فوبيا الماء..خوف مرضي من البحار والأنهار

مقالات

يصاب البعض بنوع من الخوف المرضي يسمى برهاب الماء أو الأكوافوبيا، حيث يتعرض المريض للإصابة بالهلع أو الفزع الشديد بمجرد اقترابه من البحر أو النهر.
ويوجد عدد من العوامل التي تلعب دوراً في الإصابة بهذا الاضطراب مثل: تعرض المصاب للغرق أثناء مرحلة الطفولة، والذي أدى إلى إصابته بهذا الخوف الشديد من مجرد رؤية الماء أو الاقتراب منه.
ويمكن أن يكون السبب في هذا الهلع مشاهدة أحد الأفراد وهو يغرق، وقام الشخص بتخزين هذه المشاهد في ذاكرته، ثم يتم استعادتها عند رؤيته لمسطح مائي مرة أخرى.
يعد أفضل علاج للتغلب على هذا الخوف المرضي المواجهة، أو ما يطلق عليه الأطباء العلاج بالتعرض، ونتناول في هذا الموضوع مرض فوبيا الماء بالتفصيل، ونعرض العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وطرق الوقاية والعلاج المتبعة الحديثة.

الكثير من القلق

يعتبر الخوف من الغرق خوفاً عقلانياً ومنطقياً وطبيعياً، ويعاني منه الكثير من الأشخاص، وبخاصة الذين لا يجيدون السباحة، غير أن المصابين برهاب الماء يعانون من قدر أكبر من القلق والخوف من جميع أنواع المسطحات المائية.
ويمكن أن يصل الأمر ببعض المصابين إلى أن يصاب بالقشعريرة بمجرد النظر إلى صورة المحيط، والقليل من يدرك أنه لن يغرق في حوض الاستحمام، إلاّ أنه لا يستطيع السيطرة على فكرة الموت التي تكون مسيطرة على تفكيره وعقله.
ويعرّف الباحثون والعلماء، رهاب الماء بأنه حالة من الخوف الشديد التي تجعل المصاب به يستدعي فكرة الموت، عن طريق أشياء لم يرها من قبل، وذلك مثل شكله وهو يغرق، أو يتخيل سمك القرش وهو يبتلعه، ولذلك فمريض الأكوافوبيا لا يمكنه تعلم السباحة، أو الخروج في رحلات صيد على متن مركب، أو حتى التنزه في البحر أو النهر.

قسمان

يمكن تقسيم هذه الحالة إلى قسمين الأول وهو الخوف الطبيعي، حيث يرتبط بأسباب معروفة ومنطقية، والثاني خوف مرضي، وتكون أسباب الخوف لمريض الاكوافوبيا غير معروفة وغير منطقية.
ويوجد عدد من الأنماط التي تشير إلى الخوف غير الطبيعي من الماء عند المصابين بهذا الاضطراب، فيمكن أن تجد بعض المصابين يخشون قيادة السيارة فوق الكباري المنشأة على الأنهار، ويخاف آخرون من السباحة في البحر وفي المياه العميقة على الرغم من إجادته لمهارة السباحة.
ويخاف كذلك بعض المصابين برهاب الماء، من ركوب المراكب النهرية أو البحرية، ويصل الأمر في الحالات الشديدة إلى الخوف من مجرد الاقتراب من الماء.

عوامل وراثية

يختلف العلماء حول السبب وراء الإصابة بمشكلة رهاب الماء، فيرجع البعض الإصابة بهذا الاضطراب إلى عامل الوراثة، وربما تؤدي الأسباب الجينية إلى زيادة احتمالية الإصابة بهذه الحالة.
وأشار آخرون إلى أن هذا الخوف المرضي يكتسبه المريض نتيجة عوامل نفسية واجتماعية، وعلى سبيل المثال تعرض لحادث غرق في الصغر، وهذا يجعله يتجنب الاقتراب من أي مسطحات مائية مهما كان عمق هذا المسطح.
ويمكن أن يكون الأمر بصورة غير مباشرة عند مشاهدة أحد الأشخاص يغرق، أو أن يسمع قصة تتعلق بالغرق أو الوفاة بسبب الغرق.
ويسبب رؤية الماء له، الخطر الذي يتهدد حياته، ويمكن أن يكتسب هذا الخوف المرضي جراء مشاهدة فيلم سينمائي أو قراءة رواية أو قصة كان من بين الأحداث تعرض بطل العمل لخطر الغرق.

تجارب أليمة

تلعب ثقافة الشخص التي نشأ عليها دوراً في الإصابة بهذا الاضطراب، وذلك مثل إنسان عاش طوال حياته في بيئة صحراوية، وهو لم يعتد مشاهدة الماء، وبالتالي فعندما يرى البحر أول مرة يمكن أن يصاب بفوبيا الماء.
ويمكن أن يتولد هذا الخوف المرضي، بسبب التعرض لتجارب أليمة، وعلى سبيل المثال التعرض للسيول والأمطار الغزيرة، وهو ما يصيب البعض بصدمة شديدة من هول السيول، وبالتالي يختزن في عقله الباطن الكثير من الأفكار السلبية، والتي تظهر في صورة خوف مرضي من الماء فيما بعد.

