الإعاقة الذهنية عند الأطفال ..العلاج في المهد

مقالات

إعداد: محمد هاني عطوي

إذا كان الطب اليوم يستطيع استخدام ترسانة من الاختبارات للتحقق من صحة الجنين، فليس لديه الكثير من الوسائل لعلاجه. ومع ذلك، تثير الاكتشافات الأخيرة الكثير من الأمل، وتكشف لنا عن عقاقير لو تناولتها الأم، فإنها ستستهدف مباشرة دماغ الطفل في مهده.
من الأمور التي يمكن تفاديها في هذه الحالة، الإعاقة الذهنية أو العقلية وهي مرض موجود في كل العصور، في الماضي والحاضر وسيبقى موجوداً في المستقبل وفي كل المجتمعات على الرغم من وجود برامج العناية والرعاية والحقيقة أنه يصعب وضع تقدير دقيق لمدى انتشار حالات التأخر الذهني نظراً لأن المعايير التي تستخدم لتحديد عدد المعاقين ذهنياً تختلف فيما بينها.
يقدر عدد الأشخاص المصابين بالتأخر الذهني في الولايات المتحدة، ما بين 1،5 إلى 4،5 مليون شخص وتصل النسبة في الدول العربية إلى 5% وفي فرنسا تبلغ ما بين 1 إلى 2٪ من السكان.
وللوصول إلى تحديد نسبة الإعاقة العقلية؛ لا بد من القيام بدراسات مسحية لأن هناك عوامل مؤثرة تساهم في انتشار ظاهرة الإعاقة العقلية.
وفي العادة تعرّف الإعاقة العقلية: بأنها الأداء الوظيفي العقلي الذي ينخفض عن متوسط الذكاء البالغ درجة، ويصاحب ذلك خلل واضح في السلوك التوافقي ويظهر ذلك أثناء فترة النمو ويظهر تدني واضح في القدرة العقلية وقصور في مظاهر السلوك التكيفي وعدم وجود مهارات لازمة للحياة اليومية عند الطفل.
وتشير الدراسات إلى أن مرض تريسومي 21 أي التثلث الصبغي أو متلازمة داون، هو أول سبب وراثي للإصابة بالإعاقة العقلية كذلك يعتبر تعرّض الجنين للكحول، السبب الأول غير الوراثي لهذه الحالة.
وتشمل الأسباب الأخرى التي تم تحديدها: تشوهات وراثية، التعرض خلال فترة الحمل للعوامل المسببة للعدوى (الحصبة الألمانية، فيروس زيكا…) أو تناول أدوية ذات آثار مسخية (مثل ديباكين).
ولكن في بعض الحالات وعلى الرغم من تقدم الطب، أو حتى الجراحة الجنينية، يقف الأطباء عاجزين عن إيجاد علاج في المهد لدماغ الطفل!.

آلية مبكرة

إذا تبين أنه مصاب بإعاقة ذهنية لأن التلف في الدماغ موجود بالفعل وغير قابل للعلاج، وذلك لسبب وجيه هو أن عملية تنظيم الدماغ وإنتاج الخلايا العصبية في وقت مبكر من حياة الجنين، هي جزء من آلية على درجة عالية من الدقة تتدخل فيها العديد من الجزيئات (الهرمونات، النواقل العصبية، وعوامل النمو) وهي آلية مبكرة للغاية ومُعقَّدة؛ بحيث لا يمكن استعادتها بشكل صحيح إذا انحرفت عن طريقها لسبب ما. هذا على الأقل ما كان يعتقده الأطباء حتى وقت قريب. العديد من فرق البحث الطبية في جميع أنحاء العالم تحاول الآن تطوير علاجات يتم استخدامها عن طريق الأم، من شأنها الحد من تلف الدماغ، وبالتالي الحفاظ على القدرات الإدراكية للأطفال.

