زيادة الوزن..«بوابة» الأمراض الخطيرة

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعد السمنة من الأمراض الأكثر شيوعاً على مستوي العالم، كما تشهد معدلاتها تزايداً مستمراً في الآونة الأخيرة بين الأطفال والبالغين، ويرجع ذلك إلى اختلاف طريقة الحياة في هذا العصر، والاستمرار في العادات الغذائية والحياتية الخاطئة واللجوء إلى الوجبات السريعة المليئة بالسعرات الحرارية ونسبة الدهون العالية، وكذلك عدم الحركة وممارسة الرياضة، كما تعتبر زيادة الوزن المفرطة واحدة من أهم المشكلات التي تكون سبباً رئيسياً في الإصابة بالأمراض التي تؤثر في الصحة العامة للإنسان.
تقول الدكتورة ربا علاء الحوراني أخصائية التغذية العلاجية، إن السمنة تعتبر من الأمراض الأكثر شيوعاً بين الأشخاص، والتي تعرف طبياً بتراكم الدهون الزائدة في الجسم، لدرجة التأثير سلباً في الصحة العامة، ما يؤدي إلى زيادة احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة أخرى، وبالتالي انخفاض متوسط عمر الفرد، ويتم تحديد مرض السمنة عند الأشخاص المصابين عن طريق حساب مؤشر كتلة الجسم (الوزن مقابل الطول) والذي يحدد ما إن كان الشخص مصاباً بزيادة الوزن المفرطة (مؤشر فوق الثلاثين) أو عنده زيادة وزن (مؤشر ما بين ٢٥ و ٢٩) ويرجح الخبراء أن السبب الرئيسي للسمنة وتراكم الدهون، ينتج عن العادات الخاطئة التي يقوم بها الأشخاص المصابون دون وعي، مثل:
– تناول الطعام قبل النوم مباشرة، والتي أكدتها العديد من الدراسات حيث إن تناول وجبة العشاء متأخراً أو بعد الساعة التاسعة ليلاً يؤخر من عملية الهضم، ويتسبب في عسر الهضم، ومن ثم تراكم الطعام على شكل دهون بدلاً عن تصريفه.
– يعتبر تناول وجبات الطعام أمام التلفاز من الأخطاء الشائعة التي تؤدي إلى تناول كميات أكثر مما يجب، وكذلك الوجبات السريعة وتناول الطعام خارج المنزل يُحدث فارقاً كبيراً في الوزن، حيث تكون كميات الطعام كبيرة ولا تقسم إلى وجبات صغيرة على فترات.

تناسق الطول والوزن

تذكر د.ربا أن الوزن المثالي يعني تناسق طول الشخص الطبيعي مع وزنه، ويكون جسده صحياً ويعمل بشكل جيد دون التأثير فيه، و يتم إدراجه في عملية حساب مؤشر كتلة الجسم التي تساعد على تحديد ما إن كان الشخص نحيلاً أو عنده زيادة وزن أو مصاباً بالسمنة، فكلما قل الوزن نسبياً واقترب إلى الطول المناسب قلت الكتلة، وبالتالي تحقق التناسق، كلما تضاعف الوزن بعد عن الطول وزادت الكتلة، ومن الممكن الحفاظ على وزن مناسب ومثالي عن طريق اتباع نمط حياة صحي، مع الحرص على ممارسة التمارين الرياضية بشكل متواصل، ويجب التنويه إلى أن النظام الغذائي السليم لا يقتصر على تناول السعرات الحرارية المطلوبة فقط، بل أيضاً يجب توزيعها على وجبات وفترات متناسقة خلال اليوم.

تصنيفات السمنة

تؤكد د. ربا أن السمنة تصنف إلى عدة درجات تزداد شدتها مع ارتفاع مؤشر كتلة الجسم، فهناك السمنة المنخفضة التي يكون مؤشرها من (٣٠ إلى ٣٤، ٩) وهي الأكثر انتشارا والأقل خطورة، وعادة ما تكون ناتجة عن الكسل وقلة حركة الشخص، مع اتباع نظام غذائي لا صحي ولا متوازن، والمتوسطة التي يكون مؤشرها من (٣٥ إلى ٣٩، ٩) ويكون ناتج بسبب العوامل الوراثية، بجانب المسبب الأساسي لكافة أنواع السمنة وهو الغذاء غير الصحي، إضافة إلى الإسراف في استهلاك كميات الدهون والسكريات، أما المفرطة فيكون مؤشرها من ٤٠ فما فوق، ويعد هذا النوع الأخطر، حيث يصبح الشخص أكثر عرضة للإصابة بأمراض عديدة، منها داء السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب.

