آفات الشبكية.. التشخيص بداية الشفاء

مقالات

تحقيق: راندا جرجس

تعد الشبكية الجسم الأرق في الطبقة الداخلية للعين، ووظيفتها تحويل الأشعة الضوئية إلى نبضات عصبية، يتم نقلها عبر العصب البصري إلى مراكز الدماغ العليا، ينتج عنه رؤية الألوان، ولكن ربما تتعرض الشبكية لبعض المشكلات والأمراض نتيجة الإصابة بأمراض مختلفة مثل التهاب الشبكية، كما يؤثر داء السكرى فيها بشكل كبير، ينجم عنه إصابتها بمرض اعتلال الشبكية المصاحب للسكري، وهو عبارة عن إنتاج شبكية العين لمادة (في إي جي أف) المسؤولة عن تكوين الأوعية الدمويّة في جسم الإنسان، في محاولة منها لتكوين أوعية دموية جديدة تساعد في حماية الشبكية من نقص بالأكسجين؛ نتيجة انسداد الشعيرات الدموية.
يقول الدكتور هاني سكلا استشاري طب وجراحة العيون، إن هناك أسباباً عديدة ينتج عنها حدوث انسداد الشعيرات الدموية نتيجة الإصابة بمرض السكري؛ مثل: تورم وتصلب في حجم جدار الأوعية الدموية، خشونة البطانة وحدوث جلطات في داخل الأوعية الدموية، وتؤدي أيضاً إلى نقص الأوكسجين، كما تشكّل مادة (في إي جي أف) ومن ثم تكوين أوعية دموية على العصب البصري أو من أي مكان على شبكية العين، وتجدر الإشارة إلى أن الأوعية الدموية، التي تكونت لا تكون في مكانها الطبيعي ولا بالتشريح الطبيعي الذي ينبغي أن يتشكل عادة لجدارها، ما ينتج عنه ترشح السوائل المارة داخل هذه الأوعية، وظهور تغيرات في شبكية العين أو حدوث أنزفة، ربما تكون على شكل نقاط صغيرة ومن ثم تتحول إلى نزيف حاد يؤدي إلى فقدان البصر المفاجئ، أو حدوث تورمات وتمددات في جدار الأوعية الدموية داخل الشبكية.

علامات اعتلال الشبكية

يشير الدكتور سكلا إلى أن اعتلال الشبكية المرافق لمرض السكري وعلامات ظهوره غالباً ما تكون غير مرئية للشخص المصاب، وهي تحدث بنسبة 30% من داء السكري، كما أن نسبة ثلث المرضى ربما يعانون من أمراض أخرى أخطر للبصر مثل تورم مركز الإبصار في الشبكية؛ وذلك لأن الأوعية الدموية تتمدد نتيجة انسدادها، ومن ثم يحدث رشح داخل مركز الإبصار يؤدي إلى فقدان المريض لبصره تدريجياً، وتبدأ الأعراض بالظهور في مراحل متأخرة جداً لدرجة تصل إلى %95 من مرض السكري بعد 20 سنة، ولهذا يجب على كل مريض أن يخضع لفحص طبي لدى طبيب عيون؛ للكشف المبكر عن مرض اعتلال الشبكية، تفادياً لظهور أعراض خطرة تؤثر في البصر، وتتمثل علامات الإصابة في عدم وضوح الرؤية وخصوصاً عن بعد، وإيجاد صعوبة في القراءة، كما يشعر بتعوج الأشياء، وعدم استقامتها، مع ظهور بقع سوداء أمام العين، وتغير في وضوح الألوان، واختفاء جزء من مجال الإبصار، ويمكن أن تتطور في حال تورم مركز الإبصار الذي يؤدي إلى ضعف شديد في البصر، وعدم القدرة على القيادة أو القراءة، أما في حال حدوث نزيف مفاجئ في الأوعية الدموية المتكونة، فيمكن أيضاً أن يحدث فقد مفاجئ للبصر بشكل كامل.
يستكمل: يتم الفحص عن طريق جهاز يساعد في قراءة الطبقات العشر للشبكية، والتأكد من تكوينها وتشريحها الطبيعي، ويكون العلاج عن طريق مجموعة من عقاقير تُحقن داخل العين وتسمى بـ (في إي جي أف)؛ حيث يتم حقن هذه المادة مرة كل شهر حتى يختفي التورم وتستقر الشبكية، ويكون ذلك بواسطة مخدر سطحي لا يُحدث أي ألم وتتم بعدها متابعة حالة المريض بشكل شهري؛ لأنه في حال عودة الرشح إلى الشبكية، يجب أن يتم الحقن مرة أخرى، ويعد الحقن علاجاً بسيطاً وفعّالاً يمنع وصول المصاب إلى مراحل متقدمة من المرض، كما أنه يمنع حدوث أي مضاعفات لاعتلال الشبكية، ولكنّه ربما يحتاج إلى علاجات إضافية مساعدة مثل الليزر وعمليات الجسم الزجاجية.

