أمومة.. رعاية للصغار وتطوير للمهارات

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

ينتظر الأب والأم طفلهما خلال أشهر الحمل، وهما في حالة من التأهب لرؤيته واحتضانه، وتقضى الأم معظم الوقت في الاطّلاع على العديد من المعلومات والبحث عن الخبرات السابقة التي تفيدها في التعامل مع طفلها في عامه الأول، لتضمن حمايته من الأمراض التي يمكن أن يتعرض لها، وكذلك العناية بالتلقيحات والتطعيمات التحصنية، وخاصة أن هذه السنة يحدث فيها الكثير من التغيرات في جميع جوانب النمو سواء الجسدي، الحركي، العقلي، الإدراكي، كما يقع على عاتقها توطيد العلاقة النفسية والعاطفية بينهما.
يقول الدكتور شريف مسعد استشاري طب الأطفال، إن هناك أجساماً مناعية تنتقل من الأم لطفلها أثناء فترة الحمل، ما يكسبه مناعة ضد الكثير من الأمراض عند الولادة، ما يسمي «بالمناعة الطبيعية المكتسبة من الأم» ولكنها لا تحمي الطفل من كل الأمراض؛ بل بعضها فقط، ويكون الطفل حديث الولادة معرضاً لإصابات عديدة ومن هنا تأتى أهمية التطعيمات المبكرة، منذ اليوم الأول من الولادة وخاصة ضد الدرن والالتهاب الكبدي، وتعد هذه اللقاحات في أنها الميكروب نفسه أو جزء منه سواء كان بكتيرياً أو فيروسياً، إلاّ أن المادة السمية التي تفرز من الميكروب تكون بصورة ضعيفة أو غير حية، يتم إعطاؤها للصغير داخل الجسم بالحقن أو عن طريق النقط الفموية لتحفيز الجسم على إفراز الأجسام المناعية للاستعداد لمهاجمة المرض عند التعرض له.

أنواع التطعيمات

يذكر د. شريف أن التطعيمات واللقاحات الواجب إعطاؤها للطفل في عامه الأول تنقسم إلى:-
* عند الولادة تكون المضادة لمرض الدرن، أو مرض السل الذي يصيب الرئتين في العادة، وأيضاً اللقاح ضد الالتهاب الكبدي(ب) الذي تسبب الإصابة به إلى اليرقان (الصفراء) ويؤدي إلى تلف خلايا الكبد ومن ثم تليّفها، ويؤدي أيضاً إلى سرطان الكبد.
* عن بلوغ عمر الشهرين يتم إعطاء الطفل التطعيم السداسي الذي يحتوي على ستة لقاحات وهى الدفتريا التي تصيب الحلق وتؤدي إلى تكون غشاء وعلى اللوزتين ما ينتج عنه صعوبة في التنفس واختناق، والكزاز المولدي وهو يتمثل في تقلصات عضلية مؤلمة في العنق والفكين، وصعوبة في التنفس والرضاعة وربما يؤدي إلى الوفاة، وكذلك يتضمن التطعيم السداسي، اللقاح ضد السعال الديكي الذي يستهدف الجهاز التنفسي ومن مضاعفاته الالتهاب الرئوي والتشنجات، وضد مرض شلل الأطفال المعطل، وأيضاً المستديمة النزلية التي تسبب مجموعة من الأمراض تشتمل على أغشية المخ ( الحمي الشوكية) والالتهاب الرئوي والتسمم الدموي، والالتهاب الكبدي (ب)، كما تم حديثاً إضافة لقاحين يؤخذ أحدهما عن طريق الحقن وهو المكورات العقدية، الذي يسبب الحمي الشوكية أو التسمم الدموي، واللقاح الآخر يُعطى للحماية من فيروس الروتا الذي ينتج عنه الإصابة بالنزلة المعوية الخطيرة ويعد من أهم الأسباب في إصابة الصغار بفقدان السوائل الأملاح من الجسم (الجفاف).
*تطعيمات الأربعة أشهر، يعاد فيها جميع اللقاحات التي يتم إعطاؤها عن الشهرين.
* عند بلوغ ستة أشهر يعاد جميع تطعيمات الشهر الرابع ما عدا لقاح فيروس الروتا ويضاف إليهم تطعيم شلل الأطفال الفموي.
* عند 12 شهراً يؤخذ تطعيم الرباعي الفيروسي (الحصبة، النكاف، الحصبة الألماني، الجديري المائي) الحمى الشوكية، الالتهاب الكبدي (أ).
*عند 18 شهراً، يُعطى الرباعي (الدفتريا، الكزاز، السعال الديكي، شلل الأطفال، المستديمة النزلية، الالتهاب الكبدي(أ).

