الساعة البيولوجية تضبط حرق السعرات الحرارية

مقالات

إعداد: محمد هاني عطوي
 
يجتهد العلماء في فهم آلية عمل الغدد الهضمية وطريقة امتصاص الجسم للغذاء وكيفية الاستفادة منه للوصول إلى حلول للمشكلات التي تواجه ذلك الجهاز الحيوي في الجسم، علاوة على أهدافهم الحثيثة لإيجاد علاجات ناجعة للسمنة وسوء التغذية وغيرها.
 
توجت تلك الجهود مؤخراً بكشف العلاقة العلمية بين عملية امتصاص الغذاء وتوزيعه على أجهزة الجسم للاستفادة منه، والساعة البيولوجية المسؤولة عن تنظيم العمليات الحيوية في الجسم، ما يبشر بإيجاد حلول مستقبلية للعديد من الأمراض الهضمية والبدانة.
 
تصل عمليات الأيض الأساسية إلى أعلى نسبة لها في وقت متأخر من فترة بعد الظهر (الخامسة عصرا) مما تكون عليه في فترة الصباح وفقاً لدراسة جديدة، وتبلغ 10٪ وهذا ما يطلق عليه الإيقاع البيولوجي لفترة 24 ساعة وهو دليل آخر على تأثير الساعة البيولوجية في العمليات الفسيولوجية.
 
وتتبع معظم العمليات الفسيولوجية في الجسم إيقاعاً بيولوجياً فطرياً، يتولد عن طريق «ساعة جزيئية» مستقلة عن جدولنا اليومي وحياتنا الاجتماعية.
 
فمن المعروف على سبيل المثال، أن الجسم يفرز الميلاتونين في نهاية اليوم، الأمر الذي يحفز النعاس والنوم.
 
وقد أظهرت العديد من الدراسات أن تناول الطعام في وقت غير مناسب يتسبب في تعطيل هذا الإيقاع الطبيعي، وبالتالي يعزز حدوث السمنة ومقاومة إفراز الأنسولين، وبالتالي الإصابة بمرض السكري. والحقيقة أن تناول الطعام خلال فترة النوم هو الذي يسبب زيادة الوزن أكبر مما إذا تم تناول الكمية نفسها من الطعام خلال النهار.
 
أظهرت دراسة جديدة نشرت مؤخراً في دورية علم الأحياء الحالية، صحة هذه النتائج حيث درس الباحثون التغيرات في عملية التمثيل الغذائي الأساسي التي تمثل الطاقة التي يبذلها الجسم لتأمين الوظائف الحيوية (التنفس، عمل الدماغ، تنظيم درجة الحرارة الداخلية…)، أي ما يعادل 60٪ إلى 70٪ من المجموع الكلي للسعرات الحرارية المستهلكة. وقد تم إخضاع مجموعة من سبعة مرضى لمدة 37 يوماً لحالة «عدم التزامن» داخل غرفة بلا نوافذ ولا أي مؤشر زمني.
 
وبعد أسبوع من الإيقاع الثابت تم تأخير مواعيد وقت النوم والاستيقاظ أربع ساعات كل يوم لقياس ما استهلكته العمليات الاستقلابية (الأيض) من طاقة بغض النظر عن النشاط ودورة الليل والنهار. وقد واصلت مجموعة مراقبة اتباع الجداول الزمنية العادية.
 
وفي كلتا الحالتين، وجد الباحثون دورة حيوية ذات نقطة منخفضة عند حوالي الساعة 5 صباحاً، حيث تكون درجة حرارة الجسم وعمليات حرق السعرات الحرارية أقل ما يمكن وأخرى ذات نقطة مرتفعة، وبالضبط تكون بعد 12 ساعة أي تقريباً عند الساعة الخامسة مساء، حيث يحرق الجسم أكبر قدر من الطاقة. وما بين النقطتين تتغير عملية الأيض الأساسي بنسبة 10٪ أي ما يعادل 130 سعرة حرارية. وبالمثل، فإن حاصل المعدل التنفسي، الذي يعكس أكسدة الكربوهيدرات والدهون، يصل أيضاً إلى ذروته في الصباح ويشهد انخفاضاً في المساء.
 
ومن الناحية التخطيطية، يعبر الحاصل التنفسي المنخفض عن عملية تأكسد أكبر للشحوم، وبالتالي يشير إلى تخزين أقل للدهون. وهذا يتفق مع حقيقة أن التمثيل الغذائي الأساسي يكون أعلى في المساء.
 
