“أسبرجر” أحد أشكال طيف التوحد

مقالات

 
تعتبر متلازمة أسبرجر أحد الاضطرابات النمائية الشاملة، وتصنف ضمن اضطرابات طيف التوحد عالي الأداء، ولا تكون مصحوبة بتخلف عقلي.
 
وتعتبر حالة نفسية تصيب الأطفال بداية من سن الرضاعة، وتكون بحركات تتكرر، وتتقيد بسلوكيات وأنماط موحدة ضمن مسار ثابت. 

يمكن أن يتأخر اكتشاف الإصابة بمتلازمة أسبرجر حتى سن البلوغ، بالرغم من أنها تبدأ في مرحلة عمرية مبكرة، ربما في فترة الرضاعة أو بعدها بفترة قصيرة.
 
ويجد المصاب بهذه المتلازمة صعوبة في التواصل الاجتماعي مع الآخرين، وفي التكيف مع الحالات الشعورية المختلفة، كما أنه يمتاز بأنماط سلوكية غير منتشرة.
 
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة أسبرجر بالتفصيل، ونستعرض العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذا المرض، مع بيان الأعراض وطرق الوقاية والعلاج.
 
صداقات جديدة
 
يستخدم مصاب متلازمة أسبرجر لغة غير نمطية في حديثه، ويجد لذلك صعوبة في تكوين صداقات جديدة، ويعاني الارتباك عندما يتواجد في مجموعات كبيرة، وربما اقتصر في الحديث على الأشخاص المألوفين له، أو من يشعر بارتياح لهم.
 
ويمكن أن يكون انطباع الآخرين عن المصاب بأنه عصبي أو انطوائي أو غريب الأطوار، كما يتم وصفه بالذكاء ودقة الملاحظة غير أنه مهووس، ولا يستطيع التعبير عن نفسه.
 
ويعود السبب في هذا إلى أن متلازمة أسبرجر تؤدي إلى القلق وصعوبة التواصل الاجتماعي، بالرغم مما يمتاز به المصاب من ذكاء شديد وقوة الملاحظة، وهذه الصفات تجعله جذاباً وهادئاً، وربما بدا كالأحمق.
 
هناك اختلاف
 
يشير الاختصاصيون والباحثون إلى أن هناك اختلافاً بين اضطراب التوحد ومتلازمة أسبرجر، ويعود ذلك إلى التصنيفات التي يعتمد عليها الأطباء في الأمراض النفسية، والتوحد اضطراب نمائي يؤثر في المهارات الحركية واللفظية، وكذلك مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي.
 
وتتضمن المتلازمة عدداً من الأعراض، والتي لا تؤثر في المصاب؛ حيث يصل إلى مراحل متقدمة في اللغة والتواصل الاجتماعي، ويكون معدل ذكاء المصاب في المستوى الطبيعي أو أعلى منه.
 
ويشترك المصاب بمتلازمة أسبرجر مع اضطراب التوحد في ضعف التواصل وقلة المهارات الاجتماعية، وبناء العلاقات والحفاظ عليها.
 
وتعتبر المتلازمة أخف أنواع اضطرابات التوحد، وليس هناك إثبات علمي حتى الآن على خلل وظيفي أو عضوي لهذه المتلازمة.
 
السبب مجهول
 
ويشير الباحثون والعلماء إلى أن السبب وراء الإصابة بمتلازمة أسبرجر لا يزال مجهولاً، بالرغم من الأبحاث التي أجريت حول هذه الحالة المرضية.
 
وبينت بعض هذه الأبحاث أن سبب الإصابة يتعلق بالجينات، لكن اللافت أن نطق المصاب يكون متساوياً مع أقرانه، بل إنه يكون في حالة من التطور والإدراك الكلي.
 
وتشير بعض الدراسات الأخرى إلى أن هناك أسباباً فسيولوجية نتيجة خلل في قشرة المخ عند الأم، وترجح بعض الأبحاث الأخرى أسباباً وراثية وراء الإصابة.
 
وذكرت منظمة الصحة العالمية، في أحد التقارير الصادرة عنها، أن الدراسات العلمية أشارت إلى عوامل بيئية ووراثية وراء ظهور اضطرابات في نمو الدماغ في وقت مبكر، والنسبة تكون أعلى في الذكور عن الإناث.
 