مناعة طبيعية

يشير د.شريف إلى أن هناك بعض الآثار الجانبية البسيطة كما هو الحال في أي دواء، مثل الألم أو حدوث احمرار وتورم في موضع الحقن، ويجب على الأم ألاّ تنزعج ويمكن استخدام أدوية مسكنة وعمل كمادات مكان التورم، وهناك من يعتقدون خطأ، أن المناعة الطبيعة أفضل من اللقاحات، ولكن هذا الكلام غير صحيح، حيث إن المناعة الطبيعية يكتسبها الطفل من الأم عن طريق المشيمة أو من خلال الرضاعة الطبيعية حيث يحتوي لبن الأم على أجسام مضادة، وتختفى هذه المناعة بعد الستة أشهر الأولى، ولكن ذلك لا يغني عن دور التطعيمات التي تمنح جسم الصغير مناعة طبيعية من الأمراض، كما يجب التأكيد على ضرورة تأجيل جميع اللقاحات في حالة تعرض الطفل للمرض الحاد أو المزمن سواء رافقته حمىّ أم لا، مثل الزكام، الإسهال، تناول المضادات الحيوية، تناول الكورتيزون عن طريق المراهم أو البخاخ.

أمراض شائعة

يذكر الدكتور موريس خوري، أخصائي طب الأطفال، أن الأطفال حديثي الولادة والرضّع حتى سنة واحدة من العمر، يتعرضون لحالات مرضية معينة تختلف عن الأطفال الأكبر سناً أو البالغين، وربما تعود الأسباب وراء الحالات المرضية التي يعاني منها الأطفال في المراحل الأولى من ولادتهم إلى عوامل تتعلق بالحمل الصعب لدى الأم أو الولادة المبكرة أو الأمراض الخلقية والوراثية، وعندما تتم الولادة يحتاج الأطفال إلى التكيف مع بيئتهم الجديدة ويكونون حينها أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المعدية، وتعتبر التغذية الكافية والسليمة بمثابة العنصر الرئيسي الذي يضمن لهم النمو والتمتع بصحة جيدة، وربما يؤدي عدم توفير التغذية الكافية إلى آثار سلبية كبيرة على حياة وصحة الطفل.

تأخر القدرات الطبيعية

يوضح د. موريس أن أشكال التأخر في نمو وتطور الأطفال، تختلف من حيث النوع والحجم، وتعتبر هذه الظاهرة واحدة من أكثر المسائل أهمية لدى الوالدين لا سيما في السنة الأولى من ولادة أطفالهم، ويمكن أن تكون أشكال التأخر في النمو واضحة عند الولادة أو تتطور تدريجياً بعد عدة أسابيع أو أشهر، ويمكن أن تكون العوامل وراء تأخر النمو وراثية أو أنها تتعلق بفترة ما قبل الولادة أو أنها نتيجة عوامل مكتسبة بعد الولادة، إضافة إلى ذلك، يمكن أن تكون أشكال تأخر النمو ذات صلة بخلل وراثي في الكروموسومات، أو نتيجة تعرض الطفل لأمراض معدية تكتسب أثناء الحمل أو بعد الولادة، أو نتيجة عوامل أخرى تتعلق بالولادة المبكرة أو نقص الرعاية والتغذية الكافية، ومن المهم معرفة أنه لا تزال العوامل المؤدية إلى العديد من حالات التأخر في النمو غير معروفة بشكل جيد ويتم التعامل معها بشكل أساسي وفقاً للأعراض الظاهرة.

