«فرط كالسيوم الدم»..يدمر العظام والكلى

مقالات

يتواجد الكالسيوم بصورة واسعة في الجسم، ويمثل حوالي 2% من وزن الشخص الطبيعي، وهذه النسبة يكون 99% منها في الهيكل العظمي والأسنان، ويتواجد 0.1% فقط منها في مصل الدم، وتكون نصف هذه الكمية متأينة، أي مشحونة بشحنات موجبة، بينما النصف الآخر يرتبط بالزلال في مصل الدم. وزيادة مستوى الكالسيوم في الدم عن المعدل الطبيعي، والذي يبلغ 10.5 مليجرام على ديسيلتر لكل 100 ملليليتر، يؤدي إلى الإصابة بمرض يطلق عليه فرط كالسيوم الدم، ويتسبب هذا المرض في ضعف العظام وتكوين الحصوات في الكلى وارتباك عمل القلب والدماغ.
تعود الإصابة بهذا المرض في بعض الأحيان إلى زيادة نشاط الغدة الدرقية، وبعض أنواع السرطان، وتناول الكثير من مكملات الكالسيوم وفيتامين «د».
وتختلف أعراض فرط الكالسيوم بين الشديدة والخفيفة، ويعتمد العلاج الأولي لهذا الاضطراب على زيادة التبول، وذلك من خلال شرب كميات كبيرة من الماء، أو بواسطة التسريب الوريدي بالسوائل، وذلك بحسب حدة مستوى فرط كالسيوم الدم، وأيضاً عن طريق المواد المسهلة للبول، لكن مع مراقبة توازن السوائل وفحص الأملاح بالدم.
ونتناول في هذا الموضوع مشكلة فرط كالسيوم الدم بالتفاصيل، مع بيان العوامل والأسباب التي تؤدي إلى هذه المشكلة، بالإضافة إلى كشف أعراض هذه الحالة، وتقديم طرق الوقاية الممكنة وأساليب العلاج المتبعة والحديثة.

وظائف عديدة

تتعدد وظائف الكالسيوم الأيوني أو الحر، فهو المسؤول عن نقل الإشارات الكهربائية بين الخلايا العصبية وانقباض العضلات، ويشترك في عملية تخثر الدم، ويؤثر في نشاط إنزيمات كثيرة في الخلية.
ويشترك كذلك في انقسام الخلية، وللكالسيوم دور مهم للغاية في بناء الهيكل العظمي والأسنان وتقويتهما، ويتم حفظه في الجسم من خلال تعديل امتصاصه في الأمعاء، وذلك عن طريق إفراز البول، والتبادلات التي تتم بين العظام والدم.
ويوجد عدد من الهرمونات الخاصة هي المسؤولة عن معادلة مستوى الكالسيوم في الجسم، وهذه الهرمونات هي الهرمون الدريقي والكالسيتونين وفيتامين «د».
ويتم إفراز الهرمون الدريقي من 4 غدد صغيرة، توجد في مقدمة العنق وحول غدة الدريقة، ويقوم هذا الهرمون بتعديل مستوى الكالسيوم في الدم عن طريق إطلاق الكالسيوم من العظام، وتقليل إفرازه في البول.
ويعمل فيتامين «د» على زيادة امتصاص الكالسيوم والفسفور في الأمعاء، في الوقت الذي يقلل هرمون الكالسيتونين امتصاص الكالسيوم في العظام، وبالتالي يقلل من مستواه في الدم.

عطش شديد

يمكن ألا تظهر أعراض فرط كالسيوم الدم على المصاب بهذا الاضطراب، وذلك في حالات الإصابة الخفيفة، وتتسبب الإصابة الشديدة لهذا المرض في التأثير في أجزاء عديدة من الجسم، نتيجة زيادة مستوى الكالسيوم في الدم.
وتعتبر أبرز الأعضاء والأجهزة المتأثرة الكليتان، والجهاز الهضمي، والعظام والعضلات، والدماغ، والقلب، ويؤدي فرط الكالسيوم في الدم إلى عمل الكليتين بصورة أكبر وأكثر إجهاداً، وذلك حتى تصفي الكالسيوم الزائد في الدم وهو ما يؤثر فيها، وربما أدى هذا إلى العطش الشديد وكثرة التبول.
ويؤثر المرض في الجهاز الهضمي، حيث تضطرب المعدة بشدة، ويصاب المريض بالغثيان والقيء والإمساك، ويشعر المصاب بآلام حادة في العظام بسبب ضعفها، وكذلك ضعف في العضلات، لأنه في معظم الأحيان من الممكن أن تكون كميات الكالسيوم الزائدة تسربت من العظام.