عوامل الإصابة

تضيف: أظهرت العديد من الدراسات أن هناك بعض العوامل تؤدي لزيادة الوزن بشكل مباشر أو غير مباشر، منها عدم اتباع نظام غذائي صحي وقلة الحركة، التوتر العصبي والاكتئاب، التقدم في العمر، بعض الأمراض، المشاكل الصحية كخمول الغدة ونقص فيتامين (د)، التدخين وضعف الجهاز المناعي، والوراثة، وكذلك بعض العوامل المؤثرة الأخرى، حيث تعتبر السمنة وراثية، وأن العامل المسبب لشعور المُصابين بالجوع المستمر وبطء عمليات الاستقلاب (عمليات الأيض) هو حدوث طفرة في الجين (KSR2 ) ما يزيد فرصة إصابتهم بالسمنة بالرغم من تناولهم لكميات قليلة من الطعام، والجدير بالذكر أن احتمالية الإصابة بالسمنة تزداد بمعدل من 2-8 ضعف في حال وجود تاريخ عائلي للإصابة بالسمنة.

تأثيرات هرمونية

يشير الدكتور طارق صالح مختص الجهاز الهضمي وأمراض السمنة، إلى أن هنالك عدة أسباب للخلل الهرموني، حيث تعتمد أعراضه على الغدد والهرمونات التي تتأثر بهذا الخلل، الذي لا يؤدي بالضرورة إلى السمنة، ولكنها تعتبر مرضاً ينتج عنه، ومن الأعراض الجانبية لها التأثير المباشر في الخلل الهرموني في الجسم، فعلى سبيل المثال هرمون الليبتين، المعروف بهرمون الطاقة ويأتي من الخلايا الدهينة، التي تساهم بدورها في تنظيم توازن الطاقة وحرق الدهون، ويؤدي انخفاضه إلى الرغبة الشديدة في الطعام، وكذلك هرمون اديبونيكتين، الذي ينظم نشاط الأنسولين في الدم، ويقلل من خطر الإصابة بداء السكري، وأمراض القلب، حيث ينظم مستويات الجلوكوز، الدهون بالدم ويحد من الالتهابات، كما أظهرت دراسات أخرى أن مستوى هرمون اديبونيكتين ينخفض كلما زادت الكتلة الشحمية فيه، ما ينجم عنه نقص الأنسولين، وتكون النتيجة هي الإصابة بالسكرى.

تقنيات حديثة

يفيد د. طارق: أن السمنة ترتبط بارتفاع معدلات الوفيات والإصابة بأخطر أمراض العصر، التي تكون أكثر شيوعًا عند هؤلاء الأشخاص، كارتفاع ضغط الدم، ومستوى الدهنيات في الدم، داء السكري من النوع الثاني، مشكلات الشرايين التاجية، أمراض المفاصل، سرطان الأمعاء والمبيض والثدي، الاضطرابات النفسية والاجتماعية وغيرها، ويعد الوصول إلى الوزن المثالي عن طريق قياس مؤشر كتلة الجسم وتراكم الدهون حول الخصر، وهو مؤشر لقياس درجة سمنة الجسم ويعتمد على الطول والوزن، الوزن المثالي أو الطبيعي يكون ما بين 18 إلى 24، ويكون ذلك باتباع نظام غدائي صحي والتغير بالسلوكيات المتبعة غير الصحية ومماسة التمارين لتقوية عضلات الجسم، كما تجدر الإشارة إلى أن السمنة مرض يجب معالجته، وهناك طرق غير جراحية مساعدة للأشخاص الدين لا يرغبون بالقيام بالعمل الجراحي، وهي تقنيات مساعدة ويمكن تكرارها مثل: طي أو كرمشة المعدة بالمنظار عن طريق الفم، دون قص أو أحداث ثقوب في البطن، وكذلك بالون المعدة المساعد على خسارة الوزن، ويعتمد نجاح هذه العمليات على التزام المريض والاقتناع باتباع نظام غذائي صحي والقيام بالتمارين أو الحركة، كي لا تعود السمنة تدريجياً وتدمر صحته من جديد.

