«رهاب الطعام».. الغذاء مُرعب أحياناً

مقالات

يعتبر الطعام بالنسبة للبعض، أحد المتع التي يعيش من أجلها، وبالنسبة لأمثال هؤلاء فإنهم يحيون من أجل أن يأكلوا، والشخص الطبيعي يأكل من أجل أن يحيا.
وتتعدد اضطرابات الطعام التي يمكن أن تصيب الكثيرين، وبخاصة الأطفال والمراهقين، ومن أبرز هذه المشاكل فقدان الشهية العصابي أو القهم العصبي، والشره المرضي العصبي، واضطراب نهم الطعام أو البوليميا، ولعل من أغرب هذه الاضطرابات هو فوبيا أو رهاب الطعام.
يشعر المصاب بهذا النوع من الرهاب بالخوف من الطعام، وله العديد من الصور، فيمكن أن يكون الخوف من أنواع الطعام الجديدة، أو أنواع معينة من الغذاء كالشوكولاتة أو الجبن، ويمكن أن يكون الخوف من البلع أو التقيؤ.
ويعتبر هذا النوع من الرهاب مركباً ومضللاً، حتى إن كثيراً من الأخصائيين يخطئون في تشخيصه، ويخلطون بينه وبين فقدان الشهية العصبي، وذلك لأن أعراض الإصابة في كلا المرضين تتشابه.
ونتناول فــــي هـــــــــذا الموضــــــــوع، مرض رهـــاب الطعام بالتفاصيل، مع كشف مسبباته وعـــوامل ظهوره، وكذلك الأعراض الناتجة عنه، وطرق الوقاية منه وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.
رفض واشمئزاز
يعتقد المصاب بهذا الاضطراب، أن الطعام ربما كان سبباً في القضاء عليه، وتظهر هذه المشكلة في صورة رفض تام واشمئزاز من طعام بعينه، والحرص بشدة على معرفة مدة الصلاحية، والاهتمام بطريقة الطهو والإعداد، وكذلك المقادير المستخدمة فيه.
ويمكن أن يصاب الشخص بعدة اضطرابات مرضية، مثل فقدان الشهية العصبي، وهذا الاضطراب يربط المصاب به، بين النحافة وقيمة الذات، وهو ما يؤدي إلى أن يتحول الخوف من السمنة إلى الخوف من الطعام نفسه.
ويعتبر هذا هو الفارق الأساسي بين فقدان الشهية العصبي، ورهاب الطعام، وذلك على الرغم من أن الاضطرابين يتجنب فيهما المصاب تناول الغذاء، وإن كان فرصة تحول الإصابة من الأول إلى الثاني كبيرة.
أمور ترتبط بالطعام
تتعدد أنواع فوبيا الطعام والتي يمكن أن نقسمها إلى الخوف من أمور ترتبط بالطعام، وإلى الخوف من الطعام نفسه أو أنواع منه بعينها. ويشمل النوع الأول: الخوف من تحضير الطعام أو الخوف من عملية الطبخ، ويبدأ الخوف من الوصفة إلى الخوف من تسمم من يأكل من هذا الطعام، وكذلك الخوف من أن تكون طريقة تقديم الطعام غير لائقة، أو أن يكون الطعام تعرض للطهي أكثر من اللازم، أو يكون غير ناضج بشكل كافٍ.
ويمكن أن يكون وراء هذه الحالة، الخوف من إيذاء النفس أثناء تحضير الطعام، وذلك بأن يتعرض الشخص للجرح أو الحرق، ويخاف بعض الأشخاص من التقيؤ، عندما يتناولون نوعاً معيناً من الطعام، ولذلك فهم يعتمدون على أطعمة بسيطة، وفي أغلب الأحيان يقومون بتحضيرها بأنفسهم، وبعض المصابين بهذه الحالة يتجنبون الأكل أمام الآخرين.
الذعر والتقيؤ
تتضمن أنواع رهاب الطعام: الخوف من التذوق، وهو ما يجعل المصاب في حالة من الذعر، يمكن أن تؤدي به إلى التقيؤ، وأيضاً الخوف من البلع، وهو حالة نادرة، حيث يعاني المريض من اضطرابات الأكل وفقدان الوزن، وأحياناً يشعر بالاختناق نتيجة الخوف من البلع.
