تقليل التدخين ليس مفيداً بدرجة كبيرة

مقالات

سعى الكثير من المدخنين إلى وجود حل للوقاية من أضرار وكوارث التدخين على الصحة، ومنهم من استجاب لبعض النصائح بتقليل عدد السجائر التي يتم تدخينها على مدار اليوم، حتى إن بعضهم قرأ عن توقف بعض التأثيرات الخطيرة في حالة التقليل من التدخين.
والتزم الكثير بنصائح التقليل من التدخين، ولكن هذه الإرشادات لم تمنع كل الأمراض والمشكلات الصحية التي يمكن أن يصاب بها الشخص المدخن، وهذا ما جاء في الدراسات الواسعة والشاملة التي أجريت مؤخراً، والتي أفادت أن التدخين البسيط يؤدي إلى بعض المشكلات الأخرى، فيمكن أن يجنب الإصابة بالأمراض، ولكنه لا يمنع تضرر القلب، والإصابة بأمراض خطيرة.
وأثبتت إحدى هذه الدراسات أن التعرض لدخان السجائر أو التدخين السلبي، له نفس الأضرار التي تقع على المدخن بعدد قليل للغاية من السجائر، وكانت هذه مفاجأة غير متوقعة، لدرجة أن الدراسة توصلت إلى أن تدخين سيجارة واحدة فقط خلال اليوم، وهو الحد الأدنى للتدخين اليومي، يسبب العديد من المشكلات الصحية، ومنها الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية.
وتدعو هذه الاكتشافات الجديدة إلى تغيير وجهة النظر السابقة التي تقول إن سيجارة واحدة لا تضر، ويمكن أن تجنب الشخص أمراضاً قاتلة، وبهذه الدراسة الحالية يتم دحض نتائج الدراسات السابقة، التي كانت تسعى لتقليل التدخين والتخفيف من تأثير التبغ في الصحة، وبالتالي لا بد من وضع نصائح وإرشادات جديدة مبنية على النتائج الحديثة.
ونقدم في هذا الموضوع أضرار التدخين الخفيف والسلبي، والذي يصل إلى تعاطي سيجارة واحدة فقط في اليوم، كما نوضح تأثير هذا النوع على شكل الرئتين وطريقة العمل، والخسائر الصحية التي تجتاح الرئة وتدمر حياة المدخن.
السليمة والمتضررة
يشير مركز السيطرة على الأمراض والوقاية في أمريكا إلى أن تدخين التبغ مازال يعد أكبر سبب للوفاة والمرض داخل الولايات المتحدة، حيث يؤدي إلى وفاة ما يقرب من 450 ألف مواطن أمريكي على مدار العام، ومنهم ما يقرب من 10% نتيجة التدخين السلبي، أي ما يعادل حوالي 41 ألف فرد.
وأظهرت الإحصائيات الأخيرة التي كشف عنها مركز السيطرة أنه في عام 2016 بلغ عدد المدخنين الأمريكان ما يقدر بحوالي 40 مليون شخص، ومن هذا العدد أكثر من 75٪ من المدخنين بشكل يومي.
ونشرت مؤسسة ميشن الصحية الموجودة في ولاية نورث كارولينا على موقعها، مقطعاً مهماً للغاية يبين الفرق بين الرئة السليمة والرئة المتضررة لشخص مدخن بشكل يومي، ومن مهام هذه المؤسسة هو تحسين صحة وعافية سكان ولاية نورث كارولينا الشمالية.
وظهر في الفيديو الفرق في المنافع الصحية بين الرئة السليمة والرئة المسرطنة لأحد المدخنين بشكل يومي، والذي كان يتناول مجموعة من السجائر كل يوم لمدة 20 عاماً.
