عسر البلع.. «غصة» في الحلق

مقالات

تعتبر عملية البلع إحدى العمليات المعقدة، بالرغم من أنها تحدث بكل سهولة ويسر في الأحوال الطبيعية، وتحتاج عملية البلع البسيط إلى ما يقرب من 50 زوجاً من العضلات والأعصاب.
كما تتداخل مع هذه العملية ظروف عديدة، ويبلع الإنسان الطبيعي أكثر من ألفي مرة في اليوم، وتتم هذه العملية بشكل واعٍ وإرادي، وذلك عند تناول الطعام مثلاً، وبشكل غير واعٍ مثلاً أثناء بلع اللعاب.
يصاب البعض بصعوبة في البلع، أو ما يطلق عليه عسر البلع، نتيجة الأكل بسرعة كبيرة، أو عدم مضغ الطعام بشكل جيد وكافٍ، وكذلك لمشاكل في الحلق أو المريء.
ويحتاج المصاب بسبب ذلك إلى وقت وجهد حتى يحرك الطعام والسوائل من الفم إلى المعدة، وربما يرافق ذلك بعض الألم، ويصل الأمر في بعض الحالات أن يصبح البلع مستحيلاً.
ونتناول في هذا الموضوع صعوبة البلع أو عسر البلع بالتفاصيل، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة، ونوضح الأعراض التي تظهر مع تقديم سبل الوقاية وطرق العلاج الحديثة.
المراحل الأربعة
يشير الأطباء إلى أن عملية البلع الصحيح تتكون من 4 مراحل، الأولى التحضير، ويتم فيها التعرف على نوعية الطعام، ومستوى لزوجته، وكميته وشكله.
ويتم مضغ الطعام الصلب حتى يسهل بلعه، ويتحرك اللسان في المرحلة الثانية، وهي مرحلة الفم، لكي ينقل الطعام إلى الخلف، ثم المرحلة الثالثة، وهي مرحلة البلعوم، وفيها يتم إغلاق فتحات الجهاز التنفسي، وفتح مدخل المريء، حيث تدفع عضلات البلعوم، الطعام إلى داخل المريء المفتوح.
ويمر الطعام في المرحلة الرابعة، وهي مرحلة المريء، على طول المريء ليصل إلى المدة خلال 10 ثوانٍ في العادة.
الطعام عالق
يمكن تعريف عسر البلع، بأنه شعور المصاب بتأخير أو خلل في عبور الطعام، الذي يقوم بابتلاعه من الفم إلى المعدة، وتكون الشكوى العامة للمصاب بهذه الحالة أن الطعام عالق، أو أنه يتوقف ولا ينزل.
ويمكن أن تحدث اضطرابات البلع في مناطق متعددة من الجهاز الهضمي، فتحدث أثناء مضغ الطعام ونقله من الفم إلى الحلق، أو في المرحلة البلعومية، وفيها يتم عصر الطعام إلى أسفل الحلق، وإغلاق مجرى التنفس لمنع الاختناق.
ويمكن أن تحدث في المرحلة المريئية، وفيها تنبسط وتنقبض العضلات من أجل نقل الطعام إلى المعدة، ويحدث عسر البلع في أي عمر، وإن كان كبار السن والأطفال هم الأكثر عرضة للإصابة بهذه الحالة، وكذلك من يعانون مشاكل في الدماغ أو الجهاز العصبي.
وتعتبر مسألة صعوبة البلع أمراً لا يدعو إلى القلق في كثير من الأحيان، إلاّ أنها يمكن أن تشير إلى حالة طبية خطيرة في أحيان أخرى، وهو الأمر الذي يستدعي العلاج.
اضطراب فموي بلعومي
تتصف عملية البلع بالتعقيد، ولا يمكن تحديد سبب معين وراء عسر البلع، وينقسم إلى اضطراب فموي بلعومي، واضطراب مريئي.
