إدمان العطور يسبب تلف الكبد

مقالات

تمثل العطور الجميلة بالنسبة لكثير من الناس شيئاً مهماً يتمتعون به، سواء من خلال رشها وشمها، أو وضعها على الجسم والملابس، أو حتى في بعض الأحيان مجرد شرائها. وبالتأكيد فإن النساء بصفة عامة هن أكثر الفئات اهتماماً بمسألة العطور ومتابعة كل جديد منها، غير أن الأمر يتجاوز ذلك في كثير من الأحيان حتى يصل إلى درجة من درجات الإدمان، وهنا يصبح مصدراً للخطورة والضرر.
تعد مشكلة إدمان العطور إحدى صور الإدمان الحديثة التي يؤدي إليها خلل نفسي خطر، وينقسم هذا الإدمان إلى نوعين، الأول شراء العطور بشكل مبالغ فيه، والثاني هو إدمان شم العطور وهو الأخطر، حيث يتسبب في كثير من المشاكل الصحية.
ويحذر الأطباء والأخصائيون من خطور الاستهانة بهذه الحالة؛ لأنها يمكن أن تدمر المصاب بها نفسياً وبدنياً، وذلك في حالة لم يتدارك الشخص نفسه، ففي بعض الأوقات يصل الأمر إلى تدمير كبير في جهاز الكبد.
ونتناول في هذا الموضوع الحالة المرضية لإدمان العطور بكل تفاصيلها، مع بيان الأسباب والعوامل التي تسبب هذه المشكلة، ونقدم أعراض هذا الإدمان مع كشف الأضرار التي تحدث نتيجة له، وكيفية الوقاية منه، وطرق العلاج الممكنة والحديثة للتخلص من هذه الحالة.
النساء الأكثر رغبة
ويشير الأطباء والأخصائيون إلى أن أخطر ما في مشكلة إدمان العطور، هو سهولة الحصول عليها، فلا أحد يعترض على اقتناء الروائح الجميلة المختلفة والمتوفرة في كل مكان، بأسعار في متناول جميع الفئات.
ويعرّف الباحثون والأطباء إدمان العطور بأنه سلوك إدماني يظهر في شكل تعلق المصاب بالعطور، حيث يشمل هذا التعلق الشم أو الشراء باستمرار.
وكانت نسبة النساء المصابات بهذا النوع من الإدمان أكبر من الرجال بكثير، وذلك بحسب الدراسات الحديثة التي تتبعت هذه الظاهرة.
ويعود هذا الأمر بحسب الباحثين، إلى أن النساء أكثر ميلاً للإصابة بإدمان التسوق، وكذلك لاهتمامهن بأمور الموضة والمظهر الشخصي والجمال عموماً.
ويرى الباحثون أن أحد الأسباب الأساسية للإصابة بإدمان العطور، هو شعور المدمن بالفراغ والاكتئاب، وهو الأمر الذي يجعله يلجأ للهروب إلى هذا النوع الغريب من الإدمان.
صيفي وشتوي
ويعاني مدمن العطور رغبة قوية في شراء العطر، بغرض توافر عدد كبير من العطور لديه، وفي إحدى الحالات تم رصد ما يتجاوز 50 زجاجة عطر لدى الشخص الواحد المدمن للعطور، ومن الممكن أن يشتري بكل دخله عطوراً، ويفقد السيطرة على نفسه بمجرد مروره أمام أحد محال العطور، وربما اشترى نفس العطر المتوافر لديه.
ويشتري من العطر الذي يعجب به أكثر من زجاجة، خاصة في حالة العطور النادرة، ويجب أن تكون نوعية العطور جيدة ومرتفعة الثمن في كثير من الحالات. ويجعل المدمن لكل فصل عطره الخاص، فهذا عطر صيفي، وهذا من أجل الشتاء.. وهكذا، ويصاب كثيرون بحالة من الملل السريعة من العطر، بحيث لا يتجاوز مقدار استخدامه له ربع العبوة أو الزجاجة في كثير من الأحيان.
خمس مرات يومياً
ويستطيع الأشخاص القريبون من مدمن العطور ملاحظة إصابته بهذه الحالة من خلال عدد من العلامات، حيث يعاني المصاب هوس النظافة إلى حد إصابته بالوسواس القهري.
ويبدأ المدمن رحلته مع الإدمان بوضع العطور والروائح على ملابسه بصورة مبالغ فيها للغاية، وهو في هذا يتجاوز الحدود المعقولة، ويتدرج الأمر إلى مرحلة تجربة شم العطور، ويصل معدل الشم في بعض الحالات إلى أكثر من 5 مرات يومياً.
وتتسبب حالة الإدمان هذه، في جعل المصاب متقلب المزاج بصورة كبيرة، تصل إلى درجة إصابته بالاكتئاب في بعض الأحيان، وذلك عند ابتعاده أو تقليله من شم العطور، أو حتى تقليل معدل شرائه لها.
ضمور خلايا المخ
ويصاب مدمن العطور بكثير من الأضرار، خاصة في حالات الإصابة بإدمان شم العطور، ومن هذه الأعراض معاناته من الأعراض الانسحابية عند محاولة التوقف عن شم العطور، وتشمل هذه الأعراض الصداع والاضطراب النفسي الشديد والقلق والتوتر والعصبية.
ويشير الأطباء إلى أن أثر العطور يصل إلى الكبد والمخ، حيث تدخل المادة السامة التي توجد في العطر إلى الدم، وبالتالي فإنها تُحدث أضراراً مؤكدة في الكبد مع استمرار الاستعمال لفترات.
ويمكن أن تسبب كثرة شم العطر بعض المشاكل في خلايا وأنسجة الدماغ المخ، حيث تصاب خلاياه بالتلف والضمور، وتتأثر قدرة الذاكرة بشكل سلبي للغاية، وبعض قدرات الإدراك الأخرى.
وتشـــــمل الاضطرابات التي يعانيها المدمن، اضطرابات فـــي النوم والذاكرة، وفـــشل الحكم على الأمور، وتضـــــرر التـــفكــــــير والانفــــــعـــــال، ويمكــــن أن تصــــل الأمور فـــــي بعـــض الحالات إلى الإصابة بمــرض الاكتئاب والحالات النفسية.
ويمكن أن يضاف إلى هذه الأضرار، العبء الاقتصادي الذي يعانيه الشخص المدمن، وخاصة المصابين بهوس الشراء المستمر، فهو ينفق معظم أو كل ماله من أجل اقتناء العديد من الماركات والأنواع الغالية من العطور والبرفانات، وتحدث له مشاكل في البيت ومشاجرات ومشاحنات، جراء ضياع الأموال على هذه الحالة المرضية.
كما أن إدمان العطور يسبب خللاً واضحاً في سلوك الشخص المريض، وبالتالي فإنه يفتح الباب أمامه لإدمان أنواع المخدرات التقليدية الأخرى، ولذلك ينبغي عدم التهاون مع هذه الحالة أو اعتبارها حالة بسيطة وطارئة ولن تستمر؛ بل يجب التعامل معها بحكمة وموضوعية واستشارة الطبيب المتخصص، لوقف التدهور المستمر للمدمن.
مصدر لتنفيس الضغوط
ويشير الباحثون إلى أن تجميع العطور يتحول من هواية لدى البعض إلى مشكلة، عندما يصبح شراء العطر مصدراً للتنفيس عن الضغوط التي يتعرض لها الشخص بشكل يومي، ويوفر هذا السلوك إحساساً مؤقتاً ومزيفاً بالنشوة والراحة النفسية التي يربطها المدمن بإطلاق الإندورفين والدوبامين من داخل الدماغ، مسببة حالة من السرور المؤقت.
ويتطور هذا الأمر إلى حالة من الإدمان عند توافر عدد من السمات، منها الشعور بالنشوة المختلطة بالقلق أثناء التسوق، والشعور بأن الشراء هو رد فعل على خيبة الأمل، أو الخوف أو الغضب أو التوتر.
ويمكن أن يلجأ المدمن إلى الكذب على الآخرين، وخاصة أسرته والدائرة المقربة منه بخصوص مقدار إنفاقه، ويصاب بالذنب أو الندم بعد التسوق، وذلك عند وعد نفسه أو غيره بتغيير هذه العادة.
تغيير السلوك المعرفي
يبدأ علاج الإدمان بتغيير السلوك المعرفي وتعديل المعتقدات في عقــل مَن يعانون، ويمكن أن يحتاج بعض المصابين بهذه الحالة إلى تعاطي الأدوية التي تساعد على الإقلاع عن الإدمان.
وتشير بعض الأبحاث إلى حاجة مدمن العطور إلى علاج دوائي، حيث إن العطور تثير مؤثراً عصبياً يسمى الدوبامين، يفرز عند النجاح أو الفوز، ويعد جهاز مكافأة في المخ، وذلك عند النجاح وتحقيق شيء جيد، وبالتالي يفرز الدوبامين لإعطاء الشعور الجيد.
ويحتاج مدمن شراء العطور إلى كتابة قوائم قبل التسوق والتشبث بها، لمنع الشراء الاندفاعي، ويفيد اصطحاب الأصدقاء عند التسوق، حتى لا يسمحوا للمدمن بالإفراط في شراء العطور.
ويمكن انتظار بعض الوقت قبل الشراء، ويجب على مدمن العطور البحث عن عشاق العطور الذين لديهم نفس التفكير، أو يعانون سلوكيات التجميع الإدمانية، ويتم الحديث معهم لمعرفة ما الذي ساعدهم على الشفاء.