اللون والمرونة
وظهرت الرئة السليمة في المقطع المصور تتمتع باللون الأحمر الوردي لدى الأشخاص غير المدخنين، وفي المقابل رئة مظلمة سوداء ومليئة بالسرطان ومتفحمة المظهر، للشخص المدخن بصفة يومية والذي تعاطى مجموعة واحدة من السجائر خلال اليوم.
وضع الباحثون أنبوباً داخل الرئة لإظهار طريقة عملها، وذلك عندما يتم ضخ الأكسجين إلى الرئة التي تعاني السرطان، وتبين أنها تنتفخ ثم تفرغ الهواء بسرعة شديدة، في حين أنه مع الرئة السليمة يحدث التضخم بالهواء، ثم تأخذ فترة من الوقت حتى تنكمش وتفرغ الهواء.
ويفسر الباحثون ذلك بوجود مرونة جيدة في حالة الرئة السليمة، والتي تساعد على بقاء الرئة منتفخة وممتلئة بالهواء إلى حد ما، حتى عندما لا يستنشق الشخص هواء جديداً.
وأرجع العلماء حالة الرئة المصابة بالسرطان إلى فقدنها الكثير من مرونتها، لذا فهي تمدد وتنتفخ وتعود إلى الانكماش بسرعة واضحة، حيث تعرضت الأنسجة المرنة للتصلب والتلف، وظهر ذلك واضحاً في المقطع المصور والذي انعكس في السرعة التي تنكمش بها.
تدمير الرئتين
وتشير دراسة أخرى إلى أن بطانة الرئتين لدى الفرد غير المدخن تكون ناعمة ورقيقة للغاية، وفي حالة التدخين تتحول إلى سميكة وسوداء وبها ندبات كثيرة، وهذه التأثيرات تقلل من كفاءة الرئتين وتضعف وظيفتها.
كما يؤدي استمرار التدخين إلى تدمير الشعيرات والأهداب الصغيرة التي لا ترى إلا تحت المجهر، وتغطي أجزاء واسعة من الرئة ومن بطانة مجرى التنفس، ومهمة هذه الأهداب حماية الرئة والتخلص من الغبار والشوائب والجسيمات الضارة، التي يمكن أن تتسلل مع الهواء أثناء عملية التنفس.
ويتلف التدخين هذه الأهداب وبالتالي تحدث مشكلة الالتهاب الرئوي بسهولة، ومع الوقت وتكرار الإصابة به يؤدي إلى حدوث ندب وصعوبة واضحة في عملية التنفس.
وتوضح الدراسة أن إدمان التدخين يزيد من تطور أمراض الرئة، ومنها الربو والحساسية عموماً، وبالتالي يمكن أن تقود إلى مضاعفات أكبر، وهي عجز الرئة عن القيام بواجبها، ومن ثم اللجوء إلى أجهزة التزود بالأكسجين، وعدم القدرة على الحياة بدونها لفترات طويلة من اليوم، ومع الوقت يفقد جسم الشخص المصاب لياقته البدنية وتحدث حالة الوفاة المبكرة.
أمراض القلب التاجية
وكشفت دراسة أخرى أن تدخين سيجارة واحدة فقط على مدار اليوم، يمكن أن تزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب التاجية بنسبة تصل إلى 50%، ويؤكد الباحثون أنه لا يوجد مستوى آمن من التدخين لأمراض القلب والأوعية الدموية كما يظن أو يعتقد البعض، ويجب أن يسارع المدخنون إلى الإقلاع عن التدخين، بدلاً من التقليل من خطر تعرضهم لاختلالين رئيسيين شائعين.
وتوصلت دراسة حديثة إلى حقائق جديدة عن أضرار التدخين، حيث قام الباحثون بفحص 143 دراسة سابقة منشورة من عام 1946 حتى عام 2016، ووجدوا أن الرجال الذين يخفضون تدخينهم إلى سيجارة واحدة فقط في اليوم، لايزال لديهم فرصة أكبر بنسبة 48٪ في الإصابة بأمراض القلب التاجية، مقارنة بالذين لم يدخنوا نهائياً.
