القلب الرئوي..الخطر يبدأ بارتفاع ضغط الدم

مقالات

تعد حالة القلب الرئوي رد فعل لما يصيب الرئتين من ارتفاع في الضغط، فيؤثر ذلك في البطين الأيمن داخل القلب، ويسبب فشله في أداء مهامه، حيث إن ضغط الدم المرتفع يزيد من مقاومة الأوعية الدموية، ما ينتج عنه تضخم البطين، وهو ما يعرف علميا بمرض القلب الرئوي.
ويعتبر تمدد الأوعية الدموية سبباً مباشراً للإصابة بهذا المرض، والتي تقود إلى زيادة الجهد المبذول لنقل الدم خلالها، وبالتالي تزداد تضخما وتمددا، ما يزيد الحالة سوءا، ويصاحب ذلك المجهود تلف الأنسجة كلما ازداد زادت الخطورة.
نتناول في هذا الموضوع مرض القلب الرئوي بكل تفاصيله، مع بيان العوامل والمسببات التي تؤدي إلى هذه الحالة، ونوضح الأعراض التي تظهر، مع تقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.
يقول الدكتور تامر طه إسماعيل، استشاري أمراض القلب والأوعية الدموية في الشارقة: تعتبر عملية تشخيص الإصابة بفرط ضغط الشريان الرئوي أمرا صعبا، وخاصة إذا كان المريض في مراحل الإصابة الأولى، ولكن بمراجعة الطبيب يمكن اكتشافها من خلال بعض الفحوص، وبمعرفة التاريخ الطبي والعائلي، وكذلك سؤال المريض عن الأعراض التي يشعر بها، مع القيام بعمل فحص بدني للحالة.
ويتطلب الأمر في بعض الحالات إجراء بعض الإشعات والتحاليل، وأخذ عدد من العينات للتأكد من المرض ووصف العلاج.
ويلجأ الطبيب إلى مجموعة من الأدوية التي تساعد على التحكم في الحالة وتخفيف الأعراض وخصوصا ضيق التنفس، حيث لا يمكن علاج فرط ضغط الدم الرئوي بشكل نهائي، ولكن يتلخص دور الطبيب في مساعدة المريض على التحكم في المشكلة والعمل على استقرار حالته كي يستطيع متابعة حياته بشكل طبيعي.

خيارات متعددة

يضيف د. تامر: يجب على الطبيب التمهل في تحديد حالة المصاب، حتى يصل إلى الطريقة المثلى في العلاج، ويلجأ في الغالب إلى بعض الأدوية التي توسع الأوعية، وكذلك مضادات التخثر، للمساعدة في منع تكون الجلطات الدموية داخل الشرايين الرئوية الصغيرة.
ويمكن للطبيب أن يطلب الحصول على علاج بالأوكسجين، وخاصة للمرضى الذين يعيشون في أماكن مرتفعة عن سطح البحر، أو الذين يعانون تقطع التنفس أثناء نومهم، وربما يحتاج بعض المصابين إلى الأوكسجين بشكل دائم.
ويعد التدخل الجراحي أمرا واردا، وعلى الأخص عند الحاجة إلى زراعة قلب ورئتين وعلى الأرجح في حالات المرضى صغار السن.
وحديثا تتم الآن زراعة فص واحد للرئة، وهذا الإجراء أقل في مخاطره من زراعة الفصين أو القلب، وفي الغالب تتحسن حالة البطين الأيمن من القلب.
ويختتم الدكتور تامر قائلا: تعتبر أخطر المضاعفات المرتبطة بهذه العملية رفض الجسم للعضو أو العدوى الخطيرة، ولذلك فعلى المريض تناول العقاقير المثبطة للمناعة، حتى يقلل من فرص رفض العضو المزروع.