ويؤدي للنوع الأول خلل في الأداء العصبي العضلي في الفم والحنجرة، أو الأداء العضلي فقط، أو بسبب خلل وضعف في تناسق العضلات المساهمة في البلع، وهي عضلات الفم واللسان والحنجرة والبلعوم، وهذا الأمر ربما أدى إلى الاختناق أو السعال عند محاولة البلع، وربما يشعر المصاب أن الطعام والشراب يدخل في القصبة الهوائية، ويتسبب في الإصابة بالتهاب رئوي. ويؤدي إلى هذه الحالة، الاضطرابات العصبية مثل التصلب المتعدد والحثل العضلي ومرض باركنسون، ويمكن أن يؤثر في مقدرة البلع تلف مفاجئ بالأعصاب، كالذي ينتج عن إصابات المخ والحبل الشوكي والسكتة الدماغية.
ويؤدي إلى عسر البلع ما يسمى بالرتج البلعومي المريئي، أو رتج زنكر، وهو جيب صغير يجمع جزيئات الطعام في حنجرة المصاب، فوق المريء في أغلب الأحيان، وهو ما يتسبب في صعوبة البلع وسماع صوت غرغرة، وإصابة النفس برائحة كريهة، بالإضافة إلى سعال أو حشرجة متكررة في الحنجرة، ويمكن أن يكون وراء عسر البلع، الإصابة ببعض السرطان، وكذلك بعض أنواع علاجها.
تعذر الارتخاء
يشعر المصاب بعسر البلع المريئي، بأن الطعام ملتصق أو معلّق في قاعدة الحلق أو الصدر، وذلك عقب قيامه ببلعه، وتشمل أسباب الإصابة بهذه الحالة إصابة عضلة المريء بما يسمى تعذر الارتخاء.
ولا ترتخي العضلة السفلية العاصرة للمريء فيه بصورة سليمة، حتى تسمح للطعام بأن يدخل المعدة، وبالتالي ربما تتسبب في عودة الطعام إلى الحلق مرة ثانية، وتزيد الحالة بمرور الوقت سوءاً، إذا كانت عضلات جدار المريء ضعيفة أيضاً.
ويؤثر التشنج المنتشر على عضلات جدار المريء السفلية، وهي عضلات غير إرادية، وبسبب هذه الحالة يحدث ضغط عالٍ ومتعدد، وتحدث أيضاً انقباضات منسقة بصورة ضعيفة على المريء، وهي تحدث في العادة عقب البلع.
حبس الطعام
يمكن أن يؤدي ضيق المريء إلى حبس بعض قطع الطعام الكبيرة، ويمكن أن يكون تضيّق المريء بسبب النسيج المتندب نتيجة داء الارتداد المعدي المريئي، وكذلك الحلقات المريئية، وهي منطقة تضيّق رقيقة في المريء السفلي، تسبب صعوبة في بلع الطعام الصلب بصورة متقطعة.
ويزداد اضطراب عسر البلع سوءاً نتيجة الإصابة بأورام المريء، ويمكن أن يكون وراء إعاقة الطعام وجود أجسام غريبة، وربما عانى كبار السن من بقاء قطع من الطعام في الحلق أو المريء.
وتزداد الإصابة بهذا الاضطراب بالنسبة للمسنين، بالرغم من أن عسر البلع لا يعد علامة على التقدم في العمر، كما أن هناك من يجدون صعوبة في بلع أشياء بعينها مثل حبوب الدواء، وكذلك من يعاني من صعوبة البلع بسبب الإحساس أن هناك كتلة جامدة في حلقه، والواقع أنه ليس هناك شيء، ويزيد هذا الشعور مع الحزن والانفعال النفسي.
ألم أثناء البلع
يعاني المصاب من عسر البلع، من ألم أثناء عملية البلع، وعدم قدرته على الابتلاع، ويشعر بأن الطعام يقف في الحلق أو الصدر، أو وراء عظمة القص. ويعاني من ارتجاع الطعام إلى أعلى أو ارتجاع أحماض المعدة للحلق، وشعور بحرقة متكررة في المعدة، أو سعال أثناء أو بعد الأكل أو الشرب.
ويعاني المصاب من الحاجة إلى وقت أطول من أجل المضغ أو البلع، وتسرب الطعام والشراب من الفم، ويتجنب المصاب أطعمة معينة بسبب مشاكل البلع، أو أنه يضطر إلى تقطيع الطعام إلى قطع صغيرة.