مدى الخوف وشدته

تختلف نسبة ظهور أعراض فوبيا الماء على المصاب بهذا الاضطراب، غير أن هناك 6 أعراض تظهر في أغلب الحالات التي تعاني من هذا الخوف المرضي، وذلك عند مواجهة المصاب لمخاوفه من الماء.
وتختلف الأعراض كذلك، بناء على مدى الخوف وشدته، فهناك مصابون لا يدركون أنهم يعانون من هذا الاضطراب، ولذلك تجدهم يبتكرون وسائل تجنبهم مواجهة الماء دون وعي منهم، وذلك بدلاً من مواجهة المعاناة أو الإحراج.
ويمكن أن يكون الخوف عند البعض من فكرة وضع الرأس في الماء، وربما يكون عند آخرين من مجرد الاقتراب، أو حتى التفكير في أنه بالقرب من الماء.
وتصل في بعض الحالات إلى الخوف من صوت الماء أو منظره أو الأماكن التي يوجد بها مثل البحيرات والمستنقعات والشواطئ.

الهرب بأي طريقة

ويحاول المصاب بفوبيا الماء، الهرب من الماء بأي طريقة، ويصل الأمر في بعض الحالات إلى الخوف من ماء الصنبور، وهو ما يؤدي لمشاكل في النظافة، حيث يتجنب المصاب حتى الوضوء والاستحمام، ويمكن أن يخاف من شرب الماء.
ويعاني مريض رهاب الماء من ازدياد خفقان القلب وارتفاع ضغط الدم وعدم القدرة على التنفس بصورة صحيحة، والإحساس بالغرق، ويزداد لديه إفراز العرق، ويصاب بالغثيان، وجفاف الفم، ويشعر بعدم القدرة على التنفس.
ويفقد السيطرة على نفسه؛ فيبكي أو يتعرق أو يصاب بالارتجاف، ويشعر وكأنه يحتضر، ويصاب بنوبات من القلق البالغ والهلع الشديد لمجرد التفكير في أن يواجه الماء.
ويمكن أن يصل الأمر إلى حد الإغماء، ولا يمكن للمصاب بهذه الأعراض أن يتغلب عليها بسهولة.

العلاج بالتعريض والدواء

يشير العديد من الأطباء إلى أن كثيراً من المصابين بفوبيا الماء وخاصة من البالغين لا يسعون لمواجهة هذا الخوف المرضي، ويفضلون أن يظلوا بعيداً عن مصدر الخوف.
ويحتمل أن تتزايد حالة الخوف، وتصبح خطراً على حياتهم، ولذلك يجب إيجاد علاج لهذه الحالة، ويشمل علاج الأكوافوبيا، العلاج بالتعريض لمصدر الخوف والعلاج الدوائي أيضاً.
ويكون الآباء هم الدافع وراء علاج الأطفال، والذي يعتمد على مخاطبة عقل الطفل، حيث تكمن المخاوف داخله، ويعمل المتخصصون على تغيير إدراك الطفل للمواقف التي ترتبط بالماء، واستبدال هذه المخاوف باستجابات إيجابية.

الأكثر انتشاراً وفاعلية

يعد العلاج بالتعريض هو الأكثر انتشاراً وفاعلية، وفيه يقوم المصاب بمواجهة مخاوفه، ويبدأ هذا الأمر بتحرر المصاب من الحساسية تجاه الماء، فيتم تقديم مصدر الخوف بصورة تدريجية حتى تزول تلك المخاوف.
ويمكن أن يتم ذلك على سبيل المثال بعرض صور للماء ثم رسوم، ويلي ذلك الاستحمام في حوض الاستحمام المنزلي، والقيام بزيارة المسطحات المائية مثل حمامات السباحة والشواطئ، وينتهي الأمر إلى أن يتعلم السباحة والذي يتم تحت إشراف متخصص.
ويحتوي العلاج الدوائي على مضادات الاكتئاب من مجموعة المثبطات لإعادة امتصاص السيروتونين، والتي يصفها الطبيب النفسي.
وتهدف هذه الأدوية إلى القضاء على المخاوف ونوبات الهلع، أو على الأقل الحد من تأثيرها، وبالرغم من فاعلية هذه الأدوية إلا أنها لا تحقق أي نتيجة ملموسة دون استخدام العلاج بالتعرض.
وينصح الأطباء النفسيون مرضى فوبيا الماء بممارسة الرياضة، وعلى الأخص الاسترخاء والتأمل بصورة مستمرة، وعلى المريض التفكير المستمر في الأسباب وراء تلك المخاوف المرضية وإيجاد تحليل لها.

طرق حديثة

يمكن أن تفيد بعض الطرق التي تعتبر حديثة في علاج الخوف المرضي من الماء، ومن هذه الطرق العلاج بالتنويم المغناطيسي، وفيه يتم إعادة برمجة العقل الباطن للمصاب، وهو المسؤول عن الأفكار السلبية التي تعمل على استثارته.
ويقلل هذا العلاج من الأسباب التي تؤدي إلى الخوف، ويحجم كثير من المصابين عن اللجوء لهذا النوع من العلاج تحت ذريعة رفضهم لقيام شخص غريب بالسيطرة على عضو مهم مثل العقل.
وتعتمد الطريقة الثانية، وهي البرمجة اللغوية العصبية، على دراسة الطريقة التي تبناها الإنسان لنفسه، حتى يخلق الواقع الذي يعيش داخله، ويمكن اكتشافه من خلال الموصلات العصبية واللغوية، وبالتالي تحديد الخلل، وإعادة برمجة ما خلقه المصاب عن الواقع الذي يحيا فيه، وتعديل سلوك الخوف.
وكان عدد من الباحثين ذوي اختصاص الكشف عن المشكلات النفسية نظموا تجربة بمشاركة 100 شخص، حيث تم عرض عدد من الصور لمحيطات وأنهار عليهم، ثم قياس درجة توترهم عند مشاهدة الصور.
وكشفت التجربة أن هناك 25 من المشاركين في هذه التجربة يعانون رهاب الماء، وكانت تلك مفاجأة بالنسبة لهم.