التنظير.. استكشاف ووقاية

مقالات

تحقيق : راندا جرجس

بدأت جراحات منظار البطن في عمليات المرارة وأمراض النساء، ثم اعتُمد إجراؤها لمشكلات الأمعاء والكبد وغيرها من الأعضاء، كما أنها تعد تطوراً مذهلاً في مجال الطب الجراحي، مقارنة بالعمليات الجراحية التقليدية التي كانت تترك آثاراً وندبات، تنجم عن الشق الذي يتم فتحه في الجلد بطول يتراوح ما بين ٦-١٢ بوصة، أما جراحة المنظار، أتاحت للطبيب فتح عدة ثقوب صغيرة لا يزيد قطر الواحدة منها على نصف بوصة، وتسهل له إدخال أدوات المنظار وإجراء الجراحة، ومن أهم مميزاتها أنها تترك ندوباً وآثاراً أقل على الجلد، كما أن المريض يعود لممارسة أنشطته العادية في وقت قصير، ويستعيد صحته وعافيته بشكل أسرع.
 
يقول الدكتور عبد القادر ويس، مختص الجراحة العامة والتنظيرية، إنه يجب علينا التمييز بين إجراءين طبيين يستخدمان كلمة مصطلح «التنظير» في سياق تشخيص وعلاج بعض الحالات المرضية، وهما مصطلح التنظير الهضمي والجراحة التنظيرية، ويعرف التنظير الهضمي بأنه إجراء يقوم به طبيب الأمراض الهضمية، وهو عبارة عن دراسة للأنبوب الهضمي، سواء القسم العلوي ابتداءً من الفم وحتى الجزء الأول من الأمعاء، أو السفلي ابتداءً من الشرج، مروراً بالقولونات وصولاً للجزء الانتهائي من الأمعاء الدقيقة بهدف التشخيص بالدرجة الأولى، والقيام ببعض الإجراءات العلاجية المحددة، أما العمليات الجراحية التنظيرية، التي ظهرت منذ أكثر من 30 سنة، مع تطور ملحوظ في السنوات الأخيرة، فإنها تعني القيام بإجراء الجراحة عبر مداخل صغيرة عبر جدار البطن للأعضاء الموجودة داخل تجويف البطن كالمعدة، الكبد، البنكرياس، المرارة والطرق الصفراوية، الأمعاء الدقيقة، القولون بأجزائه، وكذلك الرحم وملحقاته وصولاً للمثانة، أو حتى لإجراء الجراحة للأعضاء الموجودة خلف تجويف البطن في مسافة تدعى المسافة خلف البريتوان كإجراء عمل جراحي على الكلية كمثال، حيث يقوم بهذه الجراحات المختلفة، أطباء جراحون كلُّ حسب اختصاصه، كما يساهمون عبر ممارستهم في تطوير هذه الجراحة وطرق الاستفادة من ميزاتها العديدة.
 
تدابير تشخيصية
 
يشير د. عبد القادر، إلى أن هذه الجراحة في تطور دائم، فحجم الأدوات الجراحية المستخدمة في تقلص مستمر، حيث إنه وصل إلى مستويات دقيقة جداً، ربما لا تتجاوز في قطرها بعض الميليمترات، ما يعني اختصار أكثر من 70% من حجمها، كما أن للروبوت دوراً أساسياً في بعض الجراحات المعقدة، والتي يتم إجراؤها في أماكن ضيقة تشريحياً كما في منطقة الحوض على سبيل المثال، وللجراحة التنظيرية دور تشخيصي أيضاً بالتوازي مع دورها العلاجي، كما في حالات التنظير البطني بهدف الحصول على عينات من السائل المشتبه داخل جوف البطن، أو حتى القيام بأخذ عينات نسيجية (خزعات) بهدف الدراسة الوصول للتشخيص المناسب عند تعذره بالطرق غير الجراحية.
 
مضاعفات التنظير
 
يوضح د. عبد القادر، أن ما يحدث من اختلاطات خلال الجراحة التنظيرية، مشابه لما يمكن أن يحدث في الجراحات التقليدية، سواء الباكر منها كالنزف الدموي أو أذية الأحشاء المجاورة، أو المتأخر منها كإنتان الجروح والالتصاقات الحشوية، أو بعض المضاعفات الأخرى وذلك حسب العضو المتداخل عليه، إلا أن التحضير الجيد للمريض في مرحلة ما قبل الجراحة، وانتقاء المناسب منهم للعمليات التنظيرية، وخبرة الجراح أيضاً، وهو الأمر الذي يجعل من إمكانية حدوث هذه المضاعفات في النسب الدنيا من المتفق عليه عالمياً، وبالمقابل تجدر الإشارة إلى منافع الخضوع للجراحة التنظيرية عن استطبابها، فالجراحة التنظيرية تمكن الجراح من الحصول على رؤية أفضل وتمكنه الوصول إلى أماكن ليست بالمنال تشريحياً في حال الجراحة التقليدية، إضافة إلى شعور بألم أقل وفترة استشفاء أقصر وتماثل أسرع للشفاء.
 