اضطراب وتغيرات

يقول الدكتور أنس محمود عباس اختصاصي طب القلب والأوعية الدموية: تعتبر العلاقة بين البطين الأيمن والرئة علاقة عكسية من حيث التأثير والتأثر، فإذا أصيب البطين الأيمن بخلل تأثرت به الرئتان، وكذلك البطين الأيمن.
ويضخ البطين الأيمن الدم اللازم للرئتين، وفي حالة الإصابة بمشكلة القلب الرئوي فإن الحالة تأخذ في التدهور بسبب تلف الأنسجة، وبالتالي يقل الأوكسجين وتتعطل عملية ضخ الدم، ما يعود بالسلب على المصاب، فتفشل وظائف الرئتين، مسببة العديد من الآلام التي تنذر بالخطر، وتدعو للتحرك السريع، ومن ثم الموت إذا أهملت.
ويعاني المصاب بالقلب الرئوي عددا من الأعراض، تتمثل في شعوره بتغيرات عديدة تكون مؤلمة ومزعجة، حيث لا تظهر في أغلب الأحيان في بداية المرض، ولكن بعد الإصابة بفترة.
ويضيف د. عباس: تظهر على المريض آثار داخلية وأخرى خارجية، وتتعدد الأسباب المؤدية إلى هذه الحالة، وتنقسم إلى أسباب حادة وأخرى مزمنة.
ويجب اللجوء للطبيب لأنه المنوط به تحديد الحالة ومعالجتها، وإن كان يجد مشقة كبيرة في التشخيص، إذ تلزمه اختبارات وأشعة ليحدد الإصابة، والمرحلة التي وصلت إليها، ولهذا يجب التوعية الشديدة بالمرض.

ضيق في التنفس

يضيف د. أنس: ينبغي أن ينتبه كل شخص إلى حالته الصحية من خلال نظام متابعة، وليس بالضرورة للألم الذي يشعر به، بل إن الفحص العام أمر محمود، ويوفر الكثير من الألم والجهد والمال، ولهذا فإن مرض القلب الرئوي لا تظهر أعراضه وعلاماته في مراحله المبكرة، لأنها تكون غير ملحوظة لفترة طويلة، ويمكن أن تستمر لسنوات، ومع تقدم مراحل المرض تبدأ الأعراض بالظهور.
وتشتمل علامات مرض القلب الرئوي على مجموعة كبيرة وخطيرة من الأعراض، تبدأ بشعور المريض بضيق في التنفس، ويصبح غير قادر على التنفس إلا بصعوبة.
ويظهر ضيق التنفس كلما حاول المريض بذل مجهود، وبعد ذلك يصل الأمر إلى صعوبة التنفس حتى في أوقات الراحة.
ويتبع ذلك الشعور بالإرهاق الشديد والمستمر، وتلاحقه دوخة يشعر بها المريض، ومن الممكن أن يصاب المريض بالإغماء عدد من المرات.

ألم في الصدر

ينبه د. أنس إلى الأعراض قائلا: يلاحظ على مريض القلب الرئوي أنه يشعر دائما بوجود ألم فى صدره، أو كأن صدره مطبق عليه، ومن الناحية الظاهرية يلاحظ وجود تورم في الكاحلين والساقين، ومع تفاقم الحالة يصاب المريض بالاستسقاء.
وتتجاوز الأعراض هذا الحد إلى أن يظهر على جلد المريض ازرقاق على الشفاه والجلد، ويتسارع نبض القلب بما يشبه الخفقان العالي، والذي يسمع له صفير وأصوات غير معتادة تأتي من جهة القلب، كل هذه الأعراض التي يشعر بها المريض تأخذ في الانتشار، لتشمل معها مضار أخرى لابد من الاحتياط وسرعة المواجهة لتلافيها.

صعوبة تدفق الدم

ويختتم الدكتور أنس قائلاً: يلاحظ المتأمل لحالة القلب العادية في توزيع الدم على أنحاء الجسد، أن القلب بغرفتيه المتمثلتين في البطين الأيمن والأيسر، يقوم بضخ الدم الذي يمر عبر القلب، بداية من البطين الأيمن إلى الرئتين، من خلال وعاء دموي كبير وهو الشريان الرئوي، الذي يقوم بدوره في نقل الدم إلى الرئتين، ويتدفق الدم الغني بالأوكسجين عبر الأوعية الدموية في الرئتين، ليصل إلى الجانب الأيسر من القلب.
ويتحدد محل المشكلة بالتغير الناشئ في سهولة عملية نقل الدم، فالمعتاد هو تدفق الدم بسهولة عبر الأوردة الدموية للرئتين، ولذلك يكون ضغط الدم فيهما أقل بكثير من غيرها، وفي حالة فرط ضغط الدم الرئوي، يرتفع الضغط بسبب التغيرات التي تحدث في خلايا الشرايين الرئوية.
وينتج عن هذه التغيرات تصلب في جدران الشرايين وزيادة سمكها، بالإضافة إلى تشكل بعض الأنسجة الزائدة، ومن المحتمل أن تصاب الأوعية الدموية بالضيق والالتهاب.
ويحدث أيضاً تقليل أو إعاقة تدفق الدم عبر الأوعية الدموية بصورة طبيعية، ومن ثم ارتفاع ضغط الدم في الشرايين الرئوية.