تشوش وخمول

يؤدي فرط كالسيوم الدم إلى حدوث تداخل مع الطريقة التي يعمل بها الدماغ، وهو ما يتسبب في تشوش وخمول وتعب المصاب بالمرض، بالإضافة إلى بعض التغيرات المزاجية، وربما وصل الأمر إلى الإصابة بالاكتئاب أيضاً.
ويحدث في بعض الحالات النادرة تداخل لفرط كالسيوم الدم مع العدوى المصاب بها القلب، وهو ما يؤدي إلى خفقان القلب والإغماء.
وتدل هذه الأعراض على اضطراب النظام القلبي، بالإضافة إلى معاناة المصاب بفرط كالسيوم الدم من مشاكل قلبية أخرى.
وينصح باستشارة الطبيب عند ظهور أعراض تدل على فرط كالسيوم الدم، كالإحساس بالعطش، وكثرة التبول، وآلام البطن.

فرط هرموني

تعتبر أكثر أسباب الإصابة بفرط الكالسيوم، فرط إفراز الهرمون الدريقي ووجود الأورام، ويكون سبب ذلك وجود أورام حميدة في واحدة أو أكثر من تلك الغدد، وهي التي تفرز هذا الهرمون.
تزيد نسبة الإصابة لدى المرضى الذين تلقوا علاجاً إشعاعياً في العنق وبخاصة النساء، ويكون في العادة اضطراب فرط الدريقات مصحوباً باضطرابات وراثية، وكذلك يرتبط بتاريخ مرضي للعائلة، وهو الأمر الذي ربما يزيد من احتمال ظهور أورام حميدة أو خبيثة في غدد إضافية بالجسم.
ويمكن أن تكون الإصابة باضطراب فرط الدريقات مرضاً ثانوياً لأمراض قصور الكلى المزمن ومرض تلين العظام.
وتلعب بعض الأورام دوراً في الإصابة بفرط كالسيوم الدم، وعلى سبيل المثال سرطان الرئة وسرطان الثدي وسرطان الكلى، ومرض ابيضاض الدم ومرض نخاع عظمي متعدد.
وتساعد هذه الأورام على انتشار الانبثاث للعظام، وتعمل كذلك بعض أنواع الأورام على إفراز مواد تقوم بوظائف تشبه ما يقوم به الهرمون الدريقي.

الساركوئيد والسل

تؤدي الإصابة بداء الساركوئيد إلى ظهور اضطراب فرط كالسيوم الدم، والساركوئيد رد فعل التهابي له شكل حبيبي في الأنسجة، وهو ينتج فيتامين «د» بصورة مفرطة.
ويتسبب كذلك مرض السل في الإصابة بهذا الاضطراب، حيث يسبب كل من الساركوئيد والسل التهابات في الأنسجة، وهو الأمر الذي يزيد إنتاج فيتامين «د» في الدم، وبالتالي يحفز الجهاز الهضمي على امتصاص مزيد من الكالسيوم.
ويؤدي تناول بعض العقاقير مثل عقاقير الاضطرابات النفسية إلى الإصابة بفرط كالسيوم الدم، وكذلك تناول كميات زائدة من المكملات الغذائية التي تحتوي على الكالسيوم وفيتامين «د».
وتزيد نسبة الإصابة لدى الأشخاص عديمي الحركة، وذلك بسبب الإصابة بأمراض السرطان، أو الحروق وجراحات العظام التي تمنعهم من الحركة، وتبدأ العظام في إطلاق الكالسيوم في الدم، نتيجة عدم حمل أي وزن فترة زمنية طويلة.

