقات النارية، إصابات الغطس، وسقوط أجسام ثقيلة على المصاب، ويمكن أن تشمل الأسباب الأخرى لإصابات الحبل الشوكي العدوى والأورام، التصلب أو المضاعفات الناجمة عن العمليات الجراحية، وفي هذا التحقيق يسلط الخبراء والاختصاصيون الضوء على هذه الإصابات وطرق علاجاتها المتعددة.
يقول الدكتور تينكو جوزيه كوريسنيكال، استشاري في الجراحة العصبية: عند تعرض الأشخاص للحوادث في حالات الإصابات المتعددة، يتوجب على المعالج الاشتباه بإصابة العمود الفقري العنقي حتى إثبات العكس، ونجد إصابات العمود الفقري العنقي لدى ما يصل إلى 5 إلى 10% من المصابين في حالات السقوط أو الحوادث المرورية، حيث تحدث إصابات الحبل الشوكي بنسبة أكبر لدى شريحة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 إلى 30 عاماً، تكون هناك إصابات مرافقة تستهدف العمود الفقري، الرأس، أو الأجهزة الأخرى أيضاً بنسب عالية تصل حتى 60%، وهناك أساليب لتشخيص إصابات الحبل الشوكي، والتي تكون كالآتي:-
* القصة السريرية: حيث يُشتبه في وجود إصابات شوكية في جميع حالات الصدمات المتعددة، وبخاصة لدى المصابين الذين يشتكون آلاماً حادة في العنق والظهر، وفقدان الإحساس أو الضعف في اليدين أو القدمين، والتبرز أو التبول اللاإرادي.
* المعاينة السريرية: بشعور المريض بألم عند الجس الخفيف أو ضعف في الحركة (شلل جزئي/ كامل) ضمن واحد أو أكثر من الأطراف، غياب الحس أو المنعكسات، صعوبة في التنفس، صدمة، وانخفاض معدل النبض.
* الفحوصات، الأشـعـة السـينية، فحص بالأشعة المقطعية، فحص التصوير بالرنين المغناطيسي، حـيث يمكن تشخيص إصابات الحبل الشوكي أو الأربطة أو الأنسجة الرخوة من خلال التصوير بالرنين المغناطيسي.

مضاعفات وعلاجات

يشير د. جوزية إلى أن نسبة الشفاء تعتمد على طبيعة إصابة الحبل الشوكي، حيث يبدي المرضى ذوو الإصابة الكاملة نسبة تعافٍ لا تتجاوز 5%، وتتحسن نسبة الشفاء والتعافي لدى المصابين بمتلازمة الحبل المركزي غير الكاملة، وتتمثل معاناة المريض في مواجهة العديد من المضاعفات، كوجود تغيرات غير طبيعية في درجة حرارة الجسم، صدمة عصبية، مع انخفاض في ضغط الدم ومعدل النبض، ضعف (شلل جزئي/ كامل) في الطرفين العلويين والسفليين، خلل في عمل القلب والأوعية الدموية، اضطراب نظم، تغيرات في إفراز العرق، اضطرابات تنفسية، انصمام خثاري، قرحة الضغط، اضطرابات في الأمعاء والمثانة، اضطرابات استقلابية، واكتئاب، ولذلك تتلخص الطرق العلاجية في تخفيف الضغط على الحبل الشوكي وسوء التراصف الكلي للعمود الفقري، تخفيف الأذية الخلوية والثانوية للحبل الشوكي، تثبيت العمود الفقري المصاب، الوقاية من المضاعفات والاضطرابات وعلاجها، وإعادة التأهيل للجهاز العصبي الهيكلي بغرض تعزيز قوة العضلات المحيطة بالنخاع، مثل التدريب على المشي المعتمد على الروبوت، وأيضاً:-
* العلاج الفوري المبكر: بتثبيت العمود الفقري باستخدام طوق صلب مع تقييم حالة المصاب وفق نهج ABCDE (تبعاً لبروتوكول الإنعاش في الصدمات الحادة)، وتصحيح الصدمات في حال وجودها.
* العلاج الدوائي: باستخدام الستيروئيدات بشكل أساسي مثل ميتيل بريدنيزولون، الذي ينبغي إعطاؤه بأسرع وقت ممكن، كما تعتمد كثير من المسارات العلاجية على تقنيات الخلايا الجذعية وعوامل النمو والتحفيز الكهربائي وغيرها.
* الجراحة: حيث يتم اللجوء إليها في حالات الكسور التي تسبب عدم ثبات في العمود الفقري، وبغرض إزالة الضغط عن العمود الفقري.