4 مجموعات

يقول الدكتور خليفة عمر اختصاصي طب القلب والأوعية الدموية: يصنف ارتفاع ضغط الدم الرئوي إلى 4 مجموعات استنادا إلى السبب، وتأتي المجموعة الأولى وهي فرط ضغط الدم الشرياني الرئوي، وهناك مجموعة من الأدوية تؤدي إلى هذه الحالة، ومن المحتمل أن تكون هذه الأدوية غير قانونية، وكذلك أمراض القلب الموجودة منذ الولادة، وتسمى بداء القلب الخلقي.
وتؤدي بعض الحالات المرضية إلى فرط ضغط الدم الرئوي، ومنها على سبيل المثال اضطرابات الأنسجة الضامة، مثل تصلب الجلد والذئبة وغيرها، وكذلك عدوى نقص المناعة البشرية، وأمراض الكبد المزمنة مثل تليف الكبد.
وتتمثل المجموعة الثانية لارتفاع ضغط الدم الرئوي الناجم عن مرض الجانب الأيسر من القلب، والمجموعة الثالثة بسبب أمراض الرئة، والمجموعة الرابعة ترجع إلى جلطات الدم المزمنة، وكذلك اضطرابات الدم وغيرها.

تضخم البطين الأيمن

ويضيف د. خليفة: يؤدي فرط ضغط الدم الرئوي إلى عدد من المضاعفات، منها تضخم القلب بالجانب الأيمن وفشله، حيث يصبح البطين الأيمن متضخما، وبالتالي فإن عليه أن يبذل مجهوداً أكثر من المعتاد، حتى يضخ الدم من خلال الشرايين المتضيقة أو المسدودة.
ويتطور الأمر بسبب إجهاد البطين إلى فشل في القلب، وكذلك في الرئتين، لأن العلاقة كما ذكرنا بينهما عكسية.
وتستمر معاناة المصاب بهذه الحالة الطبية فترة طويلة، ما ينذر بالخطر على حياته، ويتطلب الأمر في بعض الحالات التدخل الجراحي بأكثر من شكل طبي.

جلطات خطيرة

يختتم د. عمر قائلاً: تشمل المضاعفات التي يمكن حدوثها بسبب هذا المرض، حدوث الجلطات الدموية في غير محلها، فالجلطات الدموية غالبا تعمل على إيقاف نزيف الدم، وذلك حين يتعرض الشخص العادي لجرح، ولكن حين يحدث التجلط في أماكن غير مرغوب فيها تحدث المشكلة، وتتحرك في العادة بعض هذه التجلطات، وتذهب إلى الرئة مؤدية إلى حدوث فرط ضغط الدم الرئوي.
ويؤدى فرط ضغط الدم الرئوي أيضاً إلى عدم انتظام ضربات القلب، ما يتسبب في زيادة الخفقان والدوار، أو الإغماء الذي يمكن أن يكون مميتا.
وتشمل المضاعفات أيضاً حدوث نزيف داخل الرئة وسعال الدم، وهذه من المضاعفات الخطيرة بل القاتلة.

سلوكيات ضارة

أكدت دراسة حديثة أجريت حول القلب الرئوي، أن 70% من حالات الإصابة تكون ناتجة عن الممارسات غير الصحية، والتي يقوم بها بعض الأشخاص كالتدخين، الذي يؤدي إلى ضيق الشرايين.
كما أن تناول المواد الكحولية المدمرة لأنسجة الجسم، يتسبب في حدوث خلل لضغط الدم، وكذلك الإفراط في المجهودات البدنية من العوامل التي تؤثر في ضغط الدم.
وأشارت دراسة أخرى إلى أن مرضى السكري من كبار السن، وكذلك الذين يعانون الفشل الكلوي، والأفراد الذين لديهم تاريخ عائلي مع المرض، هم أكثر الفئات تعرضاً للإصابة بهذا المرض الخطير. وتكون النساء أكثر عرضة للإصابة من الرجال بمعدل مرة ونصف المرة، وإن كان احتمال الإصابة يشمل الجميع، وكذلك الأطفال من الناحية الوراثية.