ويظن بعض المصابين برهاب الطعام، أنهم سيمرضون أو يتسممون إذا تناولوا الطعام، ويعتبر هذا النوع أكثر انتشاراً بين الشباب، ويؤدي في الغالب إلى تشخيصات خاطئة لاضطرابات الأكل. ويخاف البعض من الأطعمة الجديدة، وهذه الحالة في الغالب يتعرض لها الأطفال أو المراهقون، حيث يحددون أنواعاً معينة من الأطعمة ويتناولونها بشكل مستمر.
ويمكن أن يكون رهاب الطعام من نوع معين من الأغذية، ومنها زبدة الفول السوداني، حيث يشعر المصاب بالاشمئزاز، لأنها تتعلق في سطح الفم، وربما وصل الأمر لدى البعض إلى مرحلة الاختناق، وهناك الخوف من الشوكولاته، والخوف من الحرارة.
ويتضمن هـــذا النـــوع: المأكــــولات الساخنة، مثل الشوربة ومشروب الشــــــوكولاته الساخن، والخوف من الحامض مثل الليمون والمخللات، والخوف من الخضراوات.
التجارب السيئة
يرى بعض أخصائيي التغـــــــذية، أن الإصابة بفوبيا الطعام يمكن أن تعود إلى أسباب جينية، ويمكن أن يكون نتيجة التجارب غير الجيدة أو السيئة التي تعرض لها الشخص المصاب أثناء مرحلة الطفولة، حيث يجـــــــبر الأهل الطفل على تناول طعام معين، وهو الأمر الذي يؤدي إلى عدم تحمل رؤيته، بل وإصابته بالتقزز عندما يتقدم في العمر.
وتشير بعض الدراسات إلى أن الشخص يمكن أن يربط بين الطعام وشيء يخشاه، وعلى سبيل المثال فإن البعض يخشى الزبيب؛ لأنه يعاني من رهاب الحشرات. ويذكر أحد التقارير أن أحد المصابين كان يخاف الزبيب؛ لأنه يذكره بالنمل الذي كان يخشاه في صغره، وتؤكد عدد من الدراسات الحديثة أن تعرض الطفل لحوادث دموية صادمة، يجعله يصاب بفوبيا من اللحم الأحمر الذي يشبه لون الدم، ويخاف بعض الأطفال من منتجات الألبان، بسبب حادث اعتداء مثلاً.
الحليب والمايونيز
يعاني المصاب بفوبيا الطعام، عدداً من الأعراض، والتي ترتبط بالسلوكيات الخاطئة التي تتعلق بالصحة والرشاقة، وكذلك السلوكيات الوسواسية، ولذلك يجد الطبيب المعالج صعوبة في إدراك طبيعة المرض الذي يعاني منه.
وتشمل الأعراض، تجنب المصاب أطعمة معينة بصورة كاملة، وذلك لأنه يعتقد أنها تصيبه بأذى، ومن أكثر هذه الأطعمة الحليب والمايونيز.
ويهتم المصاب بهذا الاضطراب بشكل كبير، بتواريخ صلاحية الأطعمة المحفوظة، ويعمد الكثير إلى شم رائحة الطعام وتفحصه بدقة وحرص كبيرين، وذلك في حالة اقتراب تاريخ الصلاحية من الانتهاء.
ويهتم المصاب بمدة طهي الطعام، وذلك للحد الذي يمكن أن يتسبب في حرقه أو جفاف المرق عنه، وبالذات لهؤلاء الذين يتجنبون اللحوم.
بكاء ورجفة
يتبع المصاب برهاب الطعام، سلوكيات معينة، كأن يعتمد في تناول غذائه على مطاعم معينة، وذلك بهدف إعداد الطعام بعيداً عن نظره، ويمكن أن يتجنب المصاب مطاعم أخرى، وربما رفض تناول المأكولات البحرية بعيداً عن البحر، أو أنه يتخلص من الطعام بعد 24 ساعة من تحضيره.