المعدة والقولون
 
توضح الدكتورة سوزان البدري أخصائية الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، أن معظم الحالات يستخدم المنظار لاستكشاف البطن، في منطقة المعدة أو القولون، وفى حالات قليلة يدخل لجزء المرارة، وهو عبارة عن أنبوب في نهايته توجد كاميرا مكبرة وبها مصدر للضوء، للإنارة عند عمل الاستكشاف في الجسم، ويقوم الطبيب بإعطاء المريض درجة معينة من التنويم، حتى لا يشعر بأي شيء ويستطيع الطبيب القيام بهذا الإجراء، يتم إدخاله عن طريق الفم مروراً بالجزء الذي يوجد خلف الأنف، ثم البلعوم وبداية المريء، لنرى بعدها العضلة القابضة التي تكون بين المريء والمعدة، ثم الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة، وربما يتطلب الأمر الدخول للجزء الثاني والثالث من الاثني عشر، وعندما يرى الطبيب أي شيء غير مألوف يتم أخذ عينة منه بالمنظار، وفى بعض الحالات يتم عمل صبغة للنسيج حتى تتضح جميع الأجزاء أو وجود نتوءات مختلفة عن الطبيعي، تغير خلايا، تمعد مريء، أشياء كامنة تحت الجلد، جروح أو تقرحات، أو أورام خبيثة.
 
تعتبر شكوى المريض هي المعلومة الرئيسية التي ترشدنا للبحث عن المشكلة التي يعانى منها، وتتم متابعة هذه العملية التنظيرية من قبل الطبيب عن طريق الشاشة المكبرة الخارجية المتصلة بالمنظار الموجود بداخل المريض، هذا بالنسبة لمنظار المعدة وتستغرق عملية الفحص حوالى 10 دقائق.
 
تضيف: أما منظار القولون وهو الجزء الأخير من الأمعاء الدقيقة، فيتم عمل التنظير من خلال فتحة الشرج، حيث يقوم الطبيب بفحص ثمانية أجزاء تتضمن القولون بأجزائه، المستقيم، وفتحة الشرج، طولها أكثر من متر ونصف المتر، في بعض الحالات، حيث يجب أن تكون البطن فارغة تماماً من البراز قبل إدخال المنظار بيوم كامل ليستطيع الطبيب التعامل مع هذا المكان، وتتم عملية الفحص بالمنظار خلال 10 إلى 30 دقيقة على الأكثر.
 
فحص وتقييم
 
تشير د. سوزان إلى أن المنظار إجراء تداخلي، يتم اللجوء إليه بعد عمل العديد من الإجراءات للمريض والتي تبدأ من الفحص السريري وسماع قصته المريضة والأعراض التي يعانى منها ثم تشخيص الحالة، وعندما يقرر الطبيب خضوع هذا الشخص لعمل المنظار، يجب أن يتم عمل بعض الفحوصات وتشتمل على:-
 
– صورة الدم الكاملة، لتحديد عدد كرات الدم البيضاء والحمراء، نسبة الهيموجلوبين، والصفائح الدموية.
 
– عمل أشعة تلفزيونية، على المنطقة التي يعانى منها الشخص، للكشف عن أي مشكلات ربما تسبب مضاعفات عند عمل المنظار، مثل ارتفاع في ضغط الوريد البابي، أو ارتخاء في الوريد الكبدي.
 
– وظائف الكبد، التي تكون مؤشراً إلى وجود ارتفاع في ضغط الدم الكبدي، ما يجعل الطبيب يتوقع احتمالية وجود دوالي مريء عند المريض من عدمها.
 
أعراض منذرة
 
تذكر د. سوزان، أن هناك بعض العلامات التي تظهر على المريض، وتتطلب التدخل السريع بالمنظار مثل: المعدة والجهاز الهضمي العلوي، عندما يعانى الشخص من رغبة في القيء دائمة لا تزول، فقدان الوزن بدون سبب، قيء ما بعد الطعام، الشبع السريع، أما أعراض الجهاز الهضمي السفلي فتشتمل على نزيف شرجي، الإصابة سابقاً بأورام غددية في القولون، العثور على دم مختبئ بالبراز عند التحاليل في المختبر، أو وجود تاريخ مرضي للمصاب عند أحد أفراد عائلته من الدرجة الأولى يكون قد أصيب بأورام سرطانية في القولون، ولذلك ننصح بعمل منظار دوري على المعدة والقولون كل خمس سنوات للوقاية من الإصابة بالأورام الخبيثة في هذه المنطقة.
 
