الألم العضلي الليفي.. إزعاج مستمر

مقالات

يعاني بعض الأشخاص آلاماً وأوجاعاً تنتشر في أنحاء الجسم، ويشعرون دائماً بالتعب والإرهاق، وبالرغم من إجراء العديد من الفحوص الطبية، إلا أنهم يفشلون في العثور على سبب لهذه الآلام، وتشير هذه المعاناة المستمرة في الأغلب إلى ما يعرف بـ»متلازمة الألم العضلي الليفي».
وتعتبر هذه المتلازمة حالة طبية مزمنة، حيث تدل التسمية على أن هناك آلاماً في الأنسجة الضامة، والعضلات، والأوتار، والأربطة، وأماكن أخرى، إضافة إلى التعب الشديد، ويتسبب مجرد الضغط الخفيف على بعض المناطق بالشعور بألم شديد.
تعتبر هذه المتلازمة من أكثر الأسباب في حدوث آلام عضلية مفصلية في أنحاء عدة من الجسم، وتمتد هذه المعاناة لمدة كبيرة من الزمن، وتنعكس بالتالي على حياة المريض بالسلب من النواحي الذهنية، والجسدية، والنفسية، ما يؤثر في عمله، وحياته، بصفة عامة.
وليست متلازمة الألم العضلي اللليفي معدية، وكذلك ليست مرضاً تصاعدياً، ولا يتوقع تدهور حالة المريض بمرور الوقت، غير أن المريض يشعر في بعض الفترات بالتحسن، وفترات أخرى يشعر بأن حالته سيئة.
ونتناول في هذا الموضوع متلازمة الألم العضلي الليفي بالتفصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى حدوثها، إضافة إلى الأعراض التي تظهر نتيجة الإصابة بها، مع تقديم أساليب الوقاية الممكنة، وطرق العلاج الحديثة.

اختلالات كيميائية عصبية

يطلق على هذه الحالة متلازمة الفايبروميالجيا، أو متلازمة الألم العضلي المتفشي، ويعود هذا المسمى إلى طبيعة الألم واسع الانتشار، حيث يحدث في أماكن عدة من جسم المصاب، وبشكل متماثل في جانبي الجسم. ويعتبر هذا الألم واسع الانتشار هو العرض الأساسي لمتلازمة الألم العضلي الليفي، ويعود السبب في هذا الألم إلى اختلالات كيميائية عصبية في الدماغ، تؤدي إلى ترجمة الألم بشكل غير طبيعي.
ويوضح الأطباء أن المشكلة تكمن في معالجة الألم، وزيادة توصيله في الجهاز المركزي العصبي، والحبل الشوكي، والدماغ، وبسبب هذه المشكلة فإن كل تنبيه من المفروض أن يسبب ألماً طفيفاً، أو حتى التنبيه الذي لا يسبب شعوراً بالألم، وتتم معالجته من قبل الجهاز العصبي على أنه تنبيه مؤلم للغاية في جسم المصاب بمتلازمة الفايبروميالجيا.
ويصاب معظم مرضى المتلازمة باضطرابات في النوم، وربما عانى بعضهم مشكلات نفسية مثل الاكتئاب، والقلق، بسبب الألم المزمن، ما يؤدي لدخول المصاب في حلقة مفرغة من الألم، والاكتئاب.

استجابة غير طبيعية

يعترف الأطباء والباحثون بأن أسباب الإصابة بمتلازمة الألم العضلي الليفي لا تزال مجهولة، وتفسر إحدى النظريات أنها استجابة ألم غير طبيعية، بسبب زيادة نشاط الخلايا العصبية الحساسة للألم في الحبل الشوكي، أو الدماغ.
وتشير بعض الدراسات إلى توافر الاستعداد الجيني الوراثي لدى المصابين، وذلك يؤدي إلى اختلالات تتعلق بالتحسس المركزي، بسبب زيادة نشاط الخلايا العصبية الحساسة للألم في الحبل الشوكي، والدماغ.
ويظهر هذا في ردة فعل عالية لحدوث الألم عند المرضى، وتظهر الدراسات وجود ارتباط بين الإصابة بهذه المتلازمة وبعض الأمراض الأخرى، من مثل تهيج القولون، والاكتئاب.
ولاحظ بعض الأطباء أن أعراض المتلازمة تظهر عقب نكسة صحية، أو عملية جراحية، أو التهاب شديد، أو تعرض المصاب لضغط نفسي حاد.