أحدث تقدم

من هذه التطورات الحديثة جداً والمثيرة للإعجاب والتي نشرت نتائجها في شهر سبتمبر الماضي، ما توصل إليه فريق ماساتوشي هاجيوارا من جامعة كيوتو، باليابان، فقد ركز فريق البحث على فئران تعاني من متلازمة داون، أي التثلث الصبغي 21. ولاحظ أن تشكل الخلايا العصبية الجديدة يمنع جزئيا في الفئران المصابة بالتثلث الصبغي 21. بحث الفريق الطبي عن جزيء قادر على تعزيز إنتاج الخلايا العصبية في الرحم… وعثروا على جزيء أسموه «ألجرنون».
أجرى الباحثون في المختبر، تجارب على هذا الجزيء مستخدمين خلايا جذعية عصبية حاملة لذلك الشذوذ الكروموسومي ثم جربوه على فئران حوامل بأجنة مصابة بمتلازمة داون.
وجاءت النتيجة على النحو التالي: بوجود إنزيم «ألجرنون»، فإن الخلايا الجذعية العصبية المصابة بمتلازمة داون، تتكاثر مثلها مثل الخلايا غير المصابة ولوحظ أن تطور القشرة الدماغية للفئران المصابة بمتلازمة دوان يمكن ترميمه. الأفضل من ذلك، أن الفئران التي تعاني من متلازمة داون والتي خضعت لعدد من المهام المعرفية، نجحت في حين فشلت الفئران المصابة التي لم تتلق المعالجة. ولكن ما هي الآليات الفيسيولوجية التي استخدمت حقاً ؟

زيكا

يقول ماساتوشي هاجيوارا: «اكتشفنا أن «ألجرنون» عبارة عن مانع للإنزيم كيناز (Dyrk1A) الضروري لإحداث الانقسام الخلوي». وعند وجوده بكميات زائدة في الدماغ، فإن كيناز ( Dyrk1A ) يثبط انقسام الخلايا وبالتالي تكون الخلايا العصبية.
هذا هو بالضبط ما يبدو أنه يحدث عند الأجنة المصابة بفيروس زيكا الذي ينتقل بواسطة البعوض ويحدث مشاكل كبرى خاصة في البرازيل (وهنا نجد أن الجينة المشفرة لكيناز Dyrk1A تظهر بشكل مبالغ فيه ) ولدى من يعانون من متلازمة داون 21 (حيث يقع الجين Dyrk1A على الكروموسوم 21، ويكون موجوداً في ثلاث نسخ بدلاً من اثنتين). لذلك فإن تثبيط نشاطه يعد سبيلاً واعداً في معالجة الأجنة المصابة ببعض الإعاقات الذهنية داخل الرحم.

الشاي الأخضر

من جهته يقول جون موريس دولابار، الباحث في معهد الدماغ والنخاع الشوكي في جامعة بيير وماري كوري، بباريس: «الجين الذي يحمل الشيفرة Dyrk1A هو جزء من الجينات التي تعتبر ذات مسؤولية كبرى عن التخلف العقلي المرتبط بالتثلث الصبغي 21». وفي العام 2009، أثبت فريق دولابار العلمي أيضاً أن المادة الفعالة في الشاي الأخضر، وهي Epigallocatechin gallate (EGCG) تثبط نشاط Dyrk1A كيناز.
أبدت الحيوانات المعالجة في المرحلة المبكرة من الحمل، تغيرات شكلية ومعرفية مع استعادة الأداء العادي أثناء اختبار التعرف على كائن جديد. لكن هذا لم يكن المسار الوحيد الذي استكشفه المجتمع العلمي.
ففي منطقة بولونيا بإيطاليا، أثبت فريق ريناتا بارتيساجي في العام 2014 أن إعطاء فئران حوامل مادة فلوكستين، المعروفة بالاسم التجاري بروزاك، سمح بتحسين القدرات الإدراكية لأبنائها المصابة بالتثلث الصبغي 21.
وفي الولايات المتحدة، حقق فريق Diana Bianchi (مركز Tufts الطبي، بوسطن) وفريق كاثرين سبونج (المعهد الوطني لتنمية الطفل والتنمية البشرية في Bethesda) نتائج مماثلة على التوالي، بفضل الـApigenin وهي مضاد للأكسدة، وذات ببتيدين، يطلق عليهما NAP وSAL.
وأخيراً، أثبت فريق ستيفن جينvvسبيرج في كلية الطب نيويورك حدوث تحسن في الإعاقات الإدراكية لدى فئران مصابة بمتلازمة داون من خلال إعطائها مادة الكولين في الرحم (تعتبر من المواد الأساسية المغذية للجسم وتمتاز بخاصية الذوبان في الماء وتتركب من فيتامين ب المركبB-complex vitamins).
ويقول ستيفن جينسبيرج: «هناك العديد من الآليات التي يمكن أن تفسر التأثير الإيجابي للكولين على نمو الدماغ منها أنه مؤشر للأستيل كولين، الناقل العصبي اللازم لوظيفة الدماغ». كما أن بعض مشتقات الكولين هي مكونات مهمة للغشاء المشبكي، فضلاً عن أن الكولين يؤثر عن طريق الوراثة، على الطريقة التي تعبر بها الجينات عن نفسها».
ومن المثير للاهتمام أن الكولين، مثله مثل الببتيدات NAP وSAL، أثبت أنه فعال في علاج إعاقة ذهنية أخرى، وهي متلازمة الكحول الجنينية.

