«متلازمة طالب الطب» .. وسواس مرضي يتميز طالب الطب في أي مجتمع بن

مقالات

ظرة خاصة، وذلك يعود في الأغلب إلى كونه من المتفوقين، وكذلك إلى أن دراسة الطب تحتاج إلى مجهود كبير، ومتوسط ساعات المذاكرة فيها أكبر، مقارنة بالكثير من الدراسات في الكليات والمعاهد والأكاديميات الأخرى.
وينظر دائماً إلى طلاب الطب بأنهم الفئة التي بلا مشاكل، فهم يعالجون ولا يمرضون، برغم أنهم من أكثر الفئات التي تتعرض لضغوط مستمرة في معظم الأوقات.
يؤدي هذا الأمر لإصابة طالب الطب بالعديد من الأمراض، لعل على رأسها الاكتئاب، ومن ضمن الأمراض التي يصاب بها، حالة من الوسواس النفسي يطلق عليها اسم متلازمة طالب الطب، وإن كان يقترح البعض الإشارة إلى هذه الحالة بتعبير رهاب المرض، بدلاً من الوسواس النفسي. وتقترح المراجع أن هذه الحالة يصاحبها اهتمام مبالغ بالأعراض المدروسة، وهو الأمر الذي يجعل الطالب مهتماً بشدة بالعديد من الاضطرابات النفسية الاعتيادية.
ويعرف الاختصاصيون والباحثون هذه المتلازمة بأنها حالة حادة من توهم الإصابة بمرض خطِر، والخوف الشديد من ذلك، ويمكن اعتبار هذه الحالة نوعاً من الأبوفنيا، أو ما يطلق عليه تجربة رؤية الارتباطات بين أشياء لا وجود لها.
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة طالب الطب بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه الحالة، ونقدم الأعراض والعلامات الدالة على المرض، ونستعرض طرق الوقاية الممكنة، مع أساليب العلاج المتبعة والحديثة.
أكثر شيوعاً
تبدأ أعراض هذا المرض في الظهور على طالب الطب عندما يبدأ بالتعلم أو القراءة عن مرض معين، وهو ما يجعله يعتقد أنه يعانيه، وتتجاوز الإصابة بهذه المتلازمة طلاب كلية الطب؛ حيث يمكن أن يصاب بها كل من يقرأ في المواضيع الطبية.
ويشير الباحثون إلى أن الإصابة بهذه المتلازمة أصبحت أكثر شيوعاً، وذلك يرجع إلى توفر المعلومات الطبية بصورة كبيرة على شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يجعل كثيراً من الناس يبحثون في الشبكة العنكبوتية عن أمراض يخشون الإصابة بها، وبالذات عند وفاة أي شخص يعرفونه بسبب الإصابة بها.
ويذهب أمثال هؤلاء إلى الأطباء، وهم في حالة من القلق الشديد، تحت دعوى إصابتهم بأمراض نادرة وخطِرة، وهم في الأغلب لا يعانون أيَّ مرض، أو على أفضل تقدير يعانون إحدى الحالات المرضية الشائعة وغير الخطِرة.
ويمكن أن يتسبب القلق الشديد لديهم في إصابتهم ببعض الأمراض، وتكمن المشكلة في إهمال أمثال هؤلاء للعلاج، تحت دعوى أنهم يعرفون أفضل من الطبيب المعالج؛ وذلك بسبب كثرة البحث والمتابعة.
أعراض متشابهة
تزيد نسبة إصابة طالب الطب بهذه الحالة، على الرغم من إمكانية إصابة أي شخص بها، وذلك بحكم التخصص، ويتعرض طالب الطب للإصابة بها عندما يبدأ بدراسة قوائم بأعراض مرضية نادرة وخبيثة.