ويؤدي هذا الاضطراب على المدى البعيد، إلى إصابة المريض ببعض الأعراض الجسدية عند رؤيته الأطعمة المحظورة، ومن ذلك أن يرتجف أو يبكي.
ويمكن أن يصاب بالدوار والتعرق الزائد والغثيان، وفي الحالات الشديدة يفقد القدرة على التنفس وتكون نبضات قلبه سريعة.
ويصاحب رهاب الطعام، عدد من المضاعفات التي تؤثر في حياة المصاب نتيجة عدم خضوعه للعلاج، وهي ما تؤدي إلى اضطرابات سلوكية.
وتزداد كذلك قائمة المأكولات المحظورة وهو ما يؤثر في صحة المصاب، فيصاب بالدوار والضعف العام وسرعة الانفعال.
وتعد من الأمور المؤذية وصمة العار الاجتماعية، وبخاصة مع الأقارب والأصدقاء، حيث إن سلوكياته الناتجة عن هذه الحالة المرضية، ربما كانت لافتة لانتباههم.
معرفي وسلوكي
يرى بعض الأطباء أن رهاب الطعام حالة مرضية غـــــــــير ضـــارة، وخصوصاً إذا اكتفى المصاب بتجنب الأطعمة التـــي تســــبب له أعراض الاضطراب، إلاّ أن المشـــكلة تتفاقم، مـــع تناول الطعــــام خارج المنزل أو أثناء حضـــور المناسبات، بالإضافة إلى القيود التــــي يفرضـــها الخوف المرضي على نظام المصـــاب الغذائي، وهو ما يؤدي إلى فقده عناصر غذائية ضرورية.
وتتعدد خيارات العلاج لهذا الاضطراب، وإن كان على رأسها العلاج المعرفي السلوكي، وهو ما يعدل من معتقدات المصاب وسلوكياته التي تتعلق بالطعام.
وتتوافر بالإضافة لذلك، طرق أخرى تحسن من علاقة المصاب بالطعام، ومنها العلاج الدوائي والعلاج بالنوم الإيحائي.
وتعتبر الخطوة العلاجية الأولى، هي السيطرة على عنصر الخوف من الطعام، ومن الأمور المهمة: التثقيف بشأن أهمية تناول الغذاء، والأسباب الحقيقية وراء انتقال بعض الأمراض من خلال الطعام.

الجبنة المخيفة
يصاب الكثيرون بالدهشة والاستغراب عندما يلتقون أو يقرأون عن بعض الحالات المصابة برهاب الطعام، وذكر أحد التقارير الصحفية حالة مواطنة سويدية كانت تعاني من رهاب الجبنة.
وتذكر أنها تصاب بالخوف، وتبكي بشدة، عند رؤيتها للجبن، ولذلك فهي تحاول أن تتجاوز أقسام الجبن عندما تتسوق في محال الأغذية.
وكشفت السيدة أنها تشعر بالقلق عند مشاهدة من يأكل جبنة أمامها، موضحة أنها شعرت بالذعر عندما وضع أحد زملائها طبقاً فيه قطعة جبن في فرن كهربائي لتسخينه، وهو الأمر الذي أدى إلى انبعاث رائحة الجبنة.
وتؤكد أنها تعجز عن تحليل أو معرفة أصل هذا الخوف، وعلى الرغم من ذلك، فهي لا ترغب في التخلص منه، وذلك لأنه يجعلها تضحك على نفسها بعد البكاء، وإن كان هذا الأمر لم يمنعها من ترك حبيبها، بعد أن قدم لها طبقاً كاملاً من الجبن.
وذكر تقرير آخر حالة فتاة اسكتلندية كان طعامها الأساسي البطاطا المحمصة أو المقلية مع بعض المعكرونة، وتذكر أنها بدأت تنفر من الطعام في سن مبكرة، وكانت تخجل من الرهاب الذي تعانيه، حتى أنها اضطرت للكذب على والديها عند سؤالها عما تناولته من طعام.
وتشير إلى أنها كانت تتناول الدجاج باستمرار، والآن تصيبها رائحتها بالمرض والاشمئزاز، وتوضح أنها كلما تقدمت في العمر نفرت من أنواع الطعام المختلفة، ما عدا البطاطا والجبنة.