وكشفت الدراسة أن النساء كنّ معرضات أكثر لخطر الإصابة بمرض السكتة الدماغية بنسبة وصلت إلى 58٪، بينما الرجال يتعرضون بنسبة 26٪، في حين كانت النساء أكثر احتمالاً بنسبة 31٪ عند خفض سيجارة واحدة في اليوم.
ويلحق الضرر بالأوعية الدموية بشكل سريع وخطير، لأن الدم هو الوسيلة التي يتم من خلالها نقل الأكسجين والمواد الغذائية إلى كل أجهزة الجسم وأعضائه، والأوعية الدموية هي الطريق الوحيد لتوزيع الدم، ولكن التدخين يتلف طبقة الخلايا المبطنة لهذه الأوعية والتي تضمن تدفق الدم، وبالتالي يسهل ترسب الدهون والشحوم على جدران الأوعية والإصابة بالضيق والتصلب.
وجود أضرار للتقليل
يوضح معهد السرطان في جامعة كوليدج بلندن أنه كان هناك اتجاه في عدد غير قليل من البلدان لتقليص نسبة التدخين بشراهة، وتقليل عدد السجائر التي يتم تدخينها بنسبة كبيرة على مدار اليوم، وكان الاعتقاد أن هذه كانت خطوة جيد تماماً ومفيدة في تخفيض نسبة الإصابة بأمراض السرطان وخاصة سرطان الرئة.
وهذا الاعتقاد كان صحيحاً إلى حد ما، ولكن دحضت دراسة حديثة هذه الفكرة بعد اكتشاف وجود نوعين من الاضطرابات الشائعة بعد تقليل التدخين، وهما أمراض القلب والسكتة الدماغية، فمن المحتمل أن تكون الإصابة بهما مستمرة رغم التخفيف من التدخين أكثر بمراحل من الإصابة بأمراض السرطان، وبعد التوصل إلى نتائج هذه الدراسة الموسعة، نصح الباحثون بضرورة الامتناع عن التدخين بشكل نهائي، وعدم التعرض للتدخين السلبي أيضاً، للحماية من أمراض القلب والسكتات الدماغية التي لا تقل خطورة عن السرطان، وتؤدي إلى حدوث نسب من الإعاقة والوفاة أيضاً.
زوجات المدخنين
تشير أحدث تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن التدخين يسبب وفاة نحو 92% من مرضى سرطان الرئة، و27% من انسداد الشريان التاجي الناتج عن التدخين أيضا، ووفاة 9% بسبب التهاب القصبات المزمن من التدخين.
وتقود المنظمة جهود حثيثة مع معظم بلاد العالم للحد من انتشار هذه العادة السيئة، وتشجيع الأشخاص المدخنين على الإقلاع عن التبغ، ونشر ثقافة الوعي حول أضرار وتأثيرات التدخين على الصحة العامة، وعلى أمراض وسرطان الرئة ومشاكل القلب والأوعية الدموية.
كما تسعى المنظمة لنشر تأثير التدخين على الحوامل والأطفال والأشخاص الذين يتعرضون للتدخين السلبي، وهم ضحية لا ذنب لهم في الإصابة بالأمراض الخطيرة.
وتشير المنظمة إلى أن هناك دراسات أثبتت وجود علاقة وطيدة بين التدخين السلبي وسرطان الرئة، لأن المدخن السلبي يجبر على تنفس الهواء المحمل بالسموم التي ينبعث من فم الشخص المدخن ومن دخان التبغ.
وكشفت دراسة جديدة أن نحو 18% من الحالات المعرضة لخطر سرطان الرئة، تكون بين زوجات الأفراد المدخنين، وهن لا يمارسن التدخين الفعلي ولكن يتعرضن لدخان الأزواج، ووصلت النسبة إلى 19% في أماكن العمل لدى غير المدخنين الذين يتعرضون لتأثير التدخين السلبي.