تعزيز المناعة

يؤكد د.موريس أن العناصر الثلاثة الأكثر أهمية التي تسهم في تقوية جهاز المناعة لدى الأطفال وتعزيز وقايتهم وحمايتهم من الأمراض، هي الرضاعة الطبيعية واللقاحات الدورية والممارسات الصحية السليمة، وهذه بالتأكيد هي أهم العوامل التي ساعدت على خفض معدلات وفيات الأطفال حول العالم منذ القرن التاسع عشر، كما أن إصابة الأطفال ببعض الأمراض في مراحله الأولى هو خطوة ضرورية لتقوية جهاز المناعة لدى الطفل ضد بعض الأمراض المعدية الشائعة إلى جانب مساعدته على تطوير بنيته الجسمية تدريجياً. وتوفر اللقاحات الدورية للطفل حماية من أخطر أنواع الأمراض التي تصيب الأطفال والتي تصنف على أنها مسؤولة عن ارتفاع معدلات الوفيات بين الأطفال حول العالم، حيث لا يمكن لجسم الطفل مقاومة هذه الأنواع من الأمراض، ولا يمكن في كثير من الأحيان معالجتها عن طريق المساعدة الطبية، وتساهم الممارسات الصحية السليمة في احتواء المرض، ومنع انتشاره وتشمل تلك الممارسات المياه النظيفة والأدوات والنظام الصحي وطهي الطعام بشكل سليم واستهلاك الغذاء، ومن المهم للغاية أن نضع بعين الاعتبار أن «الإفراط في الممارسات الصحية» أمر غير مستحسن إلى حدٍ كبير، حيث تم افتراضها على أنها أحد عوامل ارتفاع الأمراض المتعلقة بالحساسية.

تدابير إرشادية

يوصي د.موريس بتشجيع الأمهات بقوة على إرضاع أطفالهن حديثي الولادة، ويجب تزويدهن بالإرشادات والنصائح المناسبة للقيام بذلك؛ ولكن يجب علينا أيضاً أن نذكرهن بضرورة الاعتناء بأنفسهن؛ حيث لا يمكن لأحد مهما كان أن يحلّ محلّهن ويقوم بدورهن مع أطفالهن، ومن المهم للغاية أن تكون على دراية واطّلاع عن طريق استشارة مصادر موثوقة إلى جانب تأسيس علاقة ثقة مع مزودي خدمات الرعاية الطبية على توجيه الأمهات الجدد وتقديم الإرشادات لهن حول كيفية رعاية أطفالهن والتعامل بالشكل الأمثل مع الحالات والتجارب الجديدة التي ربما يواجهنها مع الأطفال لا سيما في عامهم الأول، مع تجنب الإفراط في تقديم الأدوية والعلاجات للأطفال حديثي الولادة والرضّع، مع التأكيد على حقيقة أن العديد من الأمراض الشائعة التي تصيب الأطفال ليس لها علاج آمن أو موثوق وأن أفضل دواء يبقى حب وحنان الأم والرعاية الطبيعة.

عناية شاملة

تبين مدربة الأطفال المعتمدة إيما كريسي، هناك بعض الممارسات التي يجب الاهتمام بها لتحقيق الرعاية الصحية والعناية الشاملة للصغار خلال السنة الأولى، حيث تعدّ فترات القيلولة والنوم ضرورية للحصول على الراحة التي يحتاجها الطفل خلال مراحل نموه الأولى، فكما يعد الغذاء وقود الجسم فكذلك أيضاً يعتبر النوم هو وقود النمو الذهني للطفل، وهنا يبدأ دور الأهل في تهيئة بيئة مناسبة وصحية تساعده على الاستغراق بنوم عميق، مثل توفير غرفة هادئة ذات تهوية جيدة بعيدة عن ضوضاء المنزل، فضلاً عن ممارسة ما يسمى بروتين النوم أي مساعدة الطفل على النوم في نفس التوقيت يومياً الأمر الذي له التأثير الأكبر على النوم المنتظم والمستمر طوال الليل، كما يساعد تدليك طفلك في الحصول على القدر الذي يحتاجه من النوم، حيث يشكل إضافة جميلة إلى روتين حياته اليومي، أمّا بالنسبة لأفضل وقت لتدليك الطفل فهو فترة اليقظة الهادئة من يومه، وهي الفترة التي يكون فيها مستيقظاً وهادئاً ويتأمل محيطه.