تدابير وقائية

يوضح الدكتور وسيم الطرودي مختص أمراض العيون، أن الإصابة بمرض اعتلال الشبكية السكري يمكن أن تتعرض له جميع الفئات العمريّة دون استثناء، أي أنه ربما يُصاب الأطفال بالنمط الأول من داء السكرى، والكبار بالنمط الثاني؛ حيث إن مرض اعتلال الشبكية يحدث نتيجة إصابة الأوعية متوسطة الحجم والدقيقة، التي يؤثر فيها مرض السكر، وتعد أوعية الشبكية مرآة للجسم، أي إذا كانت إصابة هذه الأوعية خطرة وكبيرة، فأوعية الجسم أيضاً تتأثر وتصبح معتلة ومصابة بنفس الطريقة في القلب والكلى وأطراف الجسم، قد يؤدي الاعتلال إلى فقدان البصر؛ وذلك في حال إهمال المريض لمرضه. فالمريض المصاب بمرض السكر يعاني مسبقاً عدم انضباط السكر، وبدوره يؤدي إلى اعتلال الشبكية، كما أنّ قلة زيارته للطبيب وعدم التزامه بالعلاج أيضاً يسببان فقدان البصر.
يضيف: يجب التوعية وتأكيد ضرورة وأهمية الوقاية؛ وذلك عن طريق ضبط عدة عوامل؛ مثل: ضبط نسبة سكر جلوكوز الدم، ارتفاع ضغط الدم في حال وجوده، الشحوم والكوليسترول؛ حيث إن ضبط هذه العوامل يساعد ضمن الحدود المطلوبة على تأخير الإصابة باعتلال الشبكية السكري، والحفاظ على صحة الجسم، وبشكل عام يجب على كل مريض سكري أن يهتم بعاداته اليومية، ويحافظ على صحته؛ من خلال ضبط السكر ضمن الحدود، وممارسة الرياضة بشكل مستمر، واتباع نظام غذائي صحّي ومتوازن، فعندها يصبح من الصعب أن يُصاب بفقدان البصر.