المنبهات والذكريات
تشير دراسة حــــــديثة إلى أن العطــــور تقـــوم بــــــدور المنبــــهـــات، وذلك بــــدرجـــــة أقوى من أي عامل حسي آخر مثل الأصـــــــــوات أو الصور، ويــــتـــــم ربط الذكــريات الجديدة بشكل مباشر مع العطور والروائح التي يتم التقاطها أثناء تكوينها.
وتعالج العقول الروائح والذكريات، من خلال منطقة في الدماغ، يطلق عليها لمبة الشم، وهذه المنطقة ترتبط بصورة شديدة باللوزة الدماغية والحصين، وهما المنطقتان المسؤولتان عن الذكريات والمشاعر.
واكتشف علماء الأعصاب أن منطقة الحصين هي المسؤولة عن صنع الذكريات الجديدة، وهذه المنطقة تجاور بشدة منطقة لمبة الشم، ولذلك فإن اللوزة الدماغية والحصين يعملان على استرجاع الذكرى الخاصة بالرائحة، بمجرد أن يشمها الشخص.
وتفيد إحدى الدراسات أنه عن طريق فحص مراكز المتعة بواسطة المسح الدماغي، تم معرفة معلومات عن قدرة بعض العطور التي تحث العملاء على قضاء المزيد من الوقت في المحالّ، وبالتالي إنفاق نقود أكثر.