طفرات جينية

يؤثر عدد من العوامل في الإصابة بمتلازمة الألم العضلي الليفي، ولعل أول هذه العوامل هو الوراثة، حيث تحدث هذه الحالة في عائلات بأكملها، وربما كان السبب وجود بعض الطفرات الجينية التي تجعل البعض أكثر عرضة لتطوير هذا الاضطراب.
ويؤثر نمط الحياة في الإصابة بهذه المتلازمة، لأن هناك ارتباطاً بين الإصابة والتوتر، وكذلك أنماط الحياة الرديئة، مثل التدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني.
وتؤثر أيضاً اضطرابات النوم، مثل قلة النوم، أو صعوبة بداية النوم، وكثرة الاستيقاظ ليلاً، ويعاني كثير من المصابين بهذه المتلازمة مشكلات في النوم، مثل تململ الساقين، أو انقطاع النفس خلال النوم.
ويلاحظ في كثير من الحالات وجود ارتباط بين متلازمة الألم الليفي العضلي والإصابة بالاكتئاب، وأيضاً الإصابة باضطراب ثنائي القطب، ومرحلة الهوس الخفيف، غير أن طبيعة العلاقة لا تزال غير واضحة، وبعض العوامل البيئية مثل الرطوبة والتلوث.

نقاط الزناد

يمكن وصف آلام متلازمة الألم العضلي الليفي بأنها آلام غير حادة، إلا أنها متواصلة، ويكون المصدر في الأغلب عضلياً، وحتى يتم وصفه بأنه واسع يجب أن يظهر الألم في جانبي الجسم كليهما، وكذلك يتموقع فوق الجذع، أو ما يسمى بخط الخصر، وتحته.
ويتم تمييز الألم العضلي الليفي بواسطة آلام أخرى، يكون السبب فيها الضغط على أماكن محددة في الجسم، وهي التي تسمى بنقاط الزناد، أو نقاط إثارة الألم، وهي 9 نقاط، منها مؤخرة الرقبة، أو القفا، وبين لوحي الكتفين، وأعلى الكتفين، ومقدمة العنق، وأعلى الصدر، وخلفية المرفقين، وأعلى الخصر، وجانبا الخصر، وجوف الركبة.
ويستيقظ المصابون بالمتلازمة في الأغلب وهم يشعرون بالتعب الشديد، بالرغم من أنه يبدو أنهم ناموا فترة أطول من اللازم، ويعتقد الباحثون أن المصابين بهذه المتلازمة من النادر أن يبلغوا مرحلة النوم العميق.

آلام مستمرة

وتختلف أعراض متلازمة الألم العضلي الليفي من حالة لأخرى، باختلاف السبب وراء الإصابة، ويعتبر العرض البارز آلاماً مستمرة مدة لا تقل عن 3 أشهر، وتكون منتشرة في كل أنحاء الجسم، وكذلك على الجانبين.
وتؤثر هذه الآلام في الجزء العلوي بداية من العنق، ثم الكتفين، ووسط وأسفل الظهر، والمرفقين، والجزء السفلي والوركين، وعضلات الفخذين، ومفاصل الركبة.
ويعاني المصاب زيادة الألم في البرد، والضغط، وعند القيام بنشاط بدني، ويحدث تيبس عضلي، ومفصلي، خاصة في الصباح الباكر وعقب الاستيقاظ من النوم.
ويشعر المصاب بالإرهاق على الرغم من عدم قيامه بأي جهد جسدي، أو عضلي كبير، ويعاني صعوبة في التركيز، تصاحبها مشاكل في الذاكرة القصيرة والطويلة.
ويعاني المصابون بمتلازمة الألم العضلي بعض الحالات الطبية، مثل متلازمة التعب المزمن، والاكتئاب، والتهاب الأغشية المخاطية الرحمية، ومتلازمة الأمعاء المتهيجة، والذئبة والفصال العضلي، ومتلازمة تململ الساقين، والتهاب المفاصل الروماتويدي.

