الأمراض الرئوية..وقاية سهلة ومضاعفات خطِرة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

يقع زوج الرئتين على جانبي الصدر، وتتكون اليمنى من ثلاثة فصوص، واليسري من فصين، وهما يُعدّان العضوين الرئيسيين في الجهاز التنفسي الموجود في جسم الإنسان، وتتمثل وظيفتهما في نقل الأوكسجين الموجود بالهواء إلى الداخل، وإخراج ثاني أكسيد الكربون للخارج، وخلال المراحل العمرية من الطفولة إلى الشيخوخة ربما يتعرض نسيج الرئتين إلى العديد من الأمراض، نتيجة التلوث الموجود في الهواء، بعض الفيروسات والبكتيريا وغيرها، كما يعتبر التدخين أهم الأسباب التي تعرض الرئة للمشكلات، وفي السطور القادمة يخبرنا الخبراء والاختصاصيون عن هذه الآفات المتعددة، وطرق علاجها والوقاية منها.
يقول الدكتور مرهف الحلبي، مختص أمراض الصدر والجهـــاز التنفسي، إن الرئة تعتبر من الأعضاء النبيلة في جسم الإنسان، وتأتي أهميتها من كونها الجزء الرئيسي في الجهاز التنفسي، ولها وظائف متعددة، أهمها عملية إدخال غاز الأوكــسجين من الهواء المحيط إلى الدم، عن طريق الوحدات السنخية الشعرية المحيطة بالأسناخ الرئوية، و تخليص الدم من غاز ثاني أوكسيد الكربون، و طرحه إلى الهواء الخارجي، حيث تتصل الرئة بالمحيط عن طريق الجهاز التنفسي النــاقل، والذي يمتد من الأنف حتى القصيبات الانتهائية، لذلك فهي تتعــــــرض للعديد مــــن المشكلات بسبب دخول المخرشات من غبار وأتربـــة، إضافة إلى العــــوامل الممرضـــة من فيروسات وجــــراثيــم و غــيرها، و يزداد هذا التعرض فـــي حال انسداد الأنف، والتنفس عن طريق الفم بسبب خاصية تنقية الهواء المستنشق، وتعديل خصائصه في الغشاء المخاطي للأنف.
يضيف: أن الرئة عضو بالغ الأهمية في جسم الإنسان، وهي مركز الجهاز التنفسي، ويجب حمايتها بالابتعاد عن العوامل الممرضة، والمواد الملوثة وبخاصة التدخين؛ لوقايتها من المشكلات الصحية، والتي ربما تؤدي إلى الإعاقة أو الوفاة، إضافة إلى حماية الطرق التنفسية الناقلة كالقصبات الهوائية، وتأمين تنفس صحيح عن طريق الأنف، والعيش ضمن أجواء صحية، ولا ننسى دور اللقاحات اللازمة لحماية الجهاز التنفسي كلقاح الجراثيم الرئوية، ولقاح الإنفلونزا السنوي.

إصابات الرئة

يوضح د.مرهف بأن الرئة تصاب بنوعين من الأمراض وهما:-
* الحادة وأهمها ذات الرئة، القصبات، انصبابات الجنب، ومن أهم أسباب الالتهاب الرئوي الحاد الجراثيم، وأهمها المكورات الرئوية، كما تصاب بالالتهاب الدرني، وغالباً ما يأخذ شكلاً تحت حادّ، إضافة إلى إمكانية حدوث الالتهاب الرئوي بعوامل ممرضة أخرى كالالتهاب الفيروسي، والالتهابات الجرثومية الأخري في حالات خاصة، كما عند ضعيفي المناعة، والمصابين بأمراض أخرى مزمنة كالسكري، أمراض الكبد، والرئة المزمنة.
* الشكل الثاني من الإصابات الرئوية هو المرض الرئوي الانسدادي المزمن، ويعتبر التدخين سببه الرئيسي، ويسبب سعالاً، وزلة تنفسية شديدة على الجهد، ويحدث فـــيه انتفاخ الرئة بسبب تخرب في الأسناخ الرئوية، إضافة إلى التهاب القصبات المزمن، كما يعتبر تلوث الجو من أهم أسباب المرض الرئوي الانسدادي المزمن، خاصة في المناطق الموبوءة بالغـــازات السامـــة المخرشـــة، كما في المدن الصناعية الكبيرة، بسبب نواتج المعامل و المناطق المزدحمة بسبب عوادم السيارات.