الحبل الشوكي

يوضح الدكتور وليام ديمايو، استشـاري الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل، أن الحبل الشوكي يمتد من قاعدة الجمجمة إلى أسفل الظهر، وهو سهل التضرر بطبيعته لكنه محمي بقناة فقرية عظمية تطمرها عضلات سميكة وروابط قوية، وربما يصف بعض الناس الحبل الشوكي بأنه الرابط بين الدماغ والأعصاب المتشعبة من العمود الفقري، وهو اعتقاد خطأ، حيث إن الحبل الشوكي هو في الواقع أقرب إلى امتداد حيوي للدماغ ويقوم بمعالجة النبضات العصبية بطريقة معقدة للغاية، وهو مسؤول عن إدارة ملايين ردود الأفعال اليومية التي تمكننا من العيش بطريقة طبيعية، والدليل على ذلك هو تمكننا من إعادة ربط الأعصاب في الذراعين والساقين بعد انقطاعها، في حين لا تتاح مثل هذه الجراحة لإصابات الحبل الشوكي.

مشكلات شائعة

يفيد د.ديمايو أن إصابة الحبل الشوكي يمكن أن تكون «كاملة» أو «غير كاملة» اعتماداً على مدى نجاة مراكز الوظائف أسفل المنطقة المصابة، ويعتبر الشلل أكثر النتائج وضوحاً، ففي حالة إصابة العنق (العمود الفقري العنقي)، ينتج عادة شلل في الذراعين والساقين يعرف باسم الشلل الرباعي (Tetraplegia) أما إذا كانت الإصابة في منتصف الظهر (العمود الفقري الصدري)، فإن الشلل يكون عادة في الساقين فقط، ويعرف باسم الشلل النصفي، وإذا ما حدثت الإصابة في أسفل الظهر (العمود الفقري القطني) فإن الحبل الشوكي نفسه لا يصاب عادة حيث ينتهي في القناة الشوكية قبل أن يبدأ العمود الفقري القطني، إلا أن هناك استثناءات معروفة، وإضافة إلى الشلل، تتسبب إصابات الحبل الشوكي عادةً بفقدان القدرة على الشعور، والتأثير على نشاط العضلات أو التشنجات اللاإرادية، والألم العصبي، وفقدان السيطرة على الأمعاء والمثانة، وعدم انتظام القدرة على التحكم في معدل ضربات القلب وضغط الدم والتعرق، وغيرها من الوظائف.
ويكمل: يمكن لهذه العوارض المرتبطة بإصابات الحبل الشوكي أن تكون وخيمة، لكن جهود إعادة التأهيل المناسبة يمكن أن تؤدي إلى استعادة العديد من الوظائف حتى في غياب التعافي العصبي، حيث يمكن تحقيق أهداف معينة ستساعد المصابين بشلل دائم على العودة إلى المنزل والعمل، وتشمل جهود إعادة التأهيل فريقاً واسعاً من المعالجين والممرضين والأطباء الذين يقودهم طبيب إعادة تأهيل متخصص في إصابات الحبل الشوكي.

إعادة التأهيل

يذكر الدكتور وقاس فاروقي، استشاري في الطب الفيزيائي وإعادة التأهيل: أن حوادث المرور على الطرق تتسبب بمعظم إصابات الحبل الشوكي، لذلك يجب أن ترتكز طريقة التعامل معها على أسلوب العمل الجماعي، حيث يقع على عاتق المسعفين الأوائل واجب نقل المصابين بطريقة تحافظ على ثبات العمود الفقري، وفي مركز معالجة الصدمات، يجب أن يتم استبعاد إصابة العمود الفقري عبر الصور الشعاعية، مع أخذ التدابير اللازمة لضمان عدم تعرض الحبل الشوكي لأي أذى أثناء معالجة المريض، وربما يحتاج المرضى إلى تدخل جراحي أو معالجة تقويمية للعظام لضمان ثبات العمود الفقري في حال كان غير مستقر، وبعد انتهاء الإجراءات الإدارية لعلاج الإصابات الحادة، يحتاج المرضى الذين يعانون عجزاً عصبياً إلى تأهيل إصابات الحبل الشوكي المتخصصة التي تمد المريض بالرعاية المناسبة للتعامل مع إصابة الحبل الشوكي، بالإضافة إلى العلاج الطبيعي، والعلاج الوظيفي، وتقويم النطق، والعلاج النفسي بالتعاون مع باقي الأطباء المشرفين على إدارة حالة المريض، وربما يحتاج المرضى بحسب مستوى وشدة الإصابة لديهم في الحبل الشوكي إلى إعادة تأهيل داخل المركز لفترة طويلة تتبعها إعادة تأهيل في المنزل.