الهشاشة والحصوات

يتسبب فرط كالسيوم الدم في الإصابة بالعديد من المضاعفات، ومنها الإصابة بهشاشة العظام، وذلك في حال استمرار العظام في إطلاق الكالسيوم إلى الدم، ما يؤدي إلى كسور العظام وتحدب العمود الفقري ونقص الطول.
ويمكن أن تصاب الكلى بالحصوات، وذلك بسبب احتواء البول على الكثير من الكالسيوم، والذي بدوره يتحول إلى بلورات في الكلى، ثم تتجمع البلورات بمرور الوقت مكونة الحصوات.
ويؤدي فرط كالسيوم الدم الحاد إلى الإصابة بالفشل الكلوي، ويتسبب هذا الاضطراب كذلك في مشكلات بالجهاز العصبي، ومنها الارتباك والخرف والغيبوبة، والتي ربما كانت مميتة.
ويمكن أيضاً أن يؤثر فرط كالسيوم الدم في النبضات الكهربية المنظمة لضربات القلب، وهو ما يؤدي إلى إصابتها بالاضطراب، بالإضافة إلى الإصابة بحرقة المعدة وارتفاع ضغط الدم والتهاب البنكرياس.

مدرات البول

يعتمد تشخيص فرط الكالسيوم على اختبارات الدم الروتينية، والتي تظهر ارتفاع مستوى الكالسيوم في الدم، ويمكن لاختبارات الدم أن تكشف ارتفاع مستوى الهرمون الدريقي من عدمه، وهو ما يشير للإصابة بفرط الدريقات.
ويمكن أن يوصي الطبيب بإجراء فحوص تصويرية على العظام والرئة، وذلك حتى يحدد ما إذا كان فرط كالسيوم الدم بسبب مشكلة كامنة مثل الساركوئيد أو السرطان.
وينصح الأطباء مرضى فرط كالسيوم الدم بالاكتفاء بمراقبة حالة العظام والكليتين، وذلك بهدف التأكد من سلامتهما.
ويمكن استعمال بعض العقاقير، ومن أهمها الأدوية المماثلة للكالسيوم، والتي تتحكم في فرط نشاط الغدة الجاردرقية، وكذلك أدوية الفوسفونات الثنائية التي تستعيد بناء العظام، وتحد كذلك من الإصابة بهشاشة العظام بسبب فرط الكالسيوم في الدم. ويتم أيضاً استخدام مدرات البول وسوائل الحقن الوريدي، ويمكن للعلاج بالفوسفات أن يصحح انخفاض هذا العناصر في مقابل زيادة كالسيوم الدم، وبالتالي يخفضه.
ويجب الحرص على شرب كميات كبيرة من السوائل والمياه، مع الامتناع عن التدخين، والاهتمام بممارسة التمارين الرياضية بصورة منتظمة، حتى يتم الشفاء سريعاً، ويمكن استخدام الغسيل الكلوي عندما يؤدي فرط كالسيوم الدم إلى الإصابة بالفشل الكلوي.

السبانخ مفيدة

تشير دراسة حديثة إلى أن نسبة الإصابة بفرط كالسيوم الدم تبلغ من 2 إلى 8 أشخاص لكل 100 ألف شخص، وتزداد نسبة الإصابة مع التقدم في العمر.
وأكدت الدراسة أن النساء في عمر الخمسين أكثر عرضة للإصابة بخطر فرط نشاط الغدة الدرقية، وأشارت كذلك إلى أن فرط الكالسيوم في الدم يتسبب في تطوير هشاشة العظام إلى مرض ترقق العظام، وهو الأمر الذي يتسبب في كسور بالعــظام وانحناء العمود الفقري.
ويؤكد الباحثون أن هناك عدداً من الأطعمة تساهم في خفض الكالسيوم في الدم، ومن هذه الأطعمة الأنواع الخضراء الورقية مثل السبانخ والسلق، حيث تحتوي هذه الأنواع على حمض الأكساليك، وهو يستنفد مستويات الكالسيوم من خلال اتحاده مع المعادن، مكوناً ما يعرف بالأوكزالات الذي يمنع الجسم من امتصاصهما، ويستنزف الصوديوم الكالسيوم بشدة من خلال ارتفاع مستوياته في الدم، وتنشيط الجهاز الكلوي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع الترشيح وزيادة التبول، وبالتالي ينتج عن ذلك نقص في عناصر غذائية عديدة.