«متلازمة شيهان» تصيب النساء بعد الولادة

مقالات

تحتاج أجهزة الجسم إلى التروية الدموية طوال الوقت حتى تستمر في العمل، وانقطاع الدماء عنها يعرضها لخطر موت أنسجتها وتوقفها كلياً أو جزئياً عن أداء وظيفتها، وهذا ما يحدث للغدة النخامية في متلازمة شيهان.
وتصاب النساء بمتلازمة شيهان أثناء أو بعد الولادة، وتكون ناتجة عن حدوث نزيف شديد أثناء الحمل أو عند الولادة، إذ يؤدي فقد الدماء الشديد إلى نقص الأكسجين، الذي ينقله الدم لأجهزة الجسم، ما ينتج عنه قصور دائم في عمل الغدة النخامية.
وتظهر إصابة المرأة بمتلازمة شيهان بعد الولادة في عدم إدرارها لبن الرضاعة، ولكن في أحيان أخرى تتأخر الأعراض في الظهور لشهور وربما لسنوات.
ونتناول في هذا الموضوع مرض متلازمة شيهان بالتفاصيل، ونقدم العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بها، وكذلك نبين الأعراض التي تظهر مع بيان سبل الوقاية الممكنة وطرق العلاج التقليدية والحديثة.

مايسترو الغدد

تقوم الغدة النخامية بتنظيم إفراز سائر هرمونات الجسم، فهي أم الغدد الصماء في جسم الإنسان، وتقع في عمق الجمجمة خلف العينين وأسفل الدماغ، ولا يزيد حجمها على حبة بازلاء، وتتصل الغدة النخامية بقاع الدماغ عن طريق أنبوب رفيع.
وتوجد الغدة النخامية أسفل ما يسمى تحت المهاد، والذي يعتبر نقطة الاتصال بين الجهاز العصبي الذاتي، وغدد الجسم التي تفرز الهرمونات، ويتحكم في بعض عمليات الأيض، وفي الشعور بالجوع والعطش، ويساهم في ضبط درجة حرارة الجسم.
وتنقسم الغدة النخامية إلى 3 فصوص أمامي وأوسط وخلفي، حيث ينتج الفصان الأمامي والأوسط بعض هرمونات الجسم الإفرازية، التي تؤدي إلى إفراز غدد أخرى لهرموناتها، ولذلك تسمى الغدة النخامية بمايسترو الغدد، ويقوم الفص الخلفي بتخزين بعض الهرمونات.
وتفرز الغدة النخامية هرمونات إفرازية وهي هرمونات تتحكم في عمل غدد أخرى، وإفراز هرمونات أخرى كالهرمونات الموجهة للغدة الكظرية والهرمون المنبه للدرقية، وهرمون النمو وهرمون الحليب عند النساء، الذي يؤدي لإفراز لبن الأم أثناء الرضاعة.

أكسجين للتضخم

تعتبر متلازمة شيهان من مضاعفات الحمل قليلة الحدوث، والتي من الممكن أن يساعد على حدوثها الحمل بتوأم، أو حدوث مشاكل بالمشيمة أو انخفاض ضغط الدم، وذلك قبل أو بعد أو أثناء الولادة.
وتحدث متلازمة شيهان للأم أثناء الولادة أو بعدها نتيجة انخفاض ضغط الدم الشديد، أو فقدان الدم الشديد وحدوث النزيف، وهو الأمر الذي يضعف ويقلل الدم الواصل للغدة النخامية، وبالتالي لا تحصل على ما تحتاج إليه من الأكسجين، ويؤدي ذلك إلى تدمير أنسجتها، وتفقد قدرتها على العمل طوال العمر.
ويتضخم الفص الأمامي من الغدة النخامية أثناء الحمل، لقيامه بإنتاج هرمون البرولاكتين من الخلايا اللبنية بالغدة، ويقوم الهرمون بتحفيز غدد إنتاج الحليب في الثدي، ما يعني حاجة الغدة النخامية لأكسجين أكثر وتروية دموية أكبر، والتي لا تصل إليها مع النزيف أو انخفاض ضغط الدم الشديدين.