نمو وتطور

تؤكد إيما، أن عملية النمو والتطور عند الأطفال تستمر وتجتمع فيها عوامل عديدة، أهمها الغذاء المتكامل الغني بالفيتامينات والعناصر الغذائية الأخرى، التي تمد الجسم بالطاقة والحيوية إضافة إلى حصول الطفل على أقساط كافية من النوم المتواصل، نضيف إلى هذه العوامل كل ما من شأنه تطوير الإدراك الحسي لدى الطفل مع محيطه، ويتم ذلك عبر التواصل المباشر مع الطفل سواء التواصل البصري من خلال ملاعبة الطفل ومن خلال التواصل البدني بالتدليك الذي يحتوي على فوائد تشمل الجهاز العصبي عن طريق تحفيز الدماغ ليشكل اتصالات حيوية بين النهايات العصبية، ما يساعد الصغير على تطوير وعيه حيال جسده وزيادة قدرته على التحكّم به.

مهارات حركية

تذكر إيما، أن وضع الطفل مستلقياً على بطنه طريقة فعالة جداً في تطوير المهارات الحركية وخاصة خلال فترة اليقظة السعيدة لطفلك بعد فترة قصيرة من ولادته، ولكن ليس بعد تناول وجبة الطعام، حيث تشجّع هذه الوضعية الطفل على رفع رأسه ما يسهم في تقوية عضلات الجزء العلوي من جسده وتحسين قدراته الحركية، ويمكن بدء تطبيق هذه الوضعية على صدر الأم أو الأب أو في حضنهما وتستمرّ لعدة دقائق بدايةً، وتزداد هذه الفترة تدريجياً مع نموه.
تضيف: يوطد تدليك الأطفال العلاقة بين الطفل والأهل، وذلك لما يتخلله من إفراز لهرمون الأوكسيتوسين واستخدام الصوت اللطيف وتوظيف حاستي الشم واللمس والتواصل البصري المنتظم الذي يعد وسيلة تواصل فعّالة خلال عمر مبكر، كما يمكن للأهل استخدام التواصل الجسدي كأحد أشكال المهارات اللغوية الباكرة التي يستجيب الطفل معها ويعتبر الحضن والتمسيد طريقتين فعالتين في تطبيق ذلك بشكل يومي، ويمكن أيضاً استغلال وقت إطعام الطفل والاستحمام وما قبل النوم وغيرها من الأوقات، في قضاء وقتٍ مرح معه، عبر الغناء له أو رواية حكاية ما قبل النوم وغيرها من النشاطات التي تساعد في توطيد العلاقة بين الأهل وطفلهم وتحسين مهارات التواصل لديه.

نظّمى نوم طفلك

عندما يولد الطفل تنتقل الأم إلى مرحلة جديدة تماماً عن فترة الحمل، فهي تضطر لتنظيم فترات يومها بحسب نوم ورضاعة صغيرها الذي يحتاج أيضاً للتعود على الحياة خارج الرحم، حيث إن حديثي الولادة خلال أول أسبوعين ينامون من 18 إلى 20 ساعة على مدار اليوم، وتقل تدريجياً حتى تصل إلى 16 ساعة، والجدير بالذكر أن الرضاعة الطبيعية تنظم أوقات النوم عن غيرها من الطرق الصناعية، وهذا يرجع لسهولة هضم لبن الأم، كما ينصح الخبراء بعدم وضع أي جدول روتيني لتنظيم نوم الصغير قبل مرور ستة أسابيع بعد الولادة حتى يكون الطفل قد تأقلم مع النظام الجديد خارج بطن الأم.