وينبغي الإشارة إلى أن الإصابة بمتلازمة أسبرجر ليست نتيجة تنشئة المريض، أو الظروف الاجتماعية، وكذلك ليست خطأ من المريض.
 
ولا تزال آلات التصوير الدماغية، بالرغم من التطورات التقنية، لم تتعرف بشكل واضح إلى هذا المرض، ولم تسجل كذلك إصابات مشتركة بين المصابين به.
 
من مصاب لآخر
 
تختلف أعراض متلازمة أسبرجر من مصاب لآخر، وربما لا تظهر هذه الأعراض جميعها على شخص واحد، غير أنها تعتبر هي الأكثر شيوعاً، ومن هذه الأعراض، صعوبة تكوين صداقات، وربما لا يستطيع المصاب التواصل مع الآخرين.
 
ويعود ذلك إلى افتقاده للمهارات الاجتماعية اللازمة للتعامل مع الآخرين، وكذلك مهارات التكيف الضرورية حتى يشترك في العمل الجماعي أو ينخرط في مجموعة، ويريد المصاب بمتلازمة أسبرجر التواصل والانخراط في المجموعة، إلا أنه لا يمكنه ذلك. 
 
ويظهر لدى المصاب ما يسمى بالصمت أو الخرس الانتقائي؛ حيث يقصر حديثه مع من يشعر بالراحة معه، وربما يتجنب الحديث مع الأشخاص الذين لا يعرفهم، وتحدث هذه الحالة في الأماكن العامة، أو إذا دخل شخص غريب للمجموعة التي يجلس فيها المصاب.
 
قلق اجتماعي
 
يصاب مريض متلازمة أسبرجر بالقلق الاجتماعي؛ وذلك لأنه يجد صعوبة في تفسير تعابير الوجوه أو فهم المشاعر، وبالتالي يجد المريض صعوبة في اختيار العبارات الصحيحة أو ردود الفعل الصحيحة في بعض المواقف، وهو ما يجعل المصاب يختار الانطواء أو الحياد. 
 
ويقع المصاب بهذه المتلازمة في طرفي النقيض، وذلك عندما يجد صعوبة في الاتصال البصري أو المحافظة عليه، وربما شعر بالانزعاج والقلق إذا لم يتمكن مع من يحدثه في إجراء الاتصال البصري، وربما تظهر هذه الأعراض على أنها عدم ثقة بالنفس.
 
يركز المصاب بهذه المتلازمة على اهتمامات محددة وواضحة؛ وذلك أنها تدفع عقله إلى التركيز، وتخلصه من التشتت والقلق الاجتماعي، وبالتالي تبث فيه إحساساً بالراحة.
 
وتتركز هذه الاهتمامات في العادة على نشاطات فردية، مثل الرسم أو الكتابة وما شابهها، وتعتبر مصدر راحة عندما تلاقي نجاحاً، غير أنها تسبب الكرب والفجيعة عند تعطلها أو في حالة الإجبار على تركها.
 
مقدرة خاصة
 
يمتلك المصاب بمتلازمة أسبرجر مقدرة على فهم الأنماط وملاحظتها، ويسعى عقله إلى إيجاد نمط أو حالة من التماثل يستكين لها في محاولة للبحث عن الراحة، ولذلك فإن المصاب يرتب أغراضه في شكل خطوط مستقيمة، أو حسب الألوان أو أي نمط يرتاح له نفسياً أو بصرياً.
 
ويعتبر الأمر بمثابة تحدٍّ وموهبة في الوقت نفسه، ولذلك يتميز المصاب في القدرة على التحليل ورصد الظواهر والسمات المشتركة، وتعتبر هذه الموهبة جديرة بالتنمية. 
 
يضع المصاب بالمتلازمة نظاماً معيناً، يجد فيه الدعم وهو مصدر للراحة، ويعالج هذا الجدول الصارم مشكلة القلق والإرباك التي يعانيها المصاب عندما يشعر بضغط كبير، أو عند حدوث تغيير على النظام، أو عند تعرضه لموقف جديد.
 
العلاج السلوكي
 
يعتبر العلاج الفعال بالنسبة لمتلازمة أسبرجر هو العلاج السلوكي، وذلك أن العلاج الدوائي ربما يتسبب في بعض التداخلات.
 
