“رهاب الساح”.. الهلع بعيداً عن البيت

مقالات

يعيش بعض الأشخاص في منازلهم بشعور مماثل لمن يقضي حياته داخل السجن، ويصبح البيت مكاناً يقيدهم بسبب المرض النفسي، ويسيطر عليهم الشعور بالقلق والخوف الشديد بمجرد أن يغادروا المنزل، ويطلق على هذا المرض رهاب المناطق المكشوفة أو رهاب الساح.
 
تتمثل معاناة المصابين بهذا الخوف المرضي، في حاجتهم إلى من يرافقهم في تحركاتهم اليومية؛ وذلك بسبب الخوف من الوجود بمفردهم، حيث يخاف المريض من الأماكن المزدحمة والأسواق والعمارات العالية وصالات الرياضة والسينما، وبخاصة عند إغلاق الأبواب.
 
ويخشى المصاب كذلك من استعمال وسائل النقل العام، ويتجنب الاحتكاك مع الآخرين قدر الإمكان.
 
ويسيطر عليه الخوف طوال الوقت من مباغتة نوبة الهلع في مكان صعب عليه الفرار منه وطلب العون، وتصل درجة الإصابة عند البعض إلى التزامه البيت التزاماً تاماً، وعدم مغادرته نهائياً وربما يستمر هذا سنوات طوال.
 
وينتشر هذا الخوف المرضي بين ربات البيوت، حيث يقنعن من حولهن أنهن لا يحبذن الخروج من البيت لعدم ارتياحهن والوقوف في الزحام.
 
ونتناول في هذا الموضوع، مشكلة مرض رهاب الساح بالتفاصيل، مع بيان المسببات والعوامل التي تقود إلى هذه الحالة، وكذلك الأعراض التي تظهر وطرق الوقاية والعلاج الممكنة والحديثة.
 
حالة معروفة
 
يعتبر رهاب الساح، أحد الحالات المعروفة في الطب النفسي، وتصنف ضمن اضطرابات القلق، والأصل في هذه الحالة هو خوف غير منطقي أو مبرر من أشياء غير مخيفة.
 
ويعتقد المصاب أن هناك شيئاً مرعباً وقاتلاً ربما يحدث، وذلك كأن يفقد الوعي وسط الناس أو يتقيأ، وهناك من يظن أنه يمكن أن يختنق إذا غادر البيت، بالرغم من علمه أن هذا الأمر ليس منطقياً، وكذلك يظن أنه سيفقد السيطرة على نفسه، أو أنه سوف يصاب بحالة من الجنون إذا همّ بالخروج.
 
ويشعر المصاب بعدم التوازن عندما يهم بمغادرة المنزل، وتتسع دائرة الخوف كلما استسلم مصاب رهاب الساح لهواجسه، وتشمل كثيراً من الأشياء والأماكن والمواقف.
 
ويمكن أن تكون حالة الخوف هذه مستقلة، وربما صاحبتها حالات أخرى، مثل نوبات الفزع والقلق العام، أو الاكتئاب أو الوسواس القهري أو اضطرابات ذهانية في بعض الأحوال الأخرى.
 
لا يصيب الأطفال
 
يظهر رهاب الساح، في الفترة العمرية ما بين 18 والثلاثينات، وهو لا يصيب الأطفال، ويمكن أن يتطور خوف الأطفال في بعض الحالات النادرة من الخروج من البيت، إلى هذا الرهاب في مرحلة المراهقة.
 
وتظهر الأعراض في شكل نوبات تستمر لأسابيع، حيث يشعر المريض بالوحدة وعدم الاطمئنان، ثم تهدأ لتعاود مهاجمته مرة أخرى.
 
وتؤكد الدراسات والإحصاءات، أن نسبة النساء المصابات بهذه الحالة، تبلغ ضعف عدد الرجال، ويعود ذلك إلى طبيعة ظروف المرأة الاجتماعية المحيطة بها، والتي تجعلها تكره الخروج من المنزل وحيدة، أو تهرب من ركوب وسائل النقل العامة، ولا تزال الأسباب الأساسية وراء الإصابة بهذا الخوف المرضي غير معروفة.
 