ويقنع نفسه بظهور أعراض المرض عليه، وخاصة كلما قرأ أكثر عنه، وعلى سبيل المثال فإن طالب الطب يمكن أن يعاني صداعاً، وفي الوقت ذاته يقرأ عن الأورام في المخ، والذي يكون الصداع من أحد أعراض هذا المرض، وبالتالي يفترض أن إصابته بالصداع هي دليل على وجود ورم في المخ لديه.
ويرتبط المرض بأمرين، الأول وجود مرض بسيط تتشابه أعراضه مع مرض آخر خطِر، وتكون في الأغلب هذه الأعراض بسيطة، مثل ارتفاع درجة الحرارة، أو زيادة نبضات القلب.
ويعود الأمر الثاني إلى شعور المصاب ببعض التأثيرات النفسية للمرض الذي يقرأ عنه أو يدرسه، وعند الفحص يتبين أنه سليم عضوياً، ولا يعدو الأمر سوى كونه مشكلة نفسية.
نزعة معروفة
يؤكد خبراء الصحة النفسية أن المشاكل الصحية المتخيلة، يمكن أن تسبب قلقاً حقيقياً وكبيراً لمن يصاب بها، ويمكن كذلك أن يتردد المصاب في طلب المساعدة تحت أي ظرف، وهذا الأمر لا يدل على شيء جيد في تخصص الطب؛ لأن الأطباء يرفضون بشكل قوي أن يصبحوا مرضى.
وتعتبر نزعة طالب الطب في تشخيص إصابته بالأمراض التي يدرسها معروفة تماماً، و من الأمور المنتشرة بين طلاب الطب، كذلك، إصابتهم بردود أفعال مزعجة تجاه بعض عناصر دراستهم.
ويأتي قلق التشريح على رأس أكثر هذه العناصر، حيث يصيب بعض الطلاب ضيق في الحالة النفسية عقب تشريحهم جثة لأول مرة.
ويرى بعض الاختصاصيين أنه حتى إن كانت مخاوف هؤلاء الطلاب غير صحيحة، إلا أنهم في حاجة لمن يناقشهم فيها، وإلا كانوا أكثر ميلاً لتجاهل الأمراض الحقيقية التي ربما أصابتهم في المستقبل.
القلق والوهم
تعتبر أكثر الأمراض التي تترتب على الإصابة بمتلازمة طالب الطب هي الأمراض النفسية، وهو الأمر الذي يمكن أن يثير سخرية البعض، وربما كان طلاب الطب النفسي هم أكثر عرضة للإصابة بها؛ وذلك نتيجة قلة محددات تشخيص الأمراض النفسية، وما يجعلهم يتجاوزن هذه الحالة أن الطب النفسي مرحلة متقدمة.
ويرتبط تفاقم الإصابة بهذه المتلازمة مع نمط الحياة التي يجب على طالب الطب أن يحياها، ويزداد خطر إصابته بالأمراض النفسية بسبب قلة النوم والتوتر وإساءة استخدام المواد المنبهة.
ويمكن أن يكون سبب الإصابة بهذه المتلازمة قلة المعلومات، أو نتيجة الحصول على معلومات سطحية، وبالذات في سنوات الدراسة الأولى في الكلية، حيث لا يلم الطالب بجميع جوانب الأمراض وأعراضها، وبخاصة الأمراض النادرة والخطِرة، ولذلك فأي أعراض تمر به يعتقد أنها لمرض خطِر، ويبتعد في ذلك عن الاحتمال الأبسط والأقوى، أن الأمر لا يتجاوز صداعاً بسيطاً أو حمى عارضة.
ويؤدي اتحاد القلق مع التوهم في بعض الحالات إلى الإصابة بهذه الحالة، وذلك بدليل أنه ليس كل طلبة الطب، وكذلك ليس كل القريبين من مرضى حقيقيين يصابون بهذه المتلازمة؛ ولذلك فإن المصاب لا يكذب، وأيضاً لا يتمارض، وإنما هو مصاب باتحاد القلق والتوهم، الذي جعله يشعر بذات الأعراض التي قرأ عنها.