الجلطات الرئوية

يذكر الدكتور حسن محمد أحمد عارف، استشاري طب الجهاز التنفسي، أن الجلطات الرئوية عبارة عن تكون تخثر بالدم، تحدث في أماكن متعددة من الجسم، أشهرها جلطات القلب، المخ، والرئة التي تتكون داخل الشرايين الرئوية، أو التي تستهدف أماكن أخرى ولكنها تتحرك مع الدورة الدموية وتستقر في شرايين الرئة، ويعد أكثر المصابين بهذه الإصابة هم كبار السن، من يعانون زيادة الوزن المفرطة، مرضى الأورام الخبيثة، مصابو جلطات المخ، بعض أمراض الدم، من لديهم تاريخ مرضي سابق بالجلطات، كما يمكن أن يتعرض لها الأشخاص بعد إجراء عملية كبيرة، وخاصة التي تخص المفاصل وكسور القدمين، أو بعد الحوادث، وتتمثل أعراض الجلطات الرئوية في معظم الحالات بالشعور بألم في الصدر يصاحـــبه خفــــقان بالقلب وصـعوبة التنفس، أو الضيق والخــــفقان المفاجئ، ومن الممكن ملاحظة انخفاض فــي ضغط الدم، وفي بعض الحالات النادرة يعاني المــريض السعال مع إفرازات دموية، أما المسنون الذين لديهم مشكلات صــحــية أخرى في القلب أو الرئتين، فربما لا يشـــعرون بأي علامات على الإطـــلاق، وتســـــمــى هــــذه الحـــالــــــة بالجــلطة الصامتة، الـــتي تمثل نســبة كبيرة من المشكلات التي لا يتم تشـــخيصها لعدم وجــود شــكوى مــن المصاب.

الأسباب

يفيد د. حسن بأن الجـــلطة الرئوية تحـــدث عند الأشـــخاص الذين لديهم اســـتعداد وميول للإصـــابة بها، كما أن هناك ثلاثة عوامل رئيســــية تتشارك معاً لتنتج عنها هذه الإصابة، وهي:
* وجود إصابة بالأوردة الدموية أو التهابات تؤدي إلى تنامي فرص تكون جلطات بالأوردة في الساقين، ويحدث ذلك في حالات الحوادث، الإصابات، العمليات، أو تعرض الأوردة للالتهابات.
* وجود أسباب مرضية تؤدي إلى تجلط الدم.
* ركود الدم عند السفر بالطائرة أو القطار لمسافات طويلة، أو قيادة السيارة بصفة متواصلة أكثر من ساعتين بدون توقف؛ ولذلك يُنصح المسافرون دوماً بضرورة الحركة أثناء السفر، وكذلك التوقف والنزول من السيارة لتفادي ركود الدم.

طرق تشخيصية

يبين د. حسن أن تشخيص الجلطات الرئوية يكون عن طريق الكشف السريري، وسماع شكوي المريض، والأعراض التي يعانيها، ثم يقوم الطبيب ببداية الفحوصات بالبحث عن وجود جلطات، ويتم ذلك عن طريق خضوع المصاب لبعض التحاليل المبدئية، ثم يأتي دور الأشعة الرئوية بالصبغة، مع مراعاة أن هناك بعض المرضى غير القادرين على تحمل الصبغات، أو يعانون من وجود مشكلات بالكلى، وفي هذه الحالة تتم الاستعاضة عن هذا الإجراء بعمل مسح على الرئتين، بواسطة بعض المواد المشعة، ويتم استنباط وجود جلطة بالشريان الرئوي، عن طريق عمل أشعة صوتية على أوردة الساقين، حيث إن الكثير من الجلطات الرئوية تحدث عن طريق جلطة الساقين، التي تتحرك وتستهدف الشريان الرئوي.
يضيف: يعد تشخيص الجلطات الرئوية من أهم الإجراءات العلاجية في إنقاذ حياة المريض، حيث يتم تلافي حدوث مشاكل بالقلب والرئتين، والتأثير في وظائف باقي أعضاء الجسم، كما يجب ملاحظة المصاب حتى بعد زوال خطر الجلطة الرئوية، خاصة أن الخطورة تكمن في تكرار الجلطات على مدار الأشهر والسنين، وعدم التوقف عن تناول العلاجات أو إهمالها، بالمتابعة المستمرة لدى طبيب القلب أو الصدر.

نسب الإصابة

يشير الدكتور معن جمال، استشاري أمراض الرئة، أن الجلطة الرئــــوية هــي عبارة عن انسداد في الشريان الرئوي أو فــــي أحد فروعه بمادة معينة، الخثرة الدموية، الورم، فقاعة الهواء أو الخثرة الدهـــنية، وعـادة ما يكون مصدر هذه المادة أوردة الأطراف السفلية/ أوردة الحوض أو القلب الأيمن، وتتراوح نسبة حدوثها من 100/ 112 ألف نسمة، وتزيد نسبة الإصابة بها لدى الذكور عنها لدى الإناث، وكذلك مع التقدم في العمر، وتعد أعراضها الأكثر انتشاراً هي التي تعتبر مؤشّراً على وجود الانصمام الرئوي، تشمل ضيق التنفّس المفاجئ، آلاماً حادة في الصدر تشتد عند السعال أو التنفس العميق، إضافة إلى السعال المصحوب ببلغم رغوي يتّشح باللـــون الوردي، ومن أهم الأسباب التي تزيد من احتمال الإصابة بها السرطانات، عدم الحركة والبقاء في السرير لمدة طويلة، التدخين، الجلطات الدماغية، إضافة إلى الأســــباب الوراثية والهــــــــرمــــــونـــــات الإسـتروجينية.