عوامل بيولوجية
 
يرى بعض الخبراء النفسيين، أن هناك مجموعة من العوامل الأخرى التي تقف وراء الإصابة بهذا النوع من الخوف المرضي، ومنها عوامل بيولوجية، كأن يكون تصرف المصاب خارجاً عن إرادته، وذلك بسبب القلق والخوف الذي يجعل الجسم يفرز عدداً من الهرمونات أهمها الأدرينالين، كما يزيد معدل التنفس وضربات القلب، وبالتالي فإن المصاب يضطر لمغادرة المكان حتى يوقف هذه الحالة السيئة التي يمر بها.
 
ويمكن أن ترجع الإصابة، إلى وجود خلل في مستويات النواقل العصبية بالدماغ، وهو ما يؤثر في المزاج والسلوك، وتحدث استجابة عالية للتوتر المتصاعد، وهو ما يؤدي إلى إصابة المريض بحالة ذعر شديدة.
 
وتكون أدمغة من يعانون رهاب الساح، شبكة أسلاك مختلفة عن الآخرين، ويطلق عليها شبكة الخوف، وينتج ذلك بسبب خلل في أجزاء المخ التي تولد عاطفة الخوف، وتولد هذه الأجزاء مشاعر خوف قوية، تتسبب في حدوث نوبات الهلع.
 
الإدراك المكاني
 
توصل علماء النفس، إلى أن هناك ارتباطاً بين رهاب الساح، والإدراك المكاني، ويقصد به القدرة على الحكم على مكان وجود الشخص، ووعيه بالأشخاص والأشياء التي توجد في محيطه، وعندما يحدث خلل في هذا الوعي يشعر الشخص بالإرهاق أثناء وجوده في الأماكن المزدحمة، وهو ما يجعله يضل الطريق، وبالتالي يثير ذعره.
 
تلعب بعض العوامل النفسية كذلك، دوراً في الإصابة برهاب الساح، ومنها المرور بتجربة قاسية في الطفولة، مثل وفاة أحد الوالدين، وهو ما يجعل المصاب يفقد ثقته في العديد من الأشياء، ويرغب في البقاء داخل البيت ولا يغادره، وأيضاً معاناة ضغوط نفسية، كفقدان الوظيفة، ووجود إصابة سابقة بأمراض نفسية، مثل الشره المرضي أو الاكتئاب.
 
خوف وقلق
 
تعتبر أبرز أعراض رهاب الساح، سيطرة الخوف والقلق الشديد على المريض في مواقف وأماكن معينة بصورة متكررة.
 
ويشعر المصاب بأن الخروج من هذا المكان أمر صعب، وأنه لا تتوفر مساعدة تمكنه من التغلب على هذه الأزمة، وبالتالي يصاب بنوبة هلع. ويتجنب الأماكن والمواقف التي يحس أنها ربما تسبب له نوبة من عدم الاستقرار أو الخوف، مثل الابتعاد عن استخدام المواصلات العامة.
 
ويمكن أن يتقبل المريض أن يخرج مع شخص آخر، وربما يظل سنوات لا يتحرك بمفرده، ومن الممكن ألا يعلن هذا الأمر صراحة، وذلك حتى لأقرب الأفراد منه.
 
نوبات ذعر
 
يمكن أن تتطور الحالة مـــع بعض المصابين لدرجة الامتناع عن الخروج من المنزل بشكل مطلق، ويعجز مريض رهاب الساح عن تحمل مفارقة من يقيمون معه، وأن يبقى وحيداً عدة أيام، ويصاب بالقلق الشديد عند حدوث ذلك.
 
وتظهر عليه أعراض نوبة الذعر، والتي كان يصاب بها خارج المنزل، وتتأثر ثقة المريض بنفسه نتيجة هذه النوبات، حيث يظهر بصورة تثير الإحراج أمام الآخرين، وبالتالي فهو في خوف من عدم القدرة على الهروب من الأماكن التي تسيطر النوبات عليه فيها.
 
وتتطور أحياناً نوبة الذعر حتى تصبح متكررة، ولا تنتهي حالة المريض بهذا الرهاب بيسر وتلقائية، وذلك على الرغم من إدراك المصاب أن الناس تذهب وتنتقل من مكان لآخر دون أي احتياطات.
 
