الشلل النفسي طريق الإصابة بالإعاقة

مقالات

تعتبر حالة الشلل النفسي من الأمراض التي لا يكون لها سبب عضوي، وذلك لأن الشخص عندما يعاني ألماً أو تعطلاً في أحد الأعضاء، وكذلك توقف عضو مثل اليد أو القدم عن العمل، بما يسمى ويوصف عند الأطباء بمشكلة الشلل، يسارع الجميع إلى البحث عن السبب العضوي أو المادي الذي يمكن الكشف عنه، من خلال الاختبارات السريرية أو المعملية.
وعندما يستعصي تشخيص هذه الحالة والفشل في إيجاد سبب عضوي، فإن الطبيب يلجأ إلى البحث في إطار آخر، وهو العامل النفسي الذي يحمل في بعض الأحيان شراسة وتعقيداً، يفوق بمراحل الألم أو المرض العضوي، ويتم توصيف حالة هذا الشخص بشلل نفسي، ويصبح المريض مصاباً في أحد أطرافه، بحيث يصير غير قادر على تحريكه.
نتناول في هذا الموضوع مرض الشلل النفسي بكل تفاصيله، مع كشف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالة، كما نقدم الأعراض وطرق الوقاية الممكنة، إضافة إلى أساليب العلاج المتنوعة والحديثة.
تراكم العوامل النفسية
يشير الأخصائيون إلى أن مثل هذا النوع من الإصابة بالشلل النفسي لا ينفع في علاجه أدوية أو عقاقير، حيث إن السبب وراء الإصابة هو تراكم مجموعة من الأسباب والعوامل النفسية التي أثرت في المريض، وبالتالي أدت إلى إصابته بالشلل.
ويمكن لحالات الشلل النفسي أن تستمر لفترة قصيرة لا تتعدى الأيام، ثم يتعافى المريض بعدها، ويمكن أن تطول الفترة، والأمر مرهون بسرعة ذهاب المسببات النفسية التي تمخضت عنها هذه المشكلة، وكل حالة لها مسبباتها الخاصة فلا يمكن تحديد سبب نفسي يمكن أن ينتج عنه الشلل النفسي.
حالة مفاجئة
تبدأ أعراض الإصابة بالشلل النفسي حينما يجد المريض نفسه غير قادر على الحركة، أو على نقل يده أو رجله أو أي عضو آخر من الجسم، وهو الأمر الذي يستدعي الذهاب للطبيب.
ويبدأ الطبيب بدوره بالاستفسار عن الحالة، وما يمكن أن تكون تعرضت له، وبعد كل المحاولات الطبية التي يتم التعامل بها مع المرض العضوي، وخاصة الشلل الحقيقي الذي يكون في العادة نتيجة ارتفاع ضغط الدم، وقصور في بعض الوظائف بسبب الإصابة بالأمراض، أو نتيجة تلف بعض الأنسجة وكذلك العامل الوراثي، وينصح الطبيب المعالج بعد أن يستنفد كل الفحوص العضوية بمراجعة الطبيب النفسي.
دفاع نفسي سلبي
يبدو على المصاب بالشلل النفسي عدم القدرة على الحركة، وكذلك عدم الرغبة في التواصل مع الآخرين، وفقدان الشهية وحب الجلوس بمفرده، مع البقاء في جو نفسي يختزن بعض المعلومات والأحداث ويقف عندها، كما كان قبل فقدان الحركة، وتزداد الحالة سوءاً كلما تمكنت الإصابة من المريض، وكذلك ترسخت في نفسه فكرة التعايش مع المسبب النفسي للمرض أو الشلل.
ويصاحب المصاب بهذه الحالة شعور كامل بالتنميل في الجسد، أو كأن العضو المتضرر ليس متصلاً بالجسم، ويعتبر هذا نوعاً من الدفاع النفسي للجسد، ولكنه من النوع السلبي، وهذا النوع من الشلل يصيب أكثر الأشخاص الذين يوصفون بالحساسية الزائدة.
وظيفة دفاعية
يعتبر الشلل النفسي من الأمراض التي تصيب الأشخاص الأكثر حساسية، والذين يتعرضون لأحداث ومواقف تجعلهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم، ولكن بصورة سلبية حيث تؤدي الاضطرابات النفسية وظيفة دفاعية، تجعل الشخص يركن إلى الراحة وعدم مجابهة أي مواقف، أو التفاعل مع الأحداث المحيطة.
وتتسبب المشكلات اليومية المستمرة وضغوط الحياة في إصابة الشخص بهذه الحالة المرضية، وكذلك عدم القدرة على تغيير الحياة للأفضل، مع كثرة التفكير في المستقبل، ورؤية الحياة بصورة أكثر سوداوية، وبالتالي يلجأ إلى هذه الحالة الدفاعية السلبية، فيصيب الشلل أحد أعضاء الجسم.
تجارب قاسية
يضاف إلى ذلك التجارب القاسية التي يمكن أن يتعرض لها الكثيرون وتؤدي إلى الإصابة بالشلل النفسي، ومنها على سبيل المثال تعرض أحد أفراد الأسرة لحادث أليم أمام عين الشخص المصاب بالشلل النفسي، أو وفاة شخص مقرب له أو عزيز عليه.
وتشمل الأسباب أيضاً تعاطي المواد التي تغيب الشخص عن الوعي، مثل المخدرات بأنواعها والخمور، وهي التي تجعل الشخص منعزلاً عن الواقع الأليم، وتخلق لديه حالة من الصراع النفسي دائماً بصورة قائمة، وهنا يصاب الإنسان بالشلل النفسي.
وتشمل كذلك أسباب الشلل النفسي ما يمكن أن يصيب الشخص من شعور بالإهمال من قبل الآخرين وعدم الاعتناء به، وتعد أكثر الفئات عرضة للإصابة بالشلل النفسي كبار السن والأطفال والنساء.
البحث عن المشكلة
يحاول الطبيب النفسي في مرحلة التشخيص للمرض ومسبباته، الدخول في محاولة مهمة لكسب ثقة مصاب الشلل النفسي، ويستعين بأقاربه والمحيطين به، حتى يمكنه معرفة الأسباب المتوقع أنها كانت وراء حدوث هذه الحالة النفسية التي نتج عنها الشلل النفسي.
ويحاول كذلك استنباط ردات فعل المريض حول حالته، فيسأله عدة أسئلة تشمل الماضي من عمره والمرحلة السابقة للإصابة على وجه التحديد.
ويعتبر علاج الشلل العضوي من الأمور السهلة، التي تحتاج إلى القليل من الوقت، أما الشلل النفسي فإنه أشد تعقيداً وأعمق تأثيراً على المصاب.
ويحاول الطبيب المعالج في مرحلة التشخيص الاهتمام بكل تفصيلة يقولها المريض أو أحد مرافقيه، ولا يتوانى في عمل أي شيء يكسب من خلاله ثقة المريض واهتمامه.
الإثارة ممنوعة
يوصي الطبيب النفسي أقارب المصاب بعدم الاستهانة بمشاعره أبداً، ويتم تحذير جميع المتعاملين معه بعدم إثارته أو التقليل من شأنه.
ويلجأ الطبيب إلى كتابة التاريخ المرضي أو الحياة التي عاشها المصاب أو يطلب منه فعل ذلك بنفسه، ويتأكد الطبيب أيضاً في مرحلة التشخيص أن المصاب لا يتناول أي مواد تعمل على تمكين الحالة من الجسم.
ويهتم الطبيب المعالج أيضاً بالسؤال عن البيئة التي يعيش فيها المريض بالشلل النفسي، حيث تؤدي البيئة في بعض الأحوال إلى تكريس الحالة وزيادتها، مما يستتبع أهمية تغييرها، بهدف الوصول بالحالة إلى مرحلة المقاومة الداخلية.
رعاية نفسية واجتماعية
يحتاج المريض النفسي عموماً والمصاب بالشلل النفسي على وجه الخصوص في مرحلة العلاج إلى نوعين من الرعاية، الأولى رعاية اجتماعية والثانية رعاية علاجية.
ويكون في حاجة كذلك إلى من يتفهمه ويعيد إليه الاعتبار الذاتي، والرغبة في مواصلة الحياة، فالإنسان مجموعة من القوى الفريدة العجيبة التي لا يدري مداها أحد حتى الآن، فإذا أمكن تحريك هذه القدرات يكون من السهل تحريك العضو المصاب بالشلل النفسي.
ويوجه الطبيب المعالج نظر المحيطين بالمريض من أهله أو أصدقائه إلى البحث عمن يحبهم الشخص فيقربونهم منه، ومن يكرههم هذا الشخص المصاب فيتم إبعادهم عنه، وإذا كانت المشكلة في عدم الاهتمام فليكرس الجميع جهدهم في توفير الاهتمام المطلوب للحالة، مع العناية بالأطعمة والمشروبات التي توفر جواً نفسياً مناسباً للمريض.
مضادات الاكتئاب
يقوم الطبيب المعالج بإعطاء بعض العقاقير والأدوية المضادة للاكتئاب، وينصح في أغلب الأحيان بتغيير الجو، من خلال السفر والنزهات والرحلات، وذلك في حالة قدرة المريض.
ويتم تعويض هذا الأمر في حالة كبار السن والنساء بكثرة الزيارات الأسرية، والتذكير بأهمية الحياة وما فيها من أهداف نحتاج إلى إنجازها.
وينبه الطبيب كذلك إلى أهمية عدم التعجل في علاج الحالة، فيجب عدم اليأس أبداً، فبعض الحالات يمكن أن تشفى بسرعة، والحالات الأخرى من الممكن أن يتأخر شفاؤها لفترة طويلة، ولكن مع الصبر والأمل ينجح العلاج.

