الإنفلونزا..إنهاك جسدي وأمراض متعددة

مقالات

محمد هاني عطوي

مع دخول فصل الشتاء من كل عام تبدأ أوبئة الأنفلونزا باجتياح الناس كباراً وصغاراً في كافة أنحاء العالم وتتسبب في إحداث أمراض تتراوح بين خفيفة إلى وخيمة وصولاً في بعض الأحيان إلى الوفاة، وعلى الصعيد العالمي تتسبّب تلك الأوبئة السنوية في تعرض نحو ثلاثة إلى خمسة ملايين شخص إلى اعتلال وخيم فيما تتراوح حالات الوفاة بين 000 250 و000 500 حالة .
وتُسجّل في البلدان الصناعية معظم الوفيات المرتبطة بالأنفلونزا بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65. ونتيجة لهذه الأوبئة تزداد مستويات الغياب عن العمل والدراسة ما يؤدي إلى خسائر كبيرة في الإنتاجية. ويمكن أن يزداد العبء على العيادات والمستشفيات خلال فترة المرض ليصل إلى الذروة.
وتشير تقديرات البحوث في البلدان النامية إلى أن 99% من حالات الوفيات تصيب الأطفال دون سن الخامسة.
ويصاب ما بين 5 إلى 20 في المئة من الناس في الولايات المتحدة وحدها بفيروس الأنفلونزا. ويحتاج حوالي 200،000 من هؤلاء إلى العلاج في المستشفيات لكن الأمر الخطير أن ما يصل إلى 50 ألف شخص منهم يلقون حتفهم جراء هذا المرض!
ولا شك في أن المسنين الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة أكثر عرضة للإصابة بالأنفلونزا، لأن الجهاز المناعي لديهم يصبح أضعف مع التقدم في العمر. بالإضافة إلى ذلك، فإن هؤلاء الأشخاص هم أيضاً أكثر عرضة للإصابة بالعجز على المدى الطويل بعد الإصابة بالإنفلونزا، وخاصة إذا تم إدخالهم إلى المستشفى.
ومن المعروف أن أعراض عدوى الأنفلونزا تشمل الحمى والسعال والتهاب الحلق وآلام العضلات والصداع والتعب. لكن ما الذي يسبب كل هذه الفوضى المرضية؟ وما الذي يحدث في جسمنا ونحن نحارب الأنفلونزا؟
الواقع أن العدوى بفيروس الأنفلونزا تصل إلى الجهاز التنفسي، بدءاً من الأنف ثم الحنجرة والرئتين حيث يتم استنشاق الفيروس أو نقله عادة عن طريق الأصابع إلى الأغشية المخاطية في الفم أو الأنف أو العينين ثم ينتقل إلى أسفل الجهاز التنفسي من خلال الخلايا الظهارية المبطنة للمسالك الهوائية الرئوية عبر جزيئات محددة على سطح الخلية. وبمجرد دخول الخلايا، يقوم الفيروس باختراق آلات تصنيع البروتين في الخلية لتوليد البروتينات الفيروسية الخاصة به وإنشاء جزيئات فيروسية أكثر. وما أن يتم إنتاج جسيمات فيروسية ناضجة، حتى تنطلق من الخلية لتغزو الخلايا المجاورة.

الجنود المحاربون

العملية السابقة تتسبب في إصابة الرئة، لكن معظم أعراض الأنفلونزا تتضمن الاسـتجابة المناعية الأولية لخلايا الجهاز المــناعي للجسم، مثل الخلايا الضامة والمـتعادلة التي تعتبر بمثابة المـسـتـقبلات القادرة على الإحساس بوجود الفيروس. ثم يدق ناقوس الخطر عن طريق إنتاج جزيئات صغيرة تدعى السيتوكينات مثل الأنترفيرون وهو بروتين يمنع تكاثر الفيروس داخل الخلية ما يقلل انتشار العدوى الفيروسية من خلية إلى أخرى في الجسم، ولهذا فهو مهم للوقاية من الفيروسات حيث يعمل أيضاً على تنشيط الخلايا الأكولة الكبيرة والخلايا (تي) القاتلة التي تنبه بدورها الجسم بأن العدوى حدثت في الجسم. وتقوم السيتوكينات بتنسيق المكونات الأخرى لنظام المناعة لمحاربة الفيروس الغازي بشكل مناسب، بينما تقوم الكيموكينات وهي عائلة من السيتوكينات الصغيرة، أو إشارات البروتينات التي تفرزها الخلايا بتوجيه هذه المكونات إلى موقع العدوى.
وتلعب واحدة من أنواع الخلايا التي تسمى اللمفاويات التائية، وهي نوع من خلايا الدم البيضاء التي تحارب العدوى دوراً أساسياً في المناعة الخلوية. وسميت بالتائية نسبة إلى مكان نضوجها في الغدة الزعترية وينضج بعضها في اللوزتين بعد هجرتها من نخاع العظام.
ويطلق في بعض الأحيان على هذه الخلايا تعبير «الجنود المحاربون». فعندما تتعرف الخلايا التائية بشكل خاص إلى بروتينات فيروس الأنفلونزا، فإنها تبدأ في الانتشار في العقد الليمفاوية وحول الرئتين والحنجرة. ما يسبب التورم والألم في هذه العقد. وبعد بضعة أيام، تنتقل الخلايا التائية إلى الرئتين وتبدأ في قتل الخلايا المصابة بالفيروس. هذه العملية تسبب قدراً كبيراً من الضرر للرئة تكون مماثلة لالتهاب الشعب الهوائية، والتي يمكن أن تفاقم أمراض الرئة وتجعل التنفس صعباً. بالإضافة إلى ذلك، فإن تراكم المخاط في الرئتين، نتيجة لهذه الاستجابة المناعية للعدوى، يجعل الجسم يبدأ بالسعال كرد فعل في محاولة لمسح الشعب الهوائية.
الأداء السليم للخلايا التائية الخاصة بالأنفلونزا أمر حاسم للتخلص الفعال من الفيروس من الرئتين. وعندما تنخفض وظيفة الخلايا التائية، نتيجة لكبر السن أو أثناء استخدام أدوية مثبطة للمناعة، يتأخر زمن التخلص من الفيروس. وهذا يؤدي إلى عدوى طويلة وحدوث أضرار رئوية أكبر. ويمكن أيضاً أن تحدث مضاعفات أكبر كالالتهاب الرئوي الجرثومي الثانوي، والذي يمكن أن يكون مميتاً في كثير من الأحيان.

