«عسر التلفظ»..كلام أبطأ وفهم أصـعـب

مقالات

يعاني البعض حالة ضعف في العضلات المستخدمة في الكلام، أو صعوبة التحكم فيها، وهو ما يتسبب في حدوث تداخل في الكلام للمصاب بهذه المشكلة، أو تباطؤ في الكلام، وبالتالي يؤدي إلى صعوبة في فهم حديثه.
ويطلق الاختصاصيون على هذه الحالة عسر التلفظ أو عسر الكلام، وتعتبر حالة مرضية يفقد المريض بسببها المقدرة على إخراج الأحرف بطريقة سليمة، وبالتالي ينطقها بشكل غير واضح، وتتداخل الحروف والكلمات معاً.
يعتبر من أبرز أعراض عسر التلفظ أن ينطق المصاب كلاماً مشوهاً وغير مفهوم؛ نتيجة الصعوبة في إخراج الأحرف، ومن ثم ينطقها بغير وضوح، أو يتحدث ببطء، ويعاني صعوبة في إخراج صفات الصوت من النبرة والحدة والنغمة، وبالتالي لا يفهم المستمع ما يقوله المصاب.
وتعد أكثر الأسباب وراء الإصابة بعسر التلفظ اضطرابات الجهاز العصبي، ومنها على سبيل المثال أورام الدماغ والسكتة الدماغية، والحالات التي تسبب شلل الوجه أو ضعف عضلات اللسان.
ويعتمد علاج عسر التلفظ على معالجة السبب وراء الإصابة، والذي ربما يحسن من الكلام، ويمكن أن يخضع المصاب لجلسات تخاطب؛ بهدف استعادة القدرة على الكلام.
ونتناول في هذا الموضوع مرض عسر الكلام بالتفاصيل، والعوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة به، وكذلك الأعراض التي تظهر مع توضيح طرق الوقاية والعلاج التقليدية والحديثة.

الجانب الأيسر واللغة

يشير الباحثون إلى أن الجانب الأيسر من الدماغ هو المسؤول عن اللغة والتواصل مع الآخرين، وتعرضه إلى أي ضرر يؤدي إلى خلل وعسر في الكلام، ويوضحون أن عضلات الشفتين واللسان والحبال الصوتية والحجاب الحاجز تقوم كلها بالعمل في المساعدة على التحدث بكلام مفهوم.
ويكون جزء الدماغ الذي يسيطر على هذه المجموعة لدى مريض عسر التلفظ لا يعمل بشكل جيد، وهو ما يجعل تحريكها بصورة متناسقة وسليمة أمراً صعباً.
ويصبح المريض نتيجة هذه الحالة غير قادر على التحكم في العضلات المسؤولة عن الكلام، وبالتالي لا يفهم الآخرون ما يقوله بشكل واضح.
ويمكن أن يواجه بعض مصابي هذه الحالة مشاكل بسيطة في الكلام، ويواجه آخرون صعوبات كبيرة في مخارج الحروف، حيث تتراوح الحالة بين الشديدة والخفيفة.

السكتة الدماغية والإصابات

يمكن أن يعاني المصاب بعسر التلفظ صعوبة في تحريك عضلات الفم أو الوجه أو الجهاز التنفسي العلوي؛ حيث إنه المتحكم في الكلام.
وتشمل الأسباب الشائعة وراء الإصابة بهذه الحالة السكتة الدماغية، والتي تعتبر السبب الأول، حيث يؤدي انقطاع الدم الذي يصل إلى الدماغ إلى موت الخلايا؛ وذلك لأنه لن يصل إليها الأكسجين والغذاء اللازمان لها، وهو ما يؤدي إلى حدوث ضرر دائم بها.
وتؤدي كذلك إصابات المخ والحالات التي تسبب شلل الوجه أو ضعف عضلاته إلى عسر التلفظ، وعلى سبيل المثال الوهن العضلي الوبيل، ومرض باركنسون ومرض ويلسون والتصلب الجانبي الضموري.
ويمكن أن يتسبب تعاطي المريض لبعض الأدوية مثل المهدئات والمسكنات أو المواد المخدرة في الإصابة بهذا المرض.

صوت خشن

تختلف أعراض عسر التلفظ بحسب السبب وراء الإصابة به، ولا يجب أن تظهر جميع الأعراض على الشخص، حتى يتم تشخيص حالته بأنه مصاب بعسر التلفظ؛ لأن هذا يعتمد على مدى الإصابة، والمنطقة التي تضررت في الدماغ.
ويؤدي عسر التلفظ إلى أن يكون كلام المصاب ذا صوت عالٍ أو منخفض للغاية، ويمكن أن يكون بطيئاً أو سريعاً للغاية، ويكون متشنجاً، أو ناعماً مثل الهمسة.
ويمكن أن يكون الصوت مجهداً، وربما أدت هذه الحالة المرضية إلى حدوث تغير في جودة النطق، وفي بعض الحالات يكون الصوت خشناً أو ممتلئاً، وكأن الشخص مصاب بالزكام.
ويمكن أن يفقد المصاب المقدرة على التعبير؛ حيث يصبح كلامه غير واضح أو مفهوم؛ وذلك لأن الكلمات تكون بصورة متقطعة.
ويكون الحديث بنمط غير طبيعي أو منتظم، ويكون بنبرة غير منتظمة أو بنبرة لا تتغير، ويعاني المصاب بعسر التلفظ صعوبة في عملية المضغ والبلع؛ وذلك نتيجة صعوبة تحريك الشفتين واللسان والفك، وتؤدي صعوبة البلع إلى سيلان اللعاب.

صعوبة التواصل

يجب الانتباه إلى أن عسر التلفظ لا يؤثر في الذكاء أو فهم الكلام، إلا أن المصاب ربما عانى مشاكل أخرى نتيجة هذه الحالة، حيث يتأثر تفاعله الاجتماعي، وبالتالي فرص التعليم والعمل.
ويتسبب عسر التلفظ في بعض الأحيان في الإصابة بعدد من المضاعفات، ومنها صعوبة التواصل؛ حيث يجد المحيطون بمريض عسر التلفظ صعوبة في فهمه عند الكلام معه، وهو ما يقلل من قدرات المريض على التواصل بصورة طبيعية.
ويؤدي بالتالي إلى صعوبة التواصل في العلاقات الاجتماعية العائلية، وعلاقاته بالأصدقاء، وربما أدى الأمر إلى بعض المواقف الاجتماعية الصعبة والمشاكل.
ويؤدي عسر التلفظ نتيجة التأثير في العلاقات الاجتماعية إلى إصابة المريض بالعزلة، والتي من الممكن أن تتطور في بعض الحالات إلى الإصابة بالاكتئاب.

اختبارات للمخ

يتم تشخيص عسر التلفظ من قبل اختصاصي الأعصاب، والذي يتعرف من المريض إلى الأعراض التي يعانيها، مع قيامه بالفحص الجسدي.
ويطلب منه عدداً من الاختبارات، منها الأشعة التشخيصية، مثل أشعة مقطعية، أو رنين مغناطيسي لتصوير المخ والرأس والرقبة، وذلك بهدف معرفة السبب وراء الإصابة بهذه الحالة.
ويجري اختبارات للمخ والأعصاب، تشمل تسجيل النشاط الكهربائي للمخ؛ وذلك لقياس النشاط الكهربائي للأعصاب، وقدرتها على نقل الرسائل للعضلات.
ويتم عن طريق هذا الاختبار قياس سرعة الإشارات التي تخرج من الأعصاب وتصل إلى العضلات، وكذلك قياس قوتها، ومن خلال هذه القياسات يتمكن الطبيب من معرفة السبب في هذه الحالة، وهل هو خلل في المخ أم الأعصاب؟.
وتكشف اختبارات الدم والبول عن احتمالية عدوى أو التهابات تسببت في الإصابة بهذه الحالة المرضية، ويمكن أن يتم أخذ عينة من السائل الشوكي-الفقري لفحصها في المعمل؛ وذلك حتي يتم الكشف عن وجود أي عدوى أو اضطرابات الجهاز العصبي المركزي، مثل مرض التصلب العصبي المتعدد.
وتقيس الاختبارات العصبية النفسية الوظائف الإدراكية والعقلية واللغوية، وتقيس كذلك قدرة الذاكرة عند المصاب، وقدرته على الحكم على الأمور.

جلسات تخاطب

يعتمد علاج عسر التلفظ على التعامل مع السبب الذي أدى للإصابة بهذه الحالة، وعلى سبيل المثال إذا كان السبب دواء تعاطاه المصاب، فيتم اللجوء إلى الطبيب لتغييره أو التوقف عن تعاطيه.
ويعتبر العلاج التخاطبي اللغوي هو الأساس في استعادة المريض مقدرته على الكلام بشكل طبيعي، ويقوم اختصاصي التخاطب بتحديد شدة الحالة، ووضع خطة العلاج، بناء على عمر المريض وحالته الصحية وقابليته للعلاج.
وتتضمن خطة العلاج التي يقوم بها مختص علاج سمع ونطق جلسات التخاطب وممارسة اللغة، كما تتضمن إخضاع المريض لتمارين القراءة والكتابة.
وتتحسن قدرات المريض على الاستماع والتحدث وإدارة الحوار، ويلاحظ عقب انتهاء مدة العلاج تحسن القدرة على الكلام بشكل جيد والتواصل مع الآخرين، مع زيادة الثقة بالنفس.
ويمكن أن يتبنى الاختصاصي بعض الوسائل المساعدة، وذلك إذا فشل المصاب في التواصل مع الآخرين على الرغم من تلقيه جلسات التخاطب.
وتسمى هذه الوسائل بالاتصال التعزيزي البديل، وتمكن المصاب من التواصل مع الآخرين، وتشمل الاستعانة ببعض الوسائل المرئية أو الإيماءات، أو أدوات إلكترونية تساعده على التواصل مع من حوله.

التعايش مع المرض

تشير دراسة حديثة إلى أنه يمكن تعايش المصاب بعسر التلفظ مع المرض، وذلك من خلال مساعدة نفسه، وتشجيع الأهل والأصدقاء له، ويعتمد كلا الأمرين على عدد من الإجراءات.
يمكن أن يبدأ المصاب حواره أو الموضوع الذي يتحدث فيه بجمل قصيرة أو حتى كلمة واحدة، وذلك قبل التحدث بعبارات طويلة، ويجب على المريض التأكد من أن المستمعين يفهمون ما يقول وعلى دراية به.
ويجب على المصاب الاسترخاء والراحة، حيث يحد التعب من قدرته على الكلام، ويفيد الاحتفاظ بورقة وقلم حتى يستعين بهما، إذا لم يتسن فهم ما يقوله شفهياً، وكذلك يستخدم وسائل الفهم المساعدة من رسوم توضيحية وصور، أو الإشارة إلى العناصر المتاحة، وكذلك استخدام الإيماءات التي ربما ساعدت في نقل الرسالة، وعدم إجهاد المصاب بقول كل شيء.
وتتمثل مساعدة الأسرة والأصدقاء للمصاب بإعطائه الفرصة للتحدث، مع عدم الضغط عليه مهما طالت مدة الحديث، ويجب عدم وضع نهايات لكلماته، أو تصحيح أخطائه، مع النظر إليه عند الحديث معه.
وينبغي جعل المصاب بتعسر التلفظ يشارك في محادثات عديدة بهدف ممارسة اللغة، فكثرة الممارسة مفيدة، ويلاحظ أن الشخص المتعثر في حديثه يفهم ما يقوله الآخرون بشكل جيد، وبالتالي فعلى من يحدثه أن يتكلم بشكل طبيعي، دون حاجة للحديث بشكل أبطأ أو التحدث بصوت عال.