خطة تأهيلية

يؤكد د.فاروقي أن خطة إعادة التأهيل لإصابات الحبل الشوكي ترتكز على نهج متعدد التخصصات، حيث يتم توفير العديد من التدخلات الطبية من قبل أطباء بمختلف الاختصاصات للوصول إلى هدف محدد مثل إمكانية التحرك والتنقل بشكل مستقل، وسيكون المريض محور هذه العملية، ومن الضروري أن يمتلك حافزاً جيداً وتفاؤلاً صحياً من أجل تحقيق أفضل النتائج، كما يلعب الفريق الطبي والتمريضي دوراً مهماً في توفير المعرفة والطمأنينية وإدارة الحالات الصحية المعقدة التي يعانيها المرضى مثل الآلام والتشنجات ومشاكل الأمعاء والمثانة وسلس البول، وتضمن رعاية مرضى إصابات الحبل الشوكي عدم تعرضهم إلى تقرحات الفراش، وفي حال وجود مشاكل جلدية في منطقة الضغط، فإن ذلك يتطلب منع المريض من تركيز وزنه على تلك المنطقة، الأمر الذي يحول غالباً دون استخدام الكراسي المتحركة، ما يؤدي إلى توقف برنامج العلاج، ويمتلك الممرضون المختصون برعاية إصابات الحبل الشوكي خبرة كبيرة في إدارة المشاكل المعقدة للأمعاء والمثانة، كما أنهم يزودون المرضى والقائمين على رعايتهم بالمعرفة والتدريب اللازمين للتعامل مع حالات الحصر.

العلاج الطبيعي

يفيد د.فاروقي بأن العلاج الطبيعي يركز على الحفاظ على حركة المفاصل ومنع التقلصات وتحسين الوظائف بطريقة تدريجية مثل التقلب في السرير أو الجلوس عليه وعلى الكرسي، والبدء بعملية الوقوف والمشي إذا كان ذلك ممكناً، كما يوفر المعرفة اللازمة لإدارة حالات الانقباض والتقلص. ومن جهة أخرى، يوفر العلاج الوظيفي التدريب على شكل أنشطة يومية باستخدام التقنيات المعدّلة والمعدات التكيفية، كما أنه يساعد على تقوية الأطراف العلوية والتدريب الوظيفي، خاصةً لدى المرضى الذين يعانون شللا رباعياً عن طريق العلاج والتقويم، ويتم في العلاج الوظيفي وصف واختبار عدد من الكراسي المتحركة لضمان توفير الكرسي المتحرك المناسب الذي يستطيع المريض استخدامه بفعالية سواء في داخل المركز أو خارجه، كما أنه المسؤول عن النظر إلى البيئة المعيشية للمرضى وتقديم التوصيات لإجراء التعديلات المناسبة التي تسمح للمرضى بأن يكونوا مستقلين قدر الإمكان.
يضيف: عندما يصبح المرضى مستقلين في الحياة الداخلية، يتم تدريبهم على التحرك في الهواء الطلق والقيام ببعض الأنشطة، وفي هذا الصدد، فإنهم يحتاجون إلى تقييم وتوصيات تتعلق بالمرافق والمعدات التي تسمح لهم بالمشاركة في أدوار مهنية واجتماعية، الأمر الذي يكون مرتبطاً بالحصول على كرسي متحرك مختلف أو مركبات مجهزة بكرسي متحرك ومزودة بضوابط بديلة وما إلى ذلك.