توقف الرضاعة

تؤثر متلازمة شيهان في إفرازات الغدد الصماء الدرقية والكظرية، وفي انتظام الطمث وكميته وفي غدد إنتاج الحليب، وغالباً ما يظهر انقطاع أو عدم بدء الرضاعة عند الأم المصابة، ولكن في أحيان أخرى يتأخر ظهور الأعراض لشهور وربما عدة سنوات. وتتنوع أعراض متلازمة شيهان مع نقص الهرمونات، ومنها الإرهاق وعدم انتظام ضربات القلب، وانخفاض في ضغط الدم، وانخفاض مستوى السكر بالدم عن معدله الطبيعي، وتتباطأ بعض الوظائف العقلية، ويصعب على المريضة الشعور بالدفء، وهو من الأعراض الشائعة لخمول الغدة الدرقية.
ويحدث للمريضة عدم انتظام الدورة الشهرية أو انقطاعها مع توقف نمو شعر الجسم، وينكمش الثدي بالإضافة لعدم القدرة على الرضاعة أو قلة اللبن عند الأم المرضعة.

النوبة الكظرية

تتسبب متلازمة شيهان في العديد من المضاعفات، وذلك لكثرة الهرمونات المتأثرة بالغدة النخامية، ما يجعل المريضة معرضة لانخفاض الوزن المرضي، الذي لا تصاحبه أي حمية، كما يكون انخفاض ضغط الدم وعدم انتظام الحيض من المضاعفات، وليس الأعراض في بعض الحالات.
ويعتبر القصور في النوبة الكظرية، من أخطر مضاعفات متلازمة شيهان، وهي حالة مرضية طارئة وخطيرة، ومن المحتمل أن تهدد الحياة ولابد من علاج فوري لها.
وتفرز الغدة الكظرية بإيعاز من الغدة النخامية هرمون الكورتيزول، وهو هرمون شديد الأهمية في مقاومة الجسم للإجهاد، إذ يعمل الهرمون على تخليق الجلوكوز لرفع مستواه في الدم، وعلى المساعدة في عمليات هدم النشويات والدهون والبروتينات كما أنه يهدئ جهاز المناعة.
وتتميز النوبة الكظرية بعدة أعراض، منها الألم المفاجئ بالبطن أو أسفل الظهر أو الساقين، وخمول وضعف شديد يصاحبه خلل في التفكير المنطقي، والارتباك وصعوبة التكلم والتشنجات والحمى، والانخفاض الشديد في ضغط الدم وحتى فقدان الوعي.

حقن الكورتيزول

ترتبط النوبة الكظرية مع متلازمة شيهان برابط الضغط على الجسد، إذ تساهم إصابة مريضة متلازمة شيهان بمرض خطر أو تعرضها لعملية جراحية في الانخفاض الشديد في إفراز الغدة الكظرية لهرمون الكورتيزول، في الوقت الذي يكون الجسد في أشد الحاجة إليه ما يحدث النوبة الكظرية.
وتعالج هذه الحالة الطارئة بحقن الهيدروكورتيزون، التي تحتوي على هرمون الكورتيزول، وتعطى الحقنة في محلول وريدي مع تسريب سريع للمحلول، ويتوافر الهيدروكورتيزون في صورة أقراص، ولكنها لا تصلح مع الحالات الطارئة.

تشخيص صعب

ترجع بعض السيدات المصابات بمتلازمة شيهان الأعراض الظاهرة إلى أسباب مرضية أخرى، فمن الطبيعي مثلاً أن تشعر الأم بعد الولادة بالإرهاق، وأن يستمر معها هذا الشعور مع كثرة حاجة طفلها إليها، ما يؤخر عرض نفسها على الطبيب وتشخيص المرض.
ويكون تشخيص متلازمة شيهان صعباً لتشابه أعراضها مع الكثير من الأمراض الأخرى، ولذلك فمن الضروري جمع التاريخ الطبي للمريضة، التي يجب عليها ذكر كل ما تعرضت له أثناء وبعد الولادة.
ويطلب الطبيب عمل فحوص على الدم لتحديد مستويات هرمون الغدة النخامية بالدم، كما يتم إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي المحوسب لتحديد حجم الغدة النخامية.