سمنة الأطفال

يؤكد د. محمد صفوان الموصلي مختص طب الأطفال، أن زيادة الوزن المفرطة من أهم المشاكل الصحية التي تواجهنا في هذه الأيام نتيجة السلوك الغذائي السائد لدى الأسرة بشكل عام، والذي يتجلى باستهلاك كميات كبيرة من العصائر المعلبة، الأطعمة السريعة، كميات كبيرة من الحلويات، السكاكر، البطاطا، وتعتبر السمنة لدى الصغار هي زيادة وزن الجسم مقارنة بالطول، وتبدأ هذه المشكلة منذ المراحل الأولى للطفولة، فالطفل الزائد الوزن لديه استعداد لأن يتحول إلى السمنة في السنوات القادمة، وكذلك فرص الإصابة بالسكري، وأمراض القلب والشرايين وخاصة إذا كان هناك استعداد عائلي لدى الأسرة لهذه الأمراض.
كما يجب الانتباه إلى أن الإفراط في الأكل ينتج عن الكثير من الأسباب، وأهمها تعرض الطفل للضغط النفسي والقلق، حيث تجعله يلجأ إلى الطعام كنوع من النسيان والتسلية، فيتناول كمية كبيرة من الأكل دون أن يشعر، ويصبح الأمر شيئاً فشيئاً عادة لديه، وربما يكون تقليداً للعادات الغذائية الخاطئة التي يقوم بها الأهل، أما في حال وجود ضغوط نفسية على الطفل تدفعه إلى التهام كميات كبيرة من الطعام فإنه على الأهل التحدث مع الطفل لمعرفة أسباب قلقه ومحاولة تفهم مشاكله والضغوط التي يمر بها لإيجاد الحل دون أن يلجأ إلى الطعام.

تدابير صحية

يفيد د. صفوان إن ثقافة الأم ووعيها هو الشيء الأهم في الوقاية من السمنة، حيث إن تغذية الطفل تحتاج إلى مراعاة إعطاء الأغذية الصحية بشكل متوازن يضمن نمو الطفل بشكل جيد، دون الميل إلى زيادة الوزن بشكل مبالغ به، ويتم ذلك بالمتابعة من السنة الأولى من عمر الطفل وتحت إشراف طبيب أطفال، خاصة أن السمنة مرض خطر يؤدي إلى مشاكل كثيرة عندما يكبر الطفل وتستمر إلى ما بعد البلوغ.
ومن أهم المشاكل الصحية التي تنتج عنها هو ارتفاع ضغط الدم، أمراض القلب الاكليلية، داء السكري، وأمراض المفاصل، بالإضافة إلى المظهر العام للطفل أو المراهق، ما ينعكس بشكل سلبي على تطوره النفسي وثقته بنفسه، وعندما تتطور زيادة الوزن المفرطة عند الصغار في المراحل الشديدة، يمكن أن تؤدي إلى إحساس الطفل بالخمول، الكآبة، وعدم الثقة بالنفس، ما ينعكس على أدائه الدراسي، وإذا استمرت السمنة لسنوات طويلة، ربما تؤدي إلى مضاعفات عديدة، كالمشاكل الهضـمية والقلبية، والتأخر في الأداء والتحصيل الدراسي.

حماية الأطفال

يوصى د. صفوان بضرورة مراعاة مراقبة وزن الطفل منذ الطفولة المبكرة، والاهتمام بإعطاء الغذاء المتوازن الغني بالبروتينات والفيتامينات، مع القليل من السكريات ومراقبة الوزن من خلال مخططات النمو بشكل دوري، كما يجب أن ينتبه الوالدان الى تعويد الطفل العادات الغذائية الصحيحة غير المضرة والتي لا تؤدي إلى البدانة، والتي تبدأ من خلالهم، وممارسة الرياضة بشكل يومي أو 3 مرات أسبوعياً في المدرسة أو النادي الصحي، وكذلك التقليل من الأغذية الجاهزة المحضرة بالسوق والمأكولات المقلية بالزيت و محاولة تخفيف الحلويات، ومختلف أنواع الشيكولاتة التي تستهويهم.

طرق الطهي الصحية

تعد طرق الطهي الصحية بداية الالتزام بمعدل الحياة السليمة الخالية من المشكلات والأمراض، التي تعتبر زيادة الوزن المفرطة أكثرها شيوعاً.
كما أن طريقة طهي الأطعمة لها دور أساسي في صحة الغذاء المقدم؛ ولذلك ينصح الخبراء باستخدام القليل من الزيت، والطهي على البخار أو الشـيّ، حيث إن تفاعل أواني الطهي مع الأطعمة والطرق الخاطئة تؤدي إلى الإصابة بأمراض كثيرة ومتعددة، أهمها الأورام السرطانية، حتى يستطيع الشخص أن يبتعد عن تناول الأطعمة ذات السعرات الحرارية الفارغة، أي لا تحتوي على قيم غذائية إيجابية لجسم الإنسان.