الدليل الجازم

يقوم الطبيب بتشخيص الحالة بناء على الأعراض، ومدة استمرارها، حيث يجب أن تكون أطول من 3 أشهر، ويقوم بالفحص الجسدي من خلال نقاط الزناد، وتكفي درجة الضغط التي تمارس في العادة لإحداث ابيضاض في قاعدة أظفار الطبيب.
وتعتبر هذه النقاط هي الدليل الجازم على الإصابة بالألم العضلي الليفي، أم لا، ويحتاج الطبيب لإجراء فحوص الدم المخبرية، بهدف التأكد من عدم وجود أمراض أخرى وراء هذه الأعراض.
وتشمل هذه الفحوص فحص تعداد كامل لعناصر الدم، وفحص فيتامين «د»، ومستوى الكالسيوم، ووظائف الغدة الدرقية، وكذلك وظائف الكبد، ويمكن أن يجري الطبيب تخطيطاً كهربياً للعضلات، لفحص حالة العضلات والأعصاب.

تقليل الأعراض

يهدف علاج متلازمة الألم العضلي إلى تقليل حدة الأعراض التي يعانيها المريض لأقصى حد ممكن، وكذلك تحسين وضعه الصحي.
ويشتمل العلاج على الدمج بين العلاج الدوائي والذاتي، ويقلل العلاج الدوائي من حدة الألم، ويعمل على تحسين جودة النوم عند المصاب.
وتشتمل هذه الأدوية على مسكنات الألم، في حالات الألم المتوسط، والشديد، وتهدف الأدوية التي تعالج الاكتئاب إلى تخفيف أعراض الألم، والاكتئاب، واضطرابات النوم، وتحسين نوعية الحياة.
ويستفيد من الأدوية المضادة للاختلاج، أو أدوية نوبات الصرع معظم المرضى في تخفيف الألم المزمن، وإن كان هذا بصورة ضئيلة، والقليل من يستفيد من ذلك.
ويتم من خلال العلاج السلوكي تحسين المعرفة بالذات، والتعايش مع الألم، ما يقلل من زيارات الطبيب، إلا أنه ليس له تأثير واضح في الألم، والتعب، والنوم.

ممارسة الرياضة والنوم

تشير دراسة حديثة إلى أن نسبة انتشار متلازمة الألم العضلي التليفي تتراوح بين 3% إلى 10%، وخاصة في الفئة العمرية التي تمتد من 25 إلى 55 عاماً، ويعاني حوالي 75% من المصابين بهذه الحالة الافتقار إلى تشخيص المتلازمة.
وتعتبر الرعاية الذاتية من الأمور المهمة في التعامل مع متلازمة الألم العضلي التليفي، وكذلك الحد من التوتر، وينصح الأخصائيون المرضى بوضع خطة تهدف إلى التقليل من الضغط النفسي، وتفادي الإرهاق الشديد، مع محاولة الحصول على وقت كل يوم للاسترخاء.
ويفيد الحصول على قسط كاف من النوم في تقليل آثار المتلازمة، حيث يعد التعب إحدى الخصائص الرئيسية لمتلازمة الألم العضلي الليفي، وبالتالي فإن الحصول على النوم العميق والمريح ضروري، وأيضاً تخصيص وقت كاف له، وممارسة عادات النوم الجيدة، مثل تحديد مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ.
وتعد ممارسة الرياضة مفيدة، وربما كانت سبباً في زيادة الألم، إلا أن الممارسة التدريجية، وبصورة منتظمة في الغالب تقلل من الأعراض، وتشمل التمارين السباحة والمشي، وركوب الدراجات الهوائية.
وتحسن التمارين الرياضية كذلك من اللياقة البدنية، وربما خففت من الألم والتعب وحسنت المزاج، بخاصة التمارين المائية والأيروبيك والاستلقاء.