مسببات التنظير
 
يذكر الدكتور رامي المكاري، مختص أمراض الجهاز الهضمي، أن تنظير البطن هي عملية جراحية قصيرة وبسيطة تجرى في البطن أو الحوض، وتستخدم إما لفحص وتشخيص حالة أو لإجراء عمليات جراحية وتتم من خلال عمل فتحة صغيرة (عادة 0.5 – 1.5 سم) على الجلد فوق أو تحت الصرة حيث يتم نفخ البطن بغاز ثاني أكسيد الكربون لدرجة معينة ومن ثم يتم إدخال أداة تسمى المنظار، وهو عبارة عن أنبوب طويل ورفيع ذو إضاءة عالية الكثافة، توجد في مقدمته كاميرا عالية الدقة، يتم إدخال هذا المنظار من خلال الشق الذي أحدثه الطبيب في جدار البطن، وأثناء تحرك الكاميرا في داخل البطن تقوم بإرسال الصور إلى شاشة تلفزيونية يمكن متابعتها بالعين المجردة، لتوفر للطبيب الصور الواضحة للأعضاء الداخلية، وكثيراً ما يُستخدم تنظير البطن لتحديد مصدر الألم الذي يشعر به المريض في الحوض أو البطن، كما يتم إجراء التنظير عندما تكون الطرق التشخيصية الأخرى غير مفيدة في تشخيص مكان الإصابة وسببها، كما يمكن أن يُستخدم منظار البطن لأخذ خزعة أو عينة من أنسجة العضو المصاب في البطن، وغالباً ما يُجري الطبيب التنظير البطني لفحص الأعضاء التالية :-
 
– الأمعاء الدقيقة والأمعاء الغليظة.
 
– الحوض والأجهزة التناسلية الداخلية.
 
– الكبد والطحال والمرارة.
 
– البنكرياس والمعدة.
 
نتائج إيجابية
 
يشير د. رامى إلى أن تنظير الجهاز الهضمي العلوي والقولون إجراءان طبيان بسيطان يتيحان للطبيب رؤية ما بداخل السبيل الهضمي، ويتمّان في اليوم ذاته أحياناً، حيث يعتمد تنظير الجهاز الهضمي العلوي على استعمال منظار لرؤية باطن الجزء العلوي من الجهاز الهضمي (المريء والمعدة والاثنا عشر)، ويعرف المنظار بأنه أنبوب طويل ورفيع مصنوع من الألياف البصرية المرنة، يقوم بنقل الصور إلى شاشة فيديو، ويمكن تشخيص عدد من الأعراض من خلال هذا الإجراء، كآلام المعدة أو البطن وصعوبة البلع والنزف والقرحات وعسر الهضم وألم الصدر، وفي بعض الأحيان، يستعمل هذا الإجراء لمعالجة بعض الأعراض أيضاً، كإزالة الأورام الحميدة والأورام السرطانية، أو كيّ القرحات النازفة، ويعتمد تنظير القولون على آلية مشابهة لتنظير الجهاز الهضمي العلوي، حيث يستخدم المنظار لرؤية باطن القولون، ولأخذ عينات من الأورام الحميدة أو إزالتها، ولهذا ترسل عينات الأنسجة إلى المختبر للفحص والتأكد من عدم وجود سرطان أو أمراض أخرى.
 
يضيف: تعتمد نتائج تنظير البطن على سير العملية وما تم ملاحظته من قبل الطبيب، وفي معظم الحالات يتعافى المريض بسرعة مع عدم الشعور بالألم الناتج عن الشقوق الصغيرة في البطن، وبعد إجراء الجراحة يمكن للمريض مغادرة المستشفي بعد ليلتين من إجراء الجراحة، وبالتدريج يستعيد صحته وحيويته ويتمكن من ممارسة نشاطاته اليومية الاعتيادية خلال أسبوعين من الجراحة.
 
 منظار الصدر الجراحي

تعتبر جراحة مناظير الصدر الجراحية من أكثر العمليات الجراحية المعقدة على مستوى العالم، حيث أنها تستخدم في علاج حالات الإصابة بالتقعر الشديد في القفص الصدري عند الأطفال، ولذلك تحتاج إلى تقنيات متطورة عالية الدقة وأطباء ذوي كفاءة عالية، ويتم هذا الإجراء بتخدير المريض والسماح له بالتنفس عن طريق رئة واحدة فقط، وانكماش الثانية جزئياً، ليستطيع الطبيب رؤية التجويف الصدري بوضوح، وتعد فوائد هذه الجراحة كحال معظم الجراحات التنظيرية التي تتم في وقت قصير، وتعطى للمريض فرصة مزاولة الحياة الطبيعية سريعاً مقارنة بالعمليات التقليدية، كما أنها تجنب المريض الفتح الجراحي الذي ربما يؤثر في وظائف التنفس.