بدائل الهرمونات

يتم علاج متلازمة شيهان بأدوية تحتوي على بدائل للهرمونات التي توقف الجسم عن إفرازها، أو أنه لا يفرزها بالقدر الكافي، ولحساسية الأمر وتعدد الهرمونات فإن المريضة بحاجة للمتابعة الطبية وإجراء التحاليل طوال العمر.
وتحتاج المصابة إلى تعديل في جرعات العلاجات الهرمونية البديلة حال إصابتها بأمراض خطيرة، أو تعرضها للضغط الجسدي الشديد والمجهود الكبير، إذ من الممكن على سبيل المثال أن يفرز الجسد كميات أكبر من هرمون الكورتيزول، والذي يشكل خطراً إذا اقترن الأمر مع تعاطي الأدوية الهرمونية.
وتقوم المريضة بعمل فحوص دورية على الدم، للتأكد من سلامة جميع الغدد الصماء بالجسم، عن طريق تحديد كميات إفرازاتها التي تصب بالدم، ثم القيام بعرض النتائج على الطبيب، للتأكد من عدم حدوث إفراط في كميات الهرمون بالجسم، نتيجة زيادة جرعة الدواء في حال إفراز الغدد لكميات أكبر من المتوقع عند المريضة.

الرجوع للطبيب

يجب الرجوع للطبيب لتعديل جرعات العلاجات الهرمونية، في حالات الحمل أو زيادة الوزن أو خسارته بصورة ملفتة أو قبل الذهاب لطبيب الأسنان، وكذلك في حالة الإصابة بالإنفلونزا أو القيء أو الإسهال، وهذا ضروري للحد من الآثار الجانبية المحتملة لبعض العلاجات الهرمونية. ولا يجوز التوقف عن تعاطي الأدوية دون استشارة الطبيب حال الشعور بالتحسن، إذ من الممكن أن تعود الأعراض مجدداً للظهور بشكل تدريجي.
ويساعد هرمون النمو البالغين في الحفاظ على النسبة الطبيعية للعضلات مقابل الدهون، لذا فإن بدائله الدوائية من المحتمل أن تكون من ضمن العلاج، على الرغم من تأثيره السلبي في المفاصل، واحتباس السوائل بالجسم لكن علاج هذه الآثار الجانبية أفضل من إيقاف العلاج الهرموني.

معاناة كل الغدد

تشير دراسة حديثة إلى أن متلازمة شيهان تعد السبب السادس الأكثر شيوعاً لنقص هرمون النمو لدى النساء، وتؤدي إلى نقص حوالي 3.1% من هرمون النمو، ويعد السبب الأول في وجود ورم في الغدة النخامية، وهو ما يتسبب في 54% من حالات نقص هرمون النمو.
وتؤدي متلازمة شيهان إلى نقص هرمون النمو لدى جميع المصابات بها في حين أن 52% عانوا مشاكل في جميع إفرازات الغدد الصماء، و44% الباقيات تضرر لديهن إفراز بعض الهرمونات وليس كلها.
وتعتمد الوقاية من متلازمة شيهان على المتابعة الطبية المستمرة للأم الحامل، لتجنب انخفاض ضغط الدم أو حدوث نزيف أو أي مضاعفات أخرى من الممكن تجنبها وعلاجها فور بدء ظهورها.
ويختلف قصور الغدة النخامية الناتج عن متلازمة شيهان بين امرأة وأخرى، تبعاً لشدة تضرر الغدة النخامية، ومن الممكن ألا تظهر الأعراض عند بعض النساء إلا بعد تعرضها لعدوى شديدة، أو عملية جراحية أو بذلها لمجهود بدني قاس.