اكتشافات مثيرة

وبقدر ما لهذه الاكتشافات المثيرة من أهمية، إلا أنها تمت كلها على القوارض. وعندما تنجح التجارب نفسها على الإنسان، ستحدث بلا شك هناك خطوة كبيرة لكن الأمر يبقى معقداً بشكل خاص؛ لأنه يستهدف النساء الحوامل.
والواقع أن التجربة السريرية على النساء الحوامل تعتبر بمثابة الكابوس فباسم مبدأ التحوط، يتم استبعادهن تقريباً ولكن إذا كانت معظم الأدوية غير محبذة لهن، فليس معنى ذلك أنها خطرة على أطفالهن، ولكن ببساطة لأنه يفضل الامتناع عن اختبار مقدار الضرر الذي يمكن أن يتعرضن له.
وعلى هذه الحال هل سيجرؤ الباحثون على تجاوز هذه العقبة ؟ الحقيقة، ماساتوشي هاجيوارا في اليابان يفضل في الوقت الحالي أن يظل حذراً ويقول: «نسعى إلى اختبار الجيرنون في التجارب السريرية، ولكن لأسباب تتعلق بالسلامة والأخلاق، فإن التطبيق الأول ربما لن يكون العلاج الجنيني للتثلث الصبغي 21. وبما أن الجيرنون يبدو قادراً أيضاً على تعزيز تكوين الخلايا العصبية عند البالغين إلى حد ما، فسوف نختبره أولاً على المرضى البالغين المصابين بالسكتة الدماغية».
أما الصعوبة الأخرى فتتمثل في قياس تأثير العلاج. فالتثلث الصبغي 21، مثله مثل أي تشوه دماغي، يؤدي إلى قصور ذهني ذي خطورة متنوعة بين مريض وآخر؛ فالبعض سيتأثر بشدة والبعض الآخر أقل بكثير، وذلك من دون أن نكون قادرين على تفسير السبب. ويقول روجيه ريفز، الباحث في جامعة جون هوبكنز في بالتيمور (الولايات المتحدة)، حتى إذا كانت هناك فروق بين طفل معالج وآخر غير معالج، فلن يكون واضحاً على الإطلاق، إن كانت هذه الاختلافات ترجع إلى العلاج أم لا.. ويضيف ريفز أنه في حالة متلازمة الكحول الجنينية، يجب أيضًا مراعاة تأثير بيئة ما بعد الولادة: فالأطفال الذين يولدون لأمهات مدمنات على الكحول غالبًا ما يعيشون في بيئة محرومة أو يتعرضون لخطر العنف، وهو ما قد يكون له تأثير على تطورهم وعلى نتائج الدراسات.
وعلى الرغم من كل هذه التحفظات، فقد تجرأ البعض على الدخول بمغامرة التجربة السريرية باستخدام الفلوكستين، التي تستخدم فعلياً من قبل بعض النساء الحوامل كمضاد للاكتئاب، ففي ولاية دالاس، بالولايات المتحدة الأمريكية، بدأت كارول تامينجا في تقييم تأثيرها على نمو المخ لدى الأجنة المصابة بالتثلث الصبغي 21.
وتقول الباحثة: «بدأنا العلاج خلال الثلث الثاني من الحمل، وسنستمر به بعد الولادة، حتى يبلغ عمر الطفل سنتين لكن هذه التجربة السريرية صغيرة في الوقت الراهن وسيشارك فيها فقط 21 زوجًا من الأمهات وأطفالهن».
وفي أوكرانيا، قام فريق من الباحثين الأمريكيين والأوكرانيين باختبار تأثير مكملات الكولين على النساء الحوامل اللواتي يستهلكن الكثير من الكحول. هذه الاختبارات هي أكثر إثارة للاهتمام، على عكس الفلوكستين التي لا تزال تثير المخاوف من آثارها الجانبية، لكن الكولين لا يعرض الجنين لأي خطر. وقد أظهرت نتائجهم، التي نشرت في العام 2015، تحسناً في بعض القدرات المعرفية عند الأطفال المولودين. الأفضل من ذلك، أن هذا الجزيء يمكن أن يكون مفيدًا لجميع الأطفال.
وأظهرت العديد من الدراسات أن النساء الحوامل تزداد حاجتهن إلى الكولين ولا يشعرن بأنهن مكتفيات من الناحية الغذائية لدرجة أنه بالنسبة لستيفن جينس بيرج، فإن «مكملات الكولين هي خيار ممتاز لجميع النساء الحوامل»