نتائج علاجية

يؤكد د. طرودي، أن مرض اعتلال الشبكية هو من الأمراض المزمنة التي تصيب الأشخاص؛ ولذلك لا يوجد أي علاج يحقق الشفاء التام منه، ويلزم الذين يصابون به بالتعايش معه والالتزام بالعوامل التي تخفف من الإصابة به، وخاصة أن هذا يمر بعدة مراحل، وكل مرحلة لها طريقة علاج مختلفة على حسب الحالة، ويعد الهدف الأساسي من العلاج هو ضبط المضاعفات وحماية القدرة البصرية من التفاقم، كما أننا نرى مع تقدم كافة المجالات الطبية، حدوث تطور في نتيجة العلاجات الحديثة؛ حيث أصبح بإمكان الطبيب أن يساعد المريض في الحفاظ على القدرة البصرية بدون تدهور؛ وذلك عن طريق عدة علاجات وقائية، سواء عن طريق الحقن، أو الليزر الذي يساهم في تراجع تورم الشبكية؛ لكنه ربما يسبب ضرراً في شبكية العين، لهذا يعد علاج الحقن هو الأفضل حالياً؛ لأنه يعالج رشح السوائل ويُعيد العين إلى وضعها الطبيعي في مركز النظر في اللطخة الصفراء بدون الحاجة لإجراء الليزر، ولابد من الذكر أن هذا العلاج حقّق نسبة نجاح كبيرة في تحسين القدرة البصريّة للمريض وحماية نظره من التراجع فيما بعد، وللحصول على نتائج مُرضية يجب أن يكون العلاج في مرحلة مبكّرة، لأنه إذا كانت وزمة اللطخة الصفراء أو تورم مركز النظر قد تشكلا منذ وقت طويل، فالعلاج سيصبح أصعب بالحقن وسيسبب إزعاجاً للمريض.

التهابات الشبكية

يذكر الدكتور محمد عماد عليلو مختص طب وجراحة العيون، أن الشبكية تتميز بتركيب فريد، ويتألف نسيجها الشفاف من مستقبلات ضوئية، وخلايا عصبية لا تتجاوز سماكتها 400 ميكرون يبطن الجزء الداخلي للعين، وهو المسؤول بشكل مباشر عن تشكيل خيال الأشياء المرئية، ويستند في ذلك إلى صف متماسك من خلايا تسمى بالظهارية الصباغية، كما تؤمن له الدعم والغذاء، وتكون مسؤولة عن سلامة أداء الشبكية لوظائفها الحساسة؛ حيث تستند هذه الخلايا إلى طبقة أوعية دموية تسمى المشيمية، وظيفتها الأساسية تزويد الشبكية بالأوكسجين والمواد الاستقلابية، وتصريف الفضلات، وبفضل هذا التلاصق والارتباط، يطلق مصطلح التهاب الشبكية على الالتهابات التي تصيب أي واحدة من هذه الطبقات أو كلاهما معاً؛ إذ تؤثر العوامل الممرضة في الطبقتين، ما يسبب التهاباً في الشبكية أو المشيمية أو كلاهما، وتتمثل أعراضة في اضطراب الأداء الوظيفي، الذي يتجلى بتشوش في الرؤية أو عتمات في ساحة الرؤية، التي ربما تكون مركزية أو محيطية تبعاً لمكان الإصابة، وفي بعض الأحيان تكون الأعراض مخاتلة؛ إذ تبدأ برؤية ذباب طائر كثيف ومزعج ثم لا تلبث أن تتطور الإصابة لاضطراب واضح في حدة الرؤية.

طرق تشخيصية

يفيد د. عليلو أن تشخيص التهابات الشبكية يتم بالكشف السريري من خلال الأعراض المميزة لالتهابات الشبكية، وخاصة إذا ترافقت مع أعراض إصابة في الأجهزة الأخرى؛ حيث يبدأ طبيب العيون بالتحري عن علامات التهاب الشبكية كوجود وذمات في الشبكية أو نزيف أو ندبات، ربما تترافق أيضاً مع وجود خلايا التهابية في الخلط الزجاجي، ما يعزز الشك السريري، ويؤكد التشخيص المبدئي لالتهاب الشبكية، وعندها تأتي مرحلة الاستقصاءات التي تشمل الفحوصات العينية الخاصة مثل التصوير الضوئي المقطعي للشبكية، وفي بعض الأحيان التصوير الظليل بالفلوروسين، إضافة إلى الاستقصاءات العامة؛ مثل: التعداد العام للدم وبعض التحاليل الدموية الخاصة التي نتوجه إليها من خلال الشك السريري، وربما نحتاج إلى دراسة شعاعية تتفاوت بين الصورة الشعاعية البسيطة إلى التصوير المقطعي المحوسب في بعض الحالات الخاصة؛ حيث إن هذه الطرق الاستكشافية ضرورية لوضع خطة العلاج وإعطاء الإنذار للمريض.