انتشار متزايد
تشير دراسة حديثة أجريت على الأشخاص المصابين بمرض الشلل النفسي إلى أن معدلات الإصابة بهذه المشكلة ازدادت في الـ100 سنة الأخيرة، ومن المثير للدهشة أن حالات الغضب والانفعال الشديد تزداد بسرعة كبيرة على مستوى العالم، وأن أضرار الإصابة بالشلل النفسي مرتبطة إلى حد كبير بالأحداث العامة، والحروب والصدمات النفسية الشديدة، ويختلف الحال ومدى الإصابة من بلد إلى آخر.
وأشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية إلى أن نسبة 75% من مرضى الشلل النفسي على مستوى العالم لا يتلقون العلاج بالشكل الصحيح، حيث تحول الظروف الحياتية دون التمكن من المعالجة السليمة لمرضى الشلل النفسي، مما يؤدي إلى تأخر مرحلة الشفاء.
ونصحت العديد من الدراسات التي أجمعت على عدم التمكن من تحديد أسباب معينة للشلل النفسي بأن الوقاية أهم عنصر من عوامل الحماية من الشلل النفسي، ويضاف إلى ذلك الجانب التوعوي الذي يتحتم على الحكومات المعنية بصحة مواطنيها، أن توفر الوعي والعلم بالمرض النفسي وأسبابه.
وأكدت الدراسات التي أجريت حول بعض مرضى الشلل النفسي أن الأطفال ثم النساء ثم المسنين أكثر عرضة للإصابة، وعموما الأشخاص ذوو الحساسية العالية، وكذلك أصحاب التفكير السطحي معرضون أكثر من غيرهم للمرض.