نفسي وسلوكي
يمكن أن يتم علاج متلازمة طالب الطب بفصل المصاب تماماً عن كل ما يقرأه، والتفكير في أشياء أخرى، وإن كان تنفيذ هذا الأسلوب غير مجدٍ بالنسبة لبعض الحالات؛ حيث لا يستطيعون فصل أنفسهم عما يدرسونه أو يقرأونه.
ويعتمد علاج متلازمة طالب الطب على التعامل مع السبب، أي التوهم والقلق، وينقسم العلاج إلى قسمين: نفسي وسلوكي، ويكون العلاج النفسي بالاستماع إلى المريض، ومناقشته في مخاوفه، وما يثير القلق لديه، ويمكن أن يلجأ الطبيب المعالج لفحص التاريخ العائلي للمريض.
ويطلب الطبيب من المصاب بهذه الحالة اللجوء إلى طبيب متخصص؛ لقطع الشك باليقين، والتأكد من التشخيص.
الإهمال يصيب بالاكتئاب
يطلب الطبيب من المريض في العلاج الســـلوكي اتباع بعــــض السلوكيات والإجـــراءات، والتي بدورها تسهم في التقـــليل من حــــدة القلق والتوتر لديه، إضافة إلى أنه يطلب مــــــنه ممارســـــة الرياضة، وبعض تمارين التنفس والاسترخاء.
وينصح المتخصصون بعدم إهمال هذه المشكلة؛ حيث يؤدي الإهمال إلى حدوث تفاقم في الحالة، تصل في كثير من الأحيان إلى الإصابة بمرض الاكتئاب، ويرى الاختصاصيون والباحثون أن طالب الطب يتخلص من هذه المتلازمة بالتدريج، وذلك عندما يكتشف أن المرض ليس عرضاً بسيطاً، وإنما هو عدد من الأعراض، إضافة إلى عوامل الخطورة.
ويستطيع بهذا الشكل وبصورة تدريجية التمييز بأن ما يمر به إما من عارض نفسي، سببه التوتر والقلق من الامتحانات، وإما من التفكير السلبي حول الأعراض البسيطة للأمراض الخطِرة، والتي يمر بها في أوقات كثيرة، ومع الوقت يطمئن ويشعر أنها أعراض طفيفة عادية، ويبدأ في التفكير بشكل سليم مع التدرج في سنوات الدراسة.

وقت الإصابة
تشير دراسة حديثة إلى أن هناك أوقاتاً معينة للإصابة بمتلازمة طالب الطب، وأن أعلى معدلات للإصابة بهذه المشكلة تكون في النصف الأخير من السنة الدراسية الثانية، وحتى النصف الأول من السنة الرابعة.
ويمكن أن تظهر بعض الحالات من السنة الأولى، وكذلك في سنة الامتياز، والسنة الأولى بعد التخرج، وبصفة عامة فهناك فرصة للإصابة بهذه الحالة في أي وقت أثناء الدراسة.
وتم تسجيل بعض الحالات المصابة بهذه المتلازمة قبل بداية دراسة الطب، كما ترتبط احتمالية ترك الدراسة الطبية مع الإصابة بهذه المتلازمة.
وتعتبر الهند من أكثر الدول التي يصاب بها طلبة السنة الأولى في العالم بحسب الإحصائيات، وكان أول وصف لمتلازمة طالب الطب في عام 1960، وكان طبيب الأعصاب الدكتور جورج لينكولن قام بوصف حالة خوف من المرض، لمجرد قراءة أعراضه، وذلك في الكتاب الذي أصدره عام 1908.
وأشار في كتابه إلى أن الطلاب الذين يدرسون الطب يقومون باستشارة مدربيهم بشكل متواصل، خوفاً من إصابتهم بالأمراض التي يدرسونها.