مسببات

يبين د. عليلو أن أسباب الإصابة بالتهاب الشبكية متنوعة، لكن يمكن تصنيفها إلى سببين رئيسيين وهما: –
* الالتهابات ذات الآلية المناعية الذاتية، وهي تنجم عن خلل في عمل جهاز المناعة، ويؤدي ذلك إلى أن تقوم الخلايا المناعية بمهاجمة أجزاء من العين سواء خلايا الشبكية أو النسيج العنبي أو الأوعية الدموية ضمن العين، كما تترافق الأعراض البصرية مع علامات إصابات أجهزة أخرى من الجسم تمت مهاجمتها مثل التهابات المفاصل بتجلياتها المتنوعة، التهاب القولون التقرحي، تقرحات جلدية وصولاً لالتهابات الرئة والتليف الرئوي كما في حالة الساركوئيد على سبيل المثال.
* الالتهابات الناجمة عن إصابة إنتانيه، ويحدث ذلك نتيجة إصابة بعوامل ممرضة تتنوع بين الفيروسات (الحلأ البسيط، المضخم للخلايا، نقص المناعة المكتسبة، الحصبة الألمانية الذي ربما تصيب الأجنة في الحياة الرحمية)، أو مجموعة الجراثيم المتنوعة كالتريبونيميا المسؤولة عن مرض السفلس والبروسيلا التي تسبب الحمى المالطية والبارتونيللا التي تسبب ما يعرف (بداء خرمشة القطة) أو نتيجة الإصابة بمرض السل المعروف والواسع الانتشار في بعض الأجزاء من العالم، الذي ربما يسبب في بعض تجلياته التهابات متنوعة داخل العين.
يستكمل: ربما تتسبب الفطور في الإصابة بالتهابات الشبكية والمشيمية كالمبيضات البيض، والرشاشيات الدخنية، ولعل أبرزها داء المقوسات (التوكسوبلاسما) وتعد من أكثر الأسباب شيوعاً، وخاصة لدى الإناث، وتكمن خطورتها في أنها تصيبهن في سن النشاط التناسلي، ما يهدد بانتقال هذه الإصابة إلى الأجنة لدى النساء الحوامل منهن، مسبباً إصابات شديدة لحديثي الولادة، ربما ينجم عنها حرمان أطفالهن من نعمة البصر؛ لذا وجب التنبيه إلى منع مخالطة الإناث في مرحلة الطفولة للقطط التي تنقل التوكسوبلاسما، مسببة إصابة مبدئية، لا تكون شديدة في البداية، ولا تلفت الانتباه؛ لكن تنشط في مراحل الشباب مسببة إصابات شديدة وتخلف عواقب مؤثرة في حدة الرؤية.

زرع الشبكية

تأتى إمكانية إنماء شبكية العين من خلايا الجلد الليفية، ضمن التقنيات المتقدمة في العلم المعاصر، في مجالات الطب الحديثة، ليستفيد منها الأشخاص المصابون بالعمى ومرض باركنسون، ويعود هذا الاكتشاف إلى البروفيسور في جامعة كيوتو اليابانية سيني يامانكي الذي اكتشف قدرة لإعادة برمجة خلايا الإنسان إلى حالة جنينية، حيث يمكن إنماء أي نسيج من تلك الخلايا الجذعية غير التفاضلية، كما أشار العلماء في مختبر بيولوجيا الخلايا إلى أن الجلد يصلح أكثر من أي عضو آخر لإجراء عملية إعادة البرمجة، إذ إن استخدام أنسجة الجلد لا يلحق أي ضرر عملياً بالمريض، أما الخلايا نفسها فتحتفظ بالقدرة على التكاثر، ما ينتج عنه تحقيق نجاح عملية الزرع وشفاء المسنين الذين تستهدفهم أمراض فقدان البصر.