ويعتمد العلاج السلوكي على التعامل مع حالات معينة ومنفردة لدى المصاب؛ حيث يتم التركيز على حالة مثل التعامل مع فقرة مهارات التواصل مع الآخرين، وسجلت بعض الحالات تحسناً، غير أنها تحتاج لوقت طويل.
 
وبينت الدراسات أن اعتماد المصاب على نفسه في العيش منفرداً ما زال أمراً شبه مستحيل، وذلك بالرغم من التحسن في أداء المصاب، وكذلك حالات التكيف الاجتماعي؛ حيث يواجه المصاب صعوبة مهما استمرت فترة العلاج. 
 
ويمكن لبعض الحالات أن تحتاج إلى تدريب على زيادة الانتباه والتركيز، وجلسات تخاطب حتى يتحسن مستوى النطق، إضافة إلى بعض الفيتامينات والمكملات الغذائية والأطعمة التي تحتوي على أوميجا 3.
 
وسائل مساعدة
 
يتوفر عدد من الوسائل التي تساعد مصاب متلازمة أسبرجر على التكيف مع الصعوبات التي تواجهه، وكذلك تخفف من حدة الأعراض، ومن هذه الأساليب، تمرين المرآة، وفيه يقف المصاب أمام المرآة ويعيد المحادثات التي لم يقدر على المشاركة فيها، ويقول كل ما كان يود أن يقوله.
 
ويفيد هذا التمرين في التدريب على المهارات الاجتماعية، وذلك حتى يحسن من تفاعله مع الآخرين، ويشعر المصاب بالراحة في الحديث، ويحسن كذلك من الاستعداد للمواقف الاجتماعية. 
 
يقوم المصاب بتمرين التنفس والاسترخاء قبل ذهابه إلى أي لقاء اجتماعي، وذلك بأن يغمض عينيه ويتنفس بعمق، ويكرر هذا الأمر لخمس دقائق، ويمكن أن يكرر هذا التمرين بعيداً عن المحيطين، وذلك عند الشعور بالإجهاد أو القلق خلال اللقاء.
 
وتشمل التمارين الحسية والحركية تركيب المجسمات أو المكعبات، أو الرسم والتلوين، أو حل بعض مسائل الرياضيات، فكل هذه الأمور تكسب المصاب الاسترخاء والشعور بالراحة.
 
ويقوم هذا التمرين على العلاج السلوكي الإدراكي، ويعتبر إحدى تقنيات الاسترخاء والتكيف مع حالات القلق والفزع، ويؤدي العلاج الجسدي والرياضي إلى إفراز هرمونات الاسترخاء والسعادة، ويقلل كذلك من الإحساس بالإنهاك النفسي والقلق، وهو يجعل المصاب يشعر بالراحة ويجد الشجاعة اللازمة حتى يقوم بالمهام الاجتماعية.

متلازمة المشاهير

 
يعد الطبيب النمساوي هانز أسبرجر أول من اكتشف هذه المتلازمة، وكان ذلك عام 1944، وعمل على تعريف هذه الحالة؛ بأنها حالة من الشذوذ في التواصل والتفاعل مع الآخرين، وفي طريقة أداء الفرد.
ويطلق على هذه المتلازمة مسمى  «متلازمة المشاهير»؛ حيث إن الكثير من المشاهير أصيبوا بها، غير أنها لم تؤثر في مسيرتهم الناجحة، ومن هؤلاء: توماس أديسون وإسحاق نيوتين وبيتهوفن وألبرت أينشتاين، وكذلك بيل جيتس، ولاعب الكرة ليونيل ميسي.
ويعتقد الباحثون أن هناك شخصاً على الأقل بين كل 100 شخص، يعاني شكلاً من أشكال التوحد؛ لكن بدرجات متفاوتة، وتبلغ نسب الشفاء من «متلازمة أسبرجر» حوالي 25%؛ وذلك عند بداية العلاج في مرحلة الطفولة.
ويؤدي كذلك العلاج بالنسبة للبالغين إلى تقليل الأعراض بشكل كبير، ويساعد المصاب على أن يستمر في حياته بصورة طبيعية قدر الإمكان، وبصعوبات أقل.