العلاج

يوضح د. معن أن علاج الجلطة الرئوية يتركز على إعطاء الأوكسجين، السوائل الوريدية، إضافة إلى رافعات الضغط في حال الصدمة الوعائية، وعند التأكد من التشخيص يكون العلاج بمميعات الدم لمدة ستة أشهر أو أكثر، وذلك بحسب المسببات، وهناك طرق أخرى تتمثل في تذويب الجلطات، استئصال الجلطات جراحياً، أو تركيب فلتر لأوردة الجسم الكبيرة، وتتمثل أهم طرق الوقاية في معرفة المرضى المهيئين أكثر من غيرهم للإصابة بها، وعلاجهم باكراً بجرعات صغيرة من مميعات الدم، الحركة الباكرة بعد العمليات الجراحية، إنقاص الوزن وعلاج كافة الأمراض المزمنة المؤهلة للإصابة بها، وعادة ما يؤدي الانصمام الرئوي إلى ظهور أعراض عامة أكثر، وعلى سبيل المثال يشعر الشخص المصاب بمرض الانصمام الرئوي بالقلق، التوتر أو العصبية، أو يعاني التعرّق المفرط، الدوخة أو الشعور بالإغماء، تسارع دقات القلب أو الخفقان (زيادة مؤقتة في سرعة ضربات القلب، يشعر بها الشخص كارتجاف في الصدر)، أما إذا ظهرت أعراض مشابهة لما ذكر آنفاً، فينبغي التوجه بشكل فوري لتلقي العلاج الطبي، خاصة إذا كانت الإصابة بالأعراض بشكل مفاجئ وبصورة حادة، ويعد التشخيص الدقيق لمرض الانصمام الرئوي أمراً ليس بالسهل البتة، ويعود سبب صعوبة ذلك إلى كون الأعراض المميزة لمرض الانصمام الرئوي مشابهة جداً للعديد من الأمراض الأخرى، مثل: النوبة القلبية، نوبة القلق أو الالتهاب الرئوي.
يستكمل: اعتماداً على تقييم درجة الخطورة، ربما تكون هنالك حاجة إلى إجراء فحوص للكشف عن جلطات دموية ومواقعها، أو لنفي عوامل أخرى تسبب الأعراض نفسها، الفحوصات الاعتيادية التي تشمل: فحوص الدم، فحص التصوير فائق الصوت (التصوير بالموجات فوق الصوتية، التصوير المقطعي المحوسب، مخطط كهربية القلب والتصوير بالرنين المغناطيسي)، كما يساعد تناول الأدوية المضادّة للتخثّر بشكل يومي على منع حدوث الانصمام الرئوي مستقبلاً، وذلك عن طريق الحد من تكون جلطات دموية جديدة، ونمو الجلطات القائمة، في حين يزداد خطر تكون جلطات دموية جديدة في الأسابيع الأولى التي تعقب تكون الانصمام الرئوي الأول، ثم تقل درجة الخطر مع مرور الوقت، لكن خطر تكون الجلطات الدموية الجديدة يبقى ماثلاً في الأشهر، وأحيانا السنوات، التي تعقب ظهور الانصمام الرئوي الأول، تبعاً للعامل الأساسي الذي أدّى إلى تكونه، وربما يضطر الأشخاص المصابون بظاهرة تكرار تكون الجلطات الدموية أو الانصمام الرئوي إلى المواظبة على تناول مضادات التخثّر مدى الحياة.

الأطفال وكبار السن

تصيب الالتهابات الرئوية الحادة كل الأعمار، وتزداد خطورتها عند الأطفال تحت الخمس سنوات، وفي كبار السن فوق الـ 65 عاماً، وعند المرضى المصابين بالأمراض المزمنة الأخرى، كذلك يصيب التدرن الرئوي جميع الأعمار، ويمكن أن يأخذ أشكالاً مختلفة للإصابة، أما الانسداد الرئوي المزمن فيصيب الأشخاص فوق الـ 45 عاماً، وخاصة بعد سنوات طويلة من التدخين أو التعرض لتلوثات الجو المختلفة، ويعد المدخنون أكثر الفئات استهدافاً بالإصابة بالسرطان، ويختلف إنذاره حسب شكله النسجي وامتداده ضمن الرئة أو انتشاره إلى أعضاء أخرى، كما أشارت الأبحاث إلى أنه إذا لم يتم علاج الجلطات الرئوية فإن نسبة الوفاة ربما تصل إلى 30%، تنقص هذه النسبة كثيراً في حالة العلاج بمميعات الدم.