ويمكن أن يعاني من الشعور بالتقيّؤ أثناء البلع، وبحّة في الصوت بسبب هذا الاضطراب، وتؤدي هذه الحالة في بعض الأحيان إلى نقص في الوزن غير متوقع، وجفاف بسبب عدم القدرة على تناول القدر الكافي من الطعام، ويعاني بعض المرضى من احتقان في الصدر بعد تناول الطعام، أو من التهاب رئوي متكرر.
الجأ إلى الطبيب
ينصح باللجــــــوء إلى الطـــــبيب عـــند مواجهة صعوبة في البلع بصورة مستمرة، وكذلك إذا أدت هذه الحالة إلى فقد ملحوظ في الوزن، ويجب الحصول على مساعدة فورية عند حدوث تداخل انسداد مع التنفس، أو نتيجة عدم القدرة على البلع بسبب الشعور أن الطعام واقف في الحلق أو الصدر.
وتشمل خطوات التشخيص إجراء أشعة سينية بالباريوم، وذلك ليسمح بإظهار المريء بصورة أحسن من فحوص الأشعة السينية.
ويلاحظ الطبيب من خلالها التغيرات في شكل المريء، ويمكن أن يقيم النشاط العضلي له، من خلال ابتلاع أطعمة مغلفة بالباريوم لمشاهدة العضلات أثناء عملية البلع، وكذلك للبحث عن انسدادات في المريء.
ويمكن إجراء فحص مرئي بالمنظار للمريء، عبر تمرير أداة مرنة ومزودة بمصباح لأسفل الحلق، وربما أخذ الطبيب خزعة للبحث عن التهاب أو تضيّق أو ورم.
ويمكن أن يجري تقييم بلع منظاري بالألياف البصرية، وذلك من خلال كاميرا خاصة وأنبوب مزود بمصباح أثناء محاولة البلع
السبب والمنطقة المصابة
يعتمد علاج عسر البلع على السبب وراء الإصابة بهذه الحالة، وكذلك المنطقة التي يحدث بها هذا الاضطراب، فتتم معالجة الاضطراب الفموي البلعومي، من خلال تعليم طرق ملائمة للبلع، وذلك إذا كان الاضطراب ناتجاً عن مشكلة عصبية، ويعتبر الهدف من هذا العلاج هو منع دخول الطعام إلى المسالك التنفسية.
وتتم معالجة الاضطرابات في المريء، عن طريق أدوية تزيد تقلص وانقباضات عضلات المريء، أو تسبب لها الاسترخاء، وذلك إذا كانت المشكلة فرط الانقباض والتقلص، وتوجد أدوية تقلل من إفراز الحامض في المعدة، ويتناولها المصاب بارتجاع حامض المعدة إلى المريء.
ويمكن اللجوء إلى استخدام منظار داخلي مزود ببالون خاص، وذلك لزيادة عرض المريء في حالة ضيق المريء، أو تعذر الارتخاء.
ويبقي الخيار الجراحي في حالة وجود ورم بالمريء، أو الرتج البلعومي المريئي، وذلك لإخلاء مسار المريء، ويوصي الطبيب المعالج في حالات عسر البلع الشديد باتباع نظام غذائي سائل خاص، وذلك بهدف الحفاظ على الوزن الصحي، وتجنب الجفاف.
ويلجأ الطبيب في الحالات الأشد، إلى أنبوب طعام، من أجل تخطي الجزء الذي لا يعمل بصورة طبيعية من آلية البلع.

إجراءات وقائية
ينصح الأطباء المصابين باضطراب عسر البلع باتباع عدد من الإجراءات، والتي يمكن أن تخفف من أعراض هذه الحالة، ومنها تغيير عادات تناول الطعام، فيمكن تناول وجبات أصغر وأكثر عدداً، مع تقطيع الأكل إلى قطع أصغر، والمضغ الجيد، والأكل بشكل أبطأ.
ويجب على المصاب تجنب الأطعمة التي تسبب له المشاكل، مثل الكراميل وزبدة الفول السوداني، وعامة فإن تجريب الأطعمة المختلفة لمعرفة أيها يسبب متاعب في عملية البلع مفيد، وذلك لتجنبها مستقبلاً.
ويقلل الاكتشاف المبكر لمرض الارتجاع المعدي المريئي، وعلاجه بشكل جيد، من الإصابة بعسر البلع الذي يصاحب تضيق المريء.