استشارة هاتفية
 
يعتمد تشخيص حالة المصاب برهاب الساح، على الاستشارة الهاتفية، وذلك لأن المصاب بهذا النوع من الرهاب يخاف من مغادرة المنزل، وبالتالي لا يستطيع الذهاب للطبيب النفسي.
 
ويوجه الطبيب عدداً من الأسئلة، ومن خلال الإجابة عليها يقوم بتشخيص الحالة بمنتهى الدقة، ومن هذه الأسئلة هل تبذل جهداً عند محاولة الخروج من المنزل؟ وهل تتجنب أماكن أو مواقف بعينها دائما؟
 
ويطلب الطبيب إجراء بعض الفحوص البدنية، مثل تحليل الغدة الدرقية، حيث إن فرط نشاطها يتسبب في أعراض تشبه أعراض نوبة الذعر.
 
ويعتمد علاج رهاب الساح على محورين أساسين، هما العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج الدوائي.
 
العلاج السلوكي المعرفي
 
يعتبر المحور الأول هو الأهم، ويتم فيه إرشاد الأسرة إلى طريقة التعامل مع المريض، وطرق المساعدة على إكسابه الثقة في النفس وفي المحيطين به، ومن ناحية أخرى عدم الضغط عليه في مواجهة المجتمع، والخروج من المنزل، وتعليم الأسرة والمحيطين بعض الأشياء التي عليهم تجنبها، ومنها عدم انتقاص رجولة المصاب برهاب الساح، بسبب عدم مقدرته على الخروج من البيت.
 
ويبدأ الطبيب في التحدث مع المريض حول المخاوف التي يعانيها، ويحاول أن يبددها، ويبدأ أيضاً في تعليمه عدداً من الاستراتيجيات المفيدة في علاج هذا النوع من الرهاب، مثل الاسترخاء والحديث مع النفس، وكذلك يتم تعليمه الطريقة التي يتحدث بها عن مخاوفه، ويعبر بهذه الطريقة عنها بوضوح ودون قلق.
 
ويعتبر العلاج الدوائي، مهماً بالنسبة لبعض الحالات، ويتمثل في عقاقير مهدئة ومضادة للاكتئاب، وهي تساعد المريض على تجاوز نوبات الذعر التي يعانيها، وكذلك علاج الاضطرابات النفسية المؤدية إلى هذا الخوف المرضي، مثل الأفكار المتسلطة والقلق، وتستغرق هذه الأدوية من 2 إلى 4 أسابيع حتى يبدأ تأثيرها في الظهور.
 
الاسترخاء
 
تشير دراسة حديثة إلى أن نسبة الإصابة برهاب الساح تصل إلى حوالي 4% من إجمالي عدد السكان البالغين في كثير من المجتمعات، وتُصاب النساء بهذا الرهاب أكثر من الرجال.
 
ويمكن أن يلجأ بعض المصابين لتناول المهدئات بكثرة، وربما لجأ بعضهم لشرب الخمور، مما يؤدي إلى تفاقمها، ويعد رهاب الساح من الاضطرابات التي تعوق الكثيرين، حيث يتجنب المصاب الكثير من المواقف لأنها تثير الخوف لديه. وينصح الاختصاصيون المصابين بهذه المشكلة بعدد من الإجراءات، والتي يمكن أن تساعد في مواجهة هذا الخوف المرضي، ومن هذه الإجراءات محاولة مواجهة هذه المخاوف، وتعلم أسلوب التخيل البصري.
 
ويستطيع المصاب برهاب الساح عقب التدريب على الاسترخاء اكتشاف الأفكار التي تدفعه إلى الشعور بالقلق، ويتعلم معرفة الأفكار السلبية وتقييم طريقة تفكيره ليجعلها واضحة بطريقة أكثر واقعية، وبالتالي فهو يبحث عن تفسير بديل.
 
ويتعلم كذلك قياس قوة القلق ومدى بقائه، وعند إدراك أن لكل نوبة ذعر وقتاً محدداً، يمكن أن يتغلب عليه بمساعدة المهارات التي اكتسبها، وبالتالي يصبح أقل قلقاً وأكثر ثقة بنفسه.