أجهزة مستخدمة

يؤكد د. فاروقي على أن الأجهزة المشتركة والمستخدمة في العلاج الطبيعي والرعاية ترتبط بتلك المطلوبة في عمليات نقل المرضى مثل الرافعة وألواح النقل. وبعد ذلك، حيث يتم استخدام الطاولات المائلة عندما يتحسن المريض ويتمكن من الوقوف من أجل البدء في تنظيم استجابات ضغط الدم الوضعي قبل القيام بمحاولات الوقوف بمساعدة العكازات، كما يتم توظيف أجهزة المشي والحركة المعلقة لإنشاء أنماط مشي لدى المصابين بالشلل النصفي، وفي هذا الإطار، تكتسب الأجهزة الروبوتية رواجاً أكبر فيما يتعلق بإعادة تأهيل طريقة المشي، وفي أغلب الأحيان يتم اللجوء للتحفيز الكهربائي الوظيفي لتنشيط العضلات وتقويتها، ويحتاج مرضى إصابات الحبل الشوكي إلى كراسي متحركة مخصصة ومزودة بوسائد تخفيف الضغط المناسبة، كما يجب أن تكون الكراسي قادرة على توفير وضعية جلوس مريحة مع إمكانية توجيهها بأسلوب فعّال وسهل، وهي تختلف عن الكراسي المتحركة الخاصة بالمستشفيات، والتي تحتاج في معظم الأحيان إلى تعديلات، كما يحتاج المرضى غير القادرين على الحركة في الأسرة والكراسي المتحركة إلى وجود الوسائد والمراتب الهوائية من أجل تخفيف الضغط، حيث إن عدم توفرها يزيد من خطر الإصابة بتقرحات الفراش والعدوى الشاملة، كما تساعد عصى الالتقاط ذات المقبض الطويل المرضى على التقاط الأشياء من الأرض أثناء الجلوس على الكرسي المتحرك، ويمكن تصنيع العديد من الجبائر وتوفيرها لمرضى الشلل الرباعي لتساعدهم في إمكانية التحكم بثبات أو للقيام بمهام دقيقة مثل الطباعة والكتابة.

فحوصات المتابعة

يبين د.فاروقي أن مرضى إصابات الحبل الشوكي يعانون مشاكل صحية خاصة بهم تحتاج إلى متابعة من قبل أطباء متخصصين لإدارتها مثل أطباء إعادة التأهيل، كما يجب على المرضى الذين يستخدمون أنابيب القسطرة الخضوع لمراقبة منتظمة لوظائف الكلى والقيام بفحوص الموجات فوق الصوتية للمثانة من أجل مراقبة التغيرات المرتبطة بالضغط الطويل على المثانة، بالإضافة إلى أن هناك الكثير من الحالات الصحية المتعلقة بانقباض العضلات ومشاكل الجلد وهشاشة العظام، الجلطات الدموية، الآلام، والخلل الوظيفي في الأمعاء والمثانة والتقدم بالسن مع إصابة في الحبل الشوكي، وجميعها تتطلب اختصاصيين بإصابات الحبل الشوكي لعلاج هؤلاء المرضى على نحو منتظم، كما يعتبر مستخدمو الكرسي المتحرك شديدي الحساسية للتغيرات في العضلات ووضعية الوقوف، وربما تحتاج الحالات الطبية المزمنة وتقلبات الوزن لدى المرضى إلى تعديلات في الكرسي المتحرك، وفي بعض الحالات تؤثر القضايا الصحية الثانوية المرتبطة بالحالة بشكل كبير على العلاج الوظيفي، ويحتاج هؤلاء المرضى إلى إعادة تأهيل إضافية داخلية أو خارجية لاستعادة الوظائف المفقودة.

إحصاءات

أشارت الأبحاث والدراسات إلى أن إصابات الحبل الشوكي تستهدف فئة الذكور أكثر من الإناث، وتسجل الولايات المتحدة نحو 12000 إصابة في الحبل الشوكي سنوياً، في حين تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى حدوث 25000-50000 إصابة في جميع أنحاء العالم، العديد منها في البلدان النامية، أما في البلدان المتقدمة، فيكون الأفراد الأصغر سناً (18-33) أكثر عرضة للإصابة بصدمات حادة جراء حوادث السيارات أو السقوط أو الرياضة، في حين يمكن للأفراد الأكبر سناً (فوق 65) التعرض لها حتى بعد الصدمات البسيطة نسبياً خاصة مع تعرض العمود الفقري لانتكاسات أخرى مرتبطة بالتقدم بالعمر.