الشعور بالصداع

على الرغم من أنه يتم احتواء فيروس الأنفلونزا بشكل كامل في الرئتين في ظل الظروف العادية، فإن العديد من أعراضه تكون شاملة، حيث يشعر المرء المصاب بالحمى والصداع والإرهاق والألم العضلي. ومن أجل مكافحة عدوى الأنفلونزا بشكل صحيح، تصبح السيتوكينات والكيموكينات التي تنتجها الخلايا المناعية الفطرية في الرئتين نظامية أي أنها تدخل إلى مجرى الدم، وتسهم في إحداث مثل هذه الأعراض.
وعندما يحدث هذا، تنطلق سلسلة من العمليات البيولوجية المعقدة. منها أن الإنترلوكين- 1 وهو مجموعة من 11 سيتوكين ينشط وتنتج عنه تأثيرات حيوية لارتباطه مع مستقبل خاص على سطح الخلايا الحساسة. ويعد الإنترلوكين -1 مهماً لتطوير استجابة الخلية التائية القاتلة ضد الفيروس، ولكنه يؤثر أيضاً في جزء الدماغ في الغدة النخامية الذي ينظم درجة حرارة الجسم، ما يؤدي إلى الشعور بالحمى والصداع.

آلام عضلية

ثمة نوع من السيتوكين يحارب عدوى الأنفلونزا ويسمى «عامل نخر الورم ألفا». وله تأثيرات مباشرة مضادة للفيروسات في الرئتين، وهذا أمر جيد. ولكن يمكن أن يسبب أيضاً الحمى وفقدان الشهية، والتعب والضعف خلال الأنفلونزا وغيرها من أنواع العدوى.
كشفت دراسة على الحيوانات عن جانب آخر لكيفية تأثير عدوى الإنفلونزا في أجسامنا. فمن المعروف أن آلام العضلات ووهنها هي أعراض بارزة لعدوى الأنفلونزا. فقد أظهرت الدراسة أن عدوى الأنفلونزا تؤدي إلى زيادة في تأثير الجينات المحطمة للعضلات وانخفاض في تأثير الجينات البانية لها لا سيما في العضلات الهيكلية في الساقين ولذا فإن عدوى الأنفلونزا تعوق المشي وقوة الساق ما يشعر المرء بالتعب. الأهم من ذلك، أن هذه التأثيرات لدى الأطفال الصغار تكون عابرة وتعود الأمور إلى حالتها الطبيعية بمجرد إزالة العدوى.
في المقابل، يمكن لهذه الآثار أن تستمر فترة أطول بشكل ملحوظ عند الأفراد الأكبر سناً. وهذا أمر مهم، لأن انخفاض استقرار الساق وقوتها يمكن أن يؤدي إلى تعرض الأشخاص الأكبر سناً إلى السقوط أثناء التعافي من عدوى الأنفلونزا. كما يمكن أن يؤدي إلى عجز طويل الأمد وإلى ضرورة الاستعانة بعصا للمشي، ما يحد من الحركة.
ويعتقد الباحثون أن تأثير عدوى الأنفلونزا في العضلات يأتي كنتيجة أخرى غير مقصودة للاستجابة المناعية للفيروس.
ويعــــمل هؤلاء حالياً على تحديد العوامل المحددة التي يتم إنتاجها أثناء الاستجابة المناعية والمسؤولة عن ذلك، وإمكانية إيجاد طريقة لمنع حدوثها.

وسائل العلاج

تُتاح الأدوية المضادة للفيروسات في بعض البلدان ومن الممكن أن تقلل من المضاعفات الحادة والوفيات. الأمر المثالي هو إعطاء العلاجات مبكراً (في غضون 48 ساعة من ظهور الأعراض) في حالة المرض. وهناك صنفان من هذه الأدوية، هما:
مثبطات بروتين الأنفلونزا نورامينيداز (أوسيلتاميفير وزاناميفير) إضافة إلى دواء بيراميفير ودواء لانيناميفير المرخص بهما في عدة بلدان. ومحصرات أدمانتين لقنوات البروتون M2 (الأمانتادين والريمانتادين) التي يقال إنها مقاومة للفيروسات.
وتقوم منظمة الصحة العالمية برصد حسّاسية فيروسات الأنفلونزا المنتشرة إزاء الأدوية المضادة لها لتوفير أفضل استخدام مضاد للفيروسات خلال العلاج السريري والوقاية الكيميائية المحتملة. وفي الوقت الحالي، تقاوم أغلبية فيروسات الأنفلونزا السارية ما يعرف بمحصرات أدمانتين وتوصي المنظمة باستخدام مثبطات النورامينيداز كعلاج أولي للأشخاص المحتاجين إلى علاج مضاد للفيروسات.
وأخيرا إذا كنت تشعر باليأس عندما تتعرض لعدوى الأنفلونزا، يمكنك أن تطمئن لأن السبب هو أن جسدك يحارب بشدة انتشار الفيروس في رئتيك ويقتل الخلايا المصابة.