معايرة الغذاء
 
وتقول الباحثة في علم التغذية جين دوفي: لا بد من الانتباه لأن أوقات الساعة البيولوجية لا تتطابق مع الأوقات التي تظهرها الساعة التي تلبسها في معصمك ولكن تتفق مع النظام اليومي الخاص بك. وتضيف دوفي: هكذا لا يمكننا الوصول إلى الاستنتاج الذي يقول إنه يمكننا بسهولة التخلص من كمية الحلويات التي يمكن تناولها (كعكة الجاتو مثلاً) في نهاية فترة ما بعد الظهر. من ناحية أخرى، يمكن أن يؤدي أي خلل في دورة الساعة البيولوجية إلى زيادة في الوزن. وتوضح ذلك جين دوفي في مقابلة لها مع مجلة التايم: «تخيل أنك استيقظت قبل ساعتين من موعد استيقاظك المعتاد لتناول فطورك، حينها سيتوافق هذا بالنسبة لوقت الدورة مع الفترة التي يستخدم فيها الجسم أقل كمية من الطاقة، وبما انك تناولت نفس الكمية كالمعتاد، فستقوم حينها بتخزين المزيد من السعرات الحرارية. ووفقاً للباحثة، فإن الشيء المهم هو ضبط كمية ما تتناوله من الغذاء على ساعتك البيولوجية الطبيعية».
 
والواقع أن علم توقيت الساعة البيولوجية يعد من المجالات التي يستكشفها العلم الحديث بشكل متزايد، وكان لهذا الفرع من العلوم الفضل في فوز ثلاثة من علماء الوراثة الأمريكيين في عام 2017 بجائزة نوبل. ومن المعروف على سبيل المثال أن بعض الأدوية تكون أكثر فعالية في بعض الأحيان، وأن الأداء الرياضي الفردي قد يختلف بنسبة 26٪ خلال النهار.
 
ومع ذلك، وعلى الرغم من الكتب الكثيرة التي يتفاخر أصحابها بوضع أنظمة غذائية قائمة على التغذية الكرونولوجية أي الساعة البيولـــوجية فإنه «لم تثبت حتى الآن فعالية هذه الأنظمة وتفوقها على أنواع أخرى من الأنظمة الغذائية حسب الدراسات العلمية».
 
وتشير العديد من الدراسات إلى أن الإيقاعات البيولوجية توجد عند جميع الكائنات الحية، بما في ذلك البكتيريا، وتتجلى بتغيرات دورية لعدد كبير من (البارامترات) المعلمات الفسيولوجية كالنشاط الاستقلابي، وإفراز الهرمونات، وما إلى ذلك).
 
وكثيراً ما نتحدث عن الساعات الداخلية لوصف هذه الظواهر التي تعتبر أصل هذه الإيقاعات، والتي يمكن أيضاً معايرتها على البيئة. ويستمر الإيقاع اليومي حتى في غياب ضوء الشمس ولكن يمكن أن يتحول تدريجياً إذا تغير الإيقاع اليومي أقل قليلاً أو أكثر بقليل من 24 ساعة.
 
الرجيم
 
تصنّف الساعة البيولوجية إلى واحدة مركزية وساعات محيطيّة، وتُعرف هذه الساعات المحيطية بأنها السلوك الدوري العام للخلايا المختلفة في الجسم، ويتم التحكم به عن طريق مواد تفرز من المنطقة فوق التصالبية، ويكون السلوك الخلوي متمثلاً في إنتاج بعض الجينات والقيام بعمليات فسيولوجية كتنظيم درجة الحرارة ومعدل النشاط الأيضي، وبذلك يولد الجسم ساعته الخاصة التي تجدول نشاطه الخلوي، ولكن قد يتم تعطيل هذه الجدولة عبر تناول الغذاء بصورة عشوائية وقلة الرياضة ويؤثر ذلك في تصنيع الجينات والعمليات الأيضية الخاصّة لكل عضو، وبالتالي فإن تقليل السعرات المستهلكة يومياً وممارسة الرياضة واتباع حمية غذائية «رجيم» يسمح للساعة البيولوجية للجسم بأن تعمل بصورة صحيحة بدون تداخل بين الساعة البيولوجية والدورة الغذائية للكائن ويترتب على ذلك ما يأتي: تنظيم تركيز السكر في الجسم، ويتم ذلك عن طريق إفراز الأنسولين «إذا كان تركيز السكر مرتفعاً» أو تنشيط الأنزيمات المحللة للسكر «إذا كان تركيز السكر منخفضاً». وتنظيم نسبة الدهون في الجسم وكذلك تنظيم نسبة البروتين في الجسم عن طريق الهضم الذاتي وذلك حسب كمية البروتين في الجسم.
 
التوقيت الغريزي
 
عثر الباحثون مؤخراً على نوع من البروتينات تتفاعل داخل خلايا الجسم، وقد حدّد هؤلاء كذلك وجود جينات مماثلة عند البشر وذباب الفاكهة والفئران وكذلك الفطريات والعديد من الكائنات الحيّة الأخرى التي كلها تساهم في صنع ما يسمى بالساعة البيولوجية. هذه الساعة تقوم بإنتاج إيقاعات تقف وراء التغيّرات الجسدية والعقلية والسلوكية خلال دورة اليوم الواحد – كل 24 ساعة- وتنظيم توقيتها. ويتمّ التحكم بالساعة البيولوجية عبر منطقة في الدماغ تسمى تحت المهاد، وتعد المركز الأساسي